عمان- لا يعد استخراج وثيقة "قيد مدني" من السفارة السورية في العاصمة الأردنية عمّان إجراءً روتينياً بالنسبة للمراجعين. فعدا عن الوقوف في طوابير الانتظار لساعات، هناك رسوم التسجيل الباهظة التي كانت سبباً في تخلّف كثير من السوريين اللاجئين أو المقيمين في الأردن عن تسجيل أبنائهم المولودين في المملكة، ووقوعهم تالياً في فخّ "الغرامة" عن هذا التأخير.

في تشرين الثاني/ أكتوبر 2018، أعيد فتح الحدود السورية – الأردنية بعد إغلاقها لأكثر من ثلاث سنوات، ما دفع سهى الحسين إلى التفكير في زيارة وطنها، بعد أن تمكنت من تأمين مبلغ 175 دولار أميركي، هو مجموع رسوم تسجيل ابنتها ذات الثلاث سنوات لدى السفارة السورية، والغرامات المترتبة على تأخرها في ذلك.

مطلع الأسبوع الحالي، راجعت الحسين (24 عاماً) السفارة السورية، لتفاجأ، كما قالت لـ"سوريا على طول"، بإجراءات "أكثر تساهلاً" تجاه الراغبين في العودة.

إذ عدّلت السفارة السورية في عمّان شروط عودة المواطنين – المولودين في الأردن وغير المسجلين لدى السفارة – إلى سوريا، ضمن سلسلة من الإجراءات الرامية إلى "تقليص عدد معاملات الأحوال المدنية في السفارة، وتخفيف الأعباء المادية على المراجعين"، بحسب ما ذكر مصدر من السفارة لـ"سوريا على طول"، طالباً عدم الكشف عن اسمه.

ويتيح التعديل الجديد، الذي بدأ العمل به قبل شهر تقريباً، عودة السوريين المولودين في الأردن بناء على شهادة ميلاد أردنية و"تذكرة مرور" إلى سوريا فقط، فيما كان يُشترط سابقاُ استخراج "قيد مدني" من السفارة للحصول على تذكرة المرور.

هكذا، لم تدفع الحسين، كما أكدت، سوى 50 دولاراً أميركياً للحصول على تذكرة مرور (لابنتها) إلى سوريا، على أن تستكمل إجراءات تسجيلها وإصدار جواز سفر لها هناك.

وبحسب المصدر في السفارة السورية، يدفع المواطن السوري حالياً "25 دولاراً أميركياً رسوم تصديق شهادة الميلاد الأردنية، و25 دولاراً رسوم تذكرة المرور إلى سوريا، ويتابع هناك إجراءات تثبيت الواقعة واستخراج الأوراق المطلوبة".

وتبلغ رسوم تثبيت واقعة الولادة في السفارات السورية 75 دولاراً أميركياً للأطفال دون سن الثلاثة أشهر، يضاف إليها مبلغ 50 دولاراً أميركياً غرامة تأخير للمواليد الذين تقل أعمارهم عن عام واحد، و100 دولار أميركي لمن تزيد أعمارهم عن ذلك.

ورغم أن غرامات التأخير لا تسقط عن المخالفين الراغبين في الحصول على وثائق من دوائر الأحوال المدنية داخل سوريا، إلا أن قيمتها "أقل بكثير" مما يتوجب دفعه في السفارات. وهو ما شجّع بلال الحمصي (35 عاماً) على إرسال زوجته وأولاده إلى بلده والاستفادة من التعديل الجديد، بحسب قوله.

وقال الحمصي لـ"سوريا على طول": "ابني الأول عمره 3 سنوات، وابنتي 6 أشهر. ورسوم تسجيلهما في السفارة مع الغرامات 300 دولار أميركي". غير أنه استفاد من التعديل الجديد، فدفع مبلغ 100 دولار أميركي فقط لتصديق شهادتي ميلادهما الأردنيتين وحصولهما على تذكرة مرور.

وبحسب المادة (68) من قانون الأحوال المدنية في الجمهورية العربية السورية "يستوفى رسم مقداره 10 آلاف ليرة سورية (20 دولار أميركي تقريباً) من المكلف بالتبليغ عن حدوث واقعة أحوال مدنية، إذا لم يبلغ عنها بعد مضي سنة ميلادية على حدوثها".

ويوضح محامٍ في دمشق لـ"سوريا على طول" أن "كل مولود لم يُثبّت في سجلات الدولة داخل سوريا أو خارجها وتجاوز العام من عمره تُفرض عليه غرامة مالية ومحضر ضبط شرطة للحصول على قرار محكمة بتوثيق الواقعة".

منبهاً إلى "ضرورة تصديق أي ورقة رسمية من وزارة الخارجية في بلد المنشأ والسفارة السورية فيها".

وبحسب تصريح للناطق باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأردن محمد حواري، في مارس/آذار الماضي، فإن أكثر من ١٢٥ ألف طفل سوري ولدوا على الأراضي الأردنية، منذ اندلاع الثورة السورية وما تلاها من نزاع. فيما يبلغ عدد الأطفال المسجلين رسمياً في المفوضية، بحسب آخر إحصائية صادرة الشهر الماضي، ١٠٧,٢٦٨ طفلاً دون سن الخامسة في الأردن.

طغيان المخاوف الأمنية

رسمياً، تولي الحكومة السورية "أهمية قصوى" لعودة اللاجئين والنازحين، و"تبذل جهوداً كبيرة لتأمين سبل الحياة الكريمة لهم"، بحسب تصريح سابق لوزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم. لكن أرقام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، كما تصريحات الدول المضيفة، تؤكد أن عودة اللاجئين لا تزال خجولة.

وتقدّر المفوضية أعداد اللاجئين السوريين الذين غادروا الأراضي الأردنية إلى سوريا في العام الماضي والنصف الأول من العام الحالي بنحو 20 ألف لاجئ سوري فقط، من أصل أكثر من 664 ألف لاجئ مسجل لديها.

كما طالبت الناطقة الرسمية باسم الحكومة الأردنية جمانة غنيمات المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه اللاجئين السوريين في الأردن، مشيرة إلى أن أرقام العائدين طوعاً لا تزال متواضعة، فيما المملكة ملتزمة بعدم إجبارهم على العودة القسرية.

وينشغل كثير من اللاجئين السوريين في مجالسهم بأحاديث "العودة الآمنة" إلى سوريا ومصير من اتخذ هذه الخطوة فعلاً، لا سيما في ظلّ الحديث عن اعتقال الحكومة السورية لمئات اللاجئين العائدين.

وقال بلال الحمصي – الذي فضّل عدم مرافقة عائلته في زيارتها إلى سوريا –: إن "التسهيلات الحكومية تخفف الأعباء المالية علينا، ولكنها لا تلغي المخاوف الأمنية، وخاصة لفئة الشباب".

وختم بقوله "أنا لست مطلوباً لأي جهة أمنية في سوريا. لكن الحديث عن اعتقالات بحق العائدين، وعمليات التجنيد الإجباري، تبدد فكرة العودة في الوقت الحالي".