عندما وصل عبد المجيد القلموني إلى لبنان، قبل ست سنوات، شعر أنه قوبل "بتعاطف"، وقال لسوريا على طول "في بداية الأمر، أبدى الجميع رغبة في الوقوف إلى جانبنا"، مشيراً إلى أنهم  "نظروا إلي كإنسان، كلاجئ فرّ من الحرب"، لكن حسن الضيافة هذا لم يدم طويلاً.

وبحلول عام ٢٠١٤، ارتفع عدد اللاجئين المسجلين في لبنان إلى أكثر من مليون لاجيء، مما جعلها البلد الذي استضاف العدد الأكبر من اللاجئين السوريين في العالم مقارنة بعدد سكانها.

وفي الوقت الذي تراكمت فيه الضغوط المالية على الدولة المثقلة مسبقاً بالديون، ومع وجود جماعات متشددة شكلت آنذاك تهديداً متزايداً على حدود البلاد، غيّرت الحكومة اللبنانية سياستها جذرياً في عام ٢٠١٤، وبدأت باتباع سلسلة من السياسات الصارمة تجاه اللاجئين تهدف بشكل واضح في حثّهم على العودة.

وأصبح الحصول على إقامة قانونية في لبنان أو الحفاظ عليها في حال وجودها أمراً في غاية الصعوبة. وتم إقصاء الآلاف من السوريين ليعيشوا على هوامش المجتمع.

وقال القلموني "بدؤوا بالتدقيق علينا لأي سبب... سواء كان ذلك لتجديد تصريح إقامتك أو السماح للسوريين بالدخول إلى لبنان".

والآن، يقول لاجئون مثل القلموني أن الضغوط من أجل الحثّ على العودة هذه الأيام، أصبحت واضحة أكثر من أي وقت مضى، فأنت "تسمع ذلك في أي مكان في الشوارع: المناطق التي أتيت منها أصبحت آمنة الآن، وعليك العودة"، بحسب ما قاله لسوريا على طول.

وفي اجتماع له مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الشهر الماضي، أشار وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل إلى أن العودة إلى سوريا لا ينبغي أن تكون طوعية، حيث قال "حان الوقت لعودتهم".

وعلى مدار العام الماضي، تمكنت الحكومة السورية من تحقيق مكاسب إقليمية واسعة النطاق، وساهم ذلك - بدعم من الحكومة السورية وحلفائها الروس - في الترويج لفكرة أن الحرب تقترب من نهايتها وأن العودة أصبحت آمنة بالنسبة للاجئين.

وبناء على تلك الرواية، بدأ صناع القرار السياسي في البلدان المضيفة للاجئين، ابتداء من لبنان وصولاً إلى أوروبا، بالضغط بشكل متزايد على السوريين للعودة إلى ديارهم.

وفي ظل تراجع تمويل الأطراف المانحة للاجئين، بدأت المنظمات الإغاثية تضع نفسها بحذر ضمن المشهد السياسي الجديد، في ظل مزاعم بأن تلك المنظمات تقلل من وجودها في البلدان المجاورة، وتحوّل اهتمامها إلى دمشق.

وترك المشهد المسيّس اللاجئين السوريين يواجهون خياراً صعباً: وهو مقارنة خوفهم من العودة بالإمكانيات الغامضة لبناء مستقبل دائم في الأماكن التي لجؤوا إليها.

Embed from Getty Images

عمال الصليب الأحمر اللبناني يتحدثون إلى اللاجئين السوريين وهم في طريقهم من عرسال في سهل البقاع اللبناني إلى سوريا في تموز الماضي. تصوير: فرانس برس/Getty Images.

العودة بـ"سلامة وكرامة"

رغم مخاطر التجنيد والاعتقال، إلى جانب التكاليف والبيروقراطية التي ينطوي عليها الحصول على الوثائق، بدأ عدد قليل من اللاجئين السوريين في لبنان والأردن التدفق ببطء عبر الحدود إلى سوريا.

وتنشر وسائل الإعلام السورية بانتظام صوراً، تعلن فيها عن وصول مجموعات من اللاجئين عبر الحدود.

وبطريقة ما، يتعين على المفوضية السامية لشؤون اللاجئين الرد.

وفي تسجيل فيديو حديث للحملة، دعت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى تقديم الدعم ومساعدة اللاجئين العائدين إلى سوريا في إعادة بناء منازلهم المدمرة، وظهر في الفيديو أطفال سوريون يلعبون بين أنقاض مدينة سورية لم يتم تحديدها، ويتناوبون على إنزال ما تبقى من السقف الإسمنتي المدمر في مبنى سكني، قبل أن يشرح أحد الآباء العائدين كيف تمكن، بمساعدة المفوضية، من إصلاح أبواب ونوافذ منزله.

ويُعدّ الفيديو أحد العلامات المنتشرة التي تشير إلى مساعي المجتمع الدولي في إيجاد حل لمشكلات العودة، مع تحويل انتباههم إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة داخل سوريا.

ويتحدث العاملون في المنظمات غير الحكومية في أنحاء المنطقة، عن تسريح الموظفين وخفض التمويل، بحجة أن المنظمات بدأت تغلق أبوابها في الدول المجاورة.

وأثار تحول الاهتمام قلقاً بين المنظمات غير الحكومية المحلية، واللاجئين السوريين الذين يخشون أن تساهم المشاريع في دمشق في إضفاء الشرعية على الحكومة السورية، والضغط بشكل غير مباشر على اللاجئين للعودة.

وقال هشام ديراني، مدير منظمة بناء للتنمية، وهي منظمة غير حكومية، مقرها تركيا "سيقولون بعد ذلك: انظروا كيف عادت الخدمات إلى هذه المناطق؟ يجب أن يعود الناس إلى منازلهم". وتقدم منظمة ديراني المساعدات الإنسانية عبر الحدود، داخل سوريا، في مناطق سيطرة المعارضة.

ووضع الحديث المتزايد حول عمليات العودة، المفوضية العليا للاجئين في موقف صعب على ما يبدو، وهو دعم جزء من ستة ملايين لاجئ خارج سوريا يريدون بالفعل العودة الآن، لكنهم يفعلون ذلك دون تشجيع المزيد من العائدين.

ويتمثل أحد الأهداف المعلنة لخطة الاستجابة الإقليمية الدولية للأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية لعام ٢٠١٩، في "ضمان العودة الذاتية بكرامة، دون الحث على عودة إضافية".

ولم تشارك المفوضية حتى الآن في تنظيم عمليات العودة، إلا أنها قالت إنها "تحترم" القرارات العودة الفردية لبعض اللاجئين. وفي الأردن، تسهل الوكالة عمليات نقل اللاجئين الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الرحلة بأنفسهم، من بعض المخيمات إلى المعبر الحدودي السوري- الأردني.

وقالت رولا أمين، المتحدثة باسم المكتب الإقليمي للمفوضية في عمان، إن "المفوضية تدعم اللاجئين الذين يتخذون خيار العودة، حتى يتمكنوا من العودة بكرامة"، مضيفة أن موقفهم "غير سياسي ومتناسق مع المعايير الإنسانية الدولية المقررة".

وأوضحت لسوريا على طول، أن الوكالة "تعمل مع الحكومة السورية وجميع البلدان الأخرى ذات الصلة، للتعاون من أجل تحسين الظروف على الأرض"، بهدف جعلها "أكثر ملائمة لعودة اللاجئين وإعادة تأسيس حياتهم في سلامة وكرامة".

"نشر الخوف"

تُعدّ العودة الآمنة والكريمة واحدة من "الحلول الدائمة" للاجئين، التي تعمل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية على تحقيقها.

وفي مؤتمر "بروكسل الثالث" للمانحين الذي استضافه الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في العاصمة البلجيكية الشهر الماضي، أكد المجتمع الدولي من جديد على أن الظروف داخل سوريا ليست مناسبة بعد لبدء الترويج أو تسهيل العودة الطوعية المنظمة للاجئين.

ومع ذلك، فإن بعض المجتمعات التي استضافت اللاجئين تضغط بشكل متزايد على برنامج العودة، مما يزيد الضغط على اللاجئين والمنظمات الإنسانية.

ومن جهته شددت الحكومة اللبنانية بشكل خاص على خطابها بشأن العودة، داعية السوريين إلى العودة إلى المناطق التي تعتبرها الآن "آمنة" في البلاد.

وفي نيسان الماضي، بدأت سلطات الحكومة اللبنانية في تنظيم عمليات العودة إلى "المناطق الآمنة" في سوريا، بالتنسيق مع جهاز الأمن السوري، ومنذ ذلك الحين، ووفقاً للمسؤولين اللبنانيين، عبر ما بين 55000 و 90000 سوري الحدود، ولاتزال الأرقام غير مؤكدة.

وادعت الأطراف المعنية أن عمليات العودة "طوعية تماماً"، مع أن اللاجئين أنفسهم أشاروا إلى ظروف معيشية غير إنسانية، وبيئة سياسية معادية، ومضايقات حين تحدثوا عن الأسباب الرئيسية التي دفعتهم للعودة، حيث تتساءل مجموعات حقوق الإنسان عن حالات العودة الطوعية في ظل هذه الظروف.

كما أقر أمين بأن تسييس عمليات العودة، و"الضغط الذي يواجهه اللاجئون ... يبقى واحداً من التحديات الرئيسية".

التأقلم في هذا المشهد ليس بالمهمة السهلة، فقد واجهت المفوضية بالفعل ضغوطاً من السلطات اللبنانية لتغيير مسارها.

وفي حزيران الماضي، أمر وزير الخارجية اللبناني باسيل سلطات الهجرة بتجميد طلبات الإقامة لموظفي المفوضية، متهماً المنظمة بعدم تشجيع اللاجئين على العودة من خلال "نشر الخوف".

وأشار باسيل إلى أن المفوضية تسعى جاهدة في إبلاغ اللاجئين الراغبين في العودة بالمخاطر المحتملة التي ينطوي عليها ذلك.

Embed from Getty Images

أطفال سوريون يركبون درّاجتهم خارج مخيم الأزرق في الأردن في آب. الصورة من خليل مزراوي / غيتي إيمجز.

"الضغط من الجانبين"

لم تأخذ جميع الدول المجاورة نفس الموقف العدائي الذي اتخذه لبنان، فالأردن يستضيف حوالي مليون لاجئ، إلا أن المسؤولين الأردنيين قد صاغوا نغمة أكثر تصالحية بشأن مستقبل اللاجئين في البلاد.

ورغم أن الحكومة الأردنية شجعت مرارًا وتكرارًا على العودة الطوعية للسوريين، إلا أن رئيس الوزراء الأردني عمر رزاز، أكد على أن العودة الجماعية للاجئين لم تكن متوقعة في المستقبل القريب، مما يوحي إلى أن "ظروف عودتهم غير موجودة" في الوقت الحالي، ويحذر من تعب المانحين.

أما وزير خارجية البلاد، أيمن الصفدي، لم يستبعد العودة الطوعية كخيار.

ومنذ إعادة فتح معبر جابر- نصيب الحدودي بين الأردن وسوريا في الخريف الماضي، عاد أكثر من 12000 سوري، وفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حيث كانت  عودة معظمهم على أساس فردي وغير منظم.

وفي الوقت نفسه، أعرب أقل من ستة في المئة من اللاجئين في الدول المجاورة لسوريا، والذين شملهم استطلاع المفوضية الشهر الماضي، عن نيّتهم بالعودة خلال العام المقبل.

من جهته، لا ينوي علي العبدالله، العودة إلى منزله في محافظة القنيطرة الجنوبية الغربية في الوقت القريب، خوفًا من الاعتقالات التعسفية والظروف المعيشية القاسية في سوري، ووصل العبد الله إلى الأردن، مع والدته وزوجته وأطفاله الأربعة، في عام 2013.

وقال إنه لا يشعر بالضغط السياسي المباشر من الحكومة الأردنية أو المنظمات الإنسانية، ولكن انخفاض التمويل وتدهور الظروف المعيشية تجعله والناس من حوله يشعرون بأنهم محاصرون بشكل متزايد.

وأضاف "لا أحد يجبر الناس على العودة، لكن الظروف التي يعيشها اللاجئون تضغط عليهم أكثر من أي قرار سياسي".

ومنذ وصوله إلى الأردن، عمل العبد الله مع عدد من المنظمات غير الحكومية، لكن في أواخر العام الماضي، تغير وضعه فجأة من عامل إغاثة إلى مستفيد منها، بعدما فقد وظيفته بسبب انخفاض التمويل.

والآن، يرى المحامي السابق غير المتأكد من كيفية إعالة أسرته، أن الخيارات قليلة أمامه.

و أوضح، "لا نرى أي حل للوضع في سوريا في المستقبل القريب، ولا نرى تحسناً في ظروف السوريين في البلدان المجاورة أيضا"، وأضاف "نحن نواجه ضغوطًا من الجانبين".

Embed from Getty Images

بائع متجول يبيع الفاصوليا الخضراء في حي فقير بغازي عنتاب في تركيا، تشرين الأول. الصورة مجاملة من NurPhoto / Getty Images.

"لا شيء مؤكد"

مع وجود أكثر من 3.4 مليون سوري على أراضيها، تستضيف تركيا أكبر عدد من اللاجئين في العالم.

وهناك، غالباً ما تم الإشادة بالجهود التي بذلتها السلطات لضمان الحماية القانونية للسوريين، ودمجهم في القوى العاملة، ومنحهم حق الوصول المجاني إلى الرعاية الصحية والتعليم.

ورغم ساعات العمل الطويلة، والعقبات التي تحول دون الحصول على تصاريح العمل، والقيود المفروضة على حرية تنقلهم، أخبر السوريون في تركيا سوريا على طول، أنهم يشعرون بمعاملة جيدة من قبل السكان والسلطات المحلية.

لكن الموقف التركي بدأ يتغير، والخطاب السياسي حول العودة أصبح عدائياً بشكل متزايد. وقد روّج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ فترة طويلة لفكرة إنشاء "منطقة آمنة" في شمال سوريا، في الأراضي الخاضعة حالياً للسيطرة التركية الفعلية، والتي يمكن للسوريين في تركيا العودة إليها. وزعمت جماعات حقوق الإنسان أن السلطات التركية قد قامت بترحيل الآلاف من اللاجئين السوريين قسراً عبر الحدود.

وخلال الانتخابات المحلية التي جرت الشهر الماضي، دفع حزب المعارضة اليميني في تركيا أيضًا بأجندة قاسية ضد اللاجئين.

فادي نجار، وهو سوري في الثلاثينات من العمر من حلب، عمل مع العديد من المنظمات غير الحكومية منذ وصوله إلى تركيا لأول مرة، في عام 2012، وقال إن وضعه المالي مستقر، ولديه تصريح عمل يمنحه حقوقاً قانونية لا يستطيع الكثير من السوريين الحصول عليها.

ومع ذلك، فإن التصريح يذكره باستمرار وضعه كلاجئ، وقال أنه يواجه عمليات تفتيش أمنية دقيقة في كل مرة يغادر فيها منزله في اسطنبول لزيارة أسرته في غازي عنتاب.

وأضاف، "تشعر أنك مجرم".. "هذا مهين".

وفي كلتا الحالتين، لا ينوي النجار العودة إلى سوريا، وسيكون سعيداً بالبقاء في تركيا وبناء حياة هناك إذا سٌمح له بذلك، مضيفاً أن معظم أصدقائه السوريين قالوا نفس الشيء.

وقال أن حياته محاطة بالغموض، مؤكداً أنه "قد يتم إلغاء تصريح الإقامة الخاص بي في أي وقت، وقد يتم ترحيلي لا أعرف إلى أين"... "أنا لا أشعر بالأمان مطلقاً".

وفي إشارة إلى موجات جديدة من المشاعر المعادية للاجئين كل بضعة أشهر، قال النجار إنه يشعر بتزايد الضغوط.

وختم "لا يوجد شيء مؤكد، أنا لا أفكر أبعد من شهر واحد من الآن".