عمان- فيما شددت على إدانة "العنف والقتل ضد أي إنسان، بمعزل عن عرقه ودينه ولونه"، تساءلت اللاجئة السورية إلى فرنسا، هويدا عمر، مستنكرة إن كانت "مضطرة كامرأة محجبة إلى تبرير نفسي والدفاع عنها؟ وهل يجب عليّ كمسلمة أن أتغير حتى أنال الرضا هنا؟".

تعيش عمر، 45 عاماً، مع طفلها الوحيد، في مدينة ستراسبورغ، عاصمة إقليم ألزاس، منذ وصولها إلى فرنسا في نيسان/أبريل 2019، بصفة "طالبة لجوء". ولم تتعرض ابنة مدينة مضايا بريف دمشق طيلة إقامتها "للتمييز أو التهديد من فرنسيين أصليين"، كما قالت لـ"سوريا على طول"، باستثناء مرة واحدة، حين "اقتربت مني امرأة مسنّة أثناء شرائي حاجيات من أحد مراكز التسوق -لا أعرف إن كانت من أصول فرنسية أصلاً- وقالت لي: منذ وصول المحجبات خربت فرنسا".

لكن الآن، ومع اقتراب موعد مقابلتها الثانية في المحكمة الخاصة باللجوء (الأوفيرا) في العاصمة باريس، للبتّ بطلب لجوئها، تشهد فرنسا حالة توتر على خلفية مقتل المدرس صامويل باتي، في 16 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، على يدّ شاب شيشاني، بعد عرض باتي رسوماً مسيئة للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم. ما جعل عمر "تفكر بكل شيء"، كما قالت. "كيف أذهب إلى محطة القطار؟ هل أستقلّ القطار لوحدي؟ هل سيحدث شيء معي خلال انتظاري هناك، خصوصاً بعد الحديث عن طعن سيدتين محجبتين عند برج إيفل".

في المقابل، أبدت اللاجئة السورية سما الحمصي (اسم مستعار) تخوفاً أقل من وقوع اعتداء ضدها كونها محجبة. لكنها عبّرت، مع ذلك، عن قلقها الشديد "من مآلات الأحداث التي شهدتها فرنسا في الآونة الأخيرة"، معتبرة في حديثها إلى "سوريا على طول" أن "الفرنسيين أنفسهم لديهم القلق نفسه من وقوع هجمات ضدهم على أيدي متطرفين وعنصريين".

دور الإعلام في بثّ الخوف والكراهية

بعد ثماني سنوات قضاها في مناطق المعارضة السورية متنقلاً بين ضواحي دمشق وشمال غرب سوريا، نجا خلالها من قصف قوات النظام الأسد، وصل الشاب محمد سامر (اسم مستعار) إلى فرنسا مطلع العام 2019. ورغم تجربته "القصيرة في فرنسا، إلا أنني كعربي ومسلم لم أشعر بأي تمييز"، كما ذكر لـ"سوريا على طول". مشيراً إلى أن روتين الإجراءات الحكومية الفرنسية "يطبق على الجميع، سواء كان اللاجئ من أرمينيا أو روسيا أو غيرها، وبمعزل عما إذا كان مسلماً أم مسيحياً، فجميع طالبي اللجوء قد يمرون بظروف صعبة هنا".

ومنذ وصوله إلى فرنسا، يحرص سامر المنتمي لعائلة محافظة، على "أداء صلاة الجمعة في المسجد القريب من بيتي". معبراً عن سروره "بنشاط الجالية الإسلامية الكبير"، لاسيما في مكان إقامته بضواحي مدينة سانت اتيان جنوب فرنسا، حيث "تعيش نحو 3 آلاف عائلة مسلمة، تشكل ثلث سكان المدينة"، كما قال. مستدركاً بأنه يتخوف في الوقت ذاته من "الضخ الإعلامي لوسائل الإعلام الفرنسية، كما انجرار بعض المسلمين إلى ارتكاب أفعال من شأنها التسبب في حرماننا من هذه الحرية، وإغلاق مساجدنا".

ففي أعقاب الكشف عن هوية منفذ قتل المدرس باتي، "كان هناك ضخ إعلامي مبالغ فيه من وسائل إعلام وأطراف سياسية فرنسية ليلاً نهاراً، ما دفعنا إلى الخوف حقاً"، كما أوضح سامر، لدرجة "صرت أحس بأنني سأتعرض لاعتداء بمجرد خروجي إلى الشارع". لكن هذا الشعور لا يلبث أن يبدده الواقع، إذ "بمجرد خروجك ترى الحياة كما كانت، وجارك الفرنسي يتودد إليك كما كان يفعل سابقاً". لافتاً إلى أنه أجرى "عدة معاملات رسمية في البلدية بعد الحادثة، لم أشعر خلالها باختلاف المعاملة على الصعيد الحكومي".

تأكيداً على ذلك، اعتبرت الصحافية السورية لجين حاج يوسف، رئيسة تحرير راديو روزنة الذي يبث من باريس، أن "مضمون وسائل التواصل الاجتماعي أسهم في تهويل الأخبار التي تخدم بروباغاندا الأطراف السياسية، وتحشيد الأطراف ضد بعضها بعضاً، كما أسهم في ارتفاع خطاب الإسلاموفوبيا". 

ويتعزز دور الضخّ الإعلامي من خلال إعادة إثارة "قضية باتي التي أصبحت باردة بعد أربعة أو خمسة أيام"، بحسب سامر. ففي 5 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، نشرت مجلة "إكسبرس" الفرنسية، مقالاً بعنوان "لماذا فرنسا هي الهدف الأول للإسلاميين"، تضمن عبارات من قبيل "فرنسا لن تتخلى عن الرسوم المسيئة للنبي محمد"، كما توعدت بعدم التراجع والاستعداد لحرب طويلة مع المسلمين. وقد جاء هكذا تصعيد مناقضاً لموقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي سعى إلى تهدئة التوتر مع العالم العربي والإسلامي. كما أشار وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان في تصريحات أمس، خلال زيارته لمصر، إلى أن المسلمين جزء من فرنسا، وأن بلاده تحترم الدين الإسلامي، لكنها تكافح الإرهاب والتطرف. 

ورغم أن "المشكلة تكمن أساساً في وجود خلل في التواصل الحضاري بين الشرق والغرب، وفهم القيم التي تدافع عنها فرنسا في حرية الرأي والتعبير والعلمانية"، كما ذكرت حاج يوسف، فإن "هناك خطاباً شعبوياً تستفيد منه الدكتاتوريات في كسب ولاء شعوبها وترسيخ حكمها عن طريق الدين". وهذا الخطاب "أسهم في تشويه التصريحات وعدم قراءة الخطاب الفرنسي بهذا الخصوص".

حرية الرأي بمواجهة الاستثمار السياسي

تأثرت فرنسا، كما غيرها من دول الاتحاد الأوروبي، بتداعيات فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) على الاقتصاد. إذ تشهد البلاد "أشد انكماش اقتصادي بفعل الجائحة"، بحسب حاج يوسف، إلى جانب "معاناتها التقليدية المرتبطة بالعمالة المهاجرة وارتفاع أعداد اللاجئين غير المندمجين في سوق العمل".

لذلك، ومع اقتراب فرنسا من موعد الانتخابات الرئاسة العام 2022، يسعى رئيسها ماكرون إلى "صنع انتصارات مهمة له قبل الدورة القادمة من الانتخابات"، كما رأت حاج يوسف، لا سيما وأنه "يمكن القول إنه فشل في تحقيق انتصارات سياسية خارجية لإدارة الأزمة في لبنان، وقبلها مشكلة السترات الصفراء داخلياً، إضافة إلى الاعتراضات من قبل المجتمع الفرنسي على طريقة إدارة أزمة جائحة كورونا في البلاد".

في المقابل، شدد الرئيس ماكرون عن أن جوهر موقفه هو الدفاع عن حرية التعبير، معتبراً أن "فرنسا تتعرض للهجوم بسبب قيمها وعلمانيتها وحرية التعبير فيها" وأنها "لن تستسلم". ورغم تراجع حدّة الخطاب الرسمي الفرنسي بعد ردات فعل متصاعدة من المسلمين في البلاد العربية والإسلامية وحتى الأوروبية، يتواصل خطاب الكراهية ضد المسلمين، وخصوصاً ضد المحجبات، على المستوى الشعبي، من قبيل إعلان صاحب أحد المراكز التجارية الفرنسية عبر محطة تلفزيونية أنه سيمنع دخول المحجبات لمركزه. وهو ما علقت عليه هويدا عمر بالقول مستنكرة: "لماذا كل هذا التشديد على المحجبات. أنا أحترم جميع الأديان وأتبادل الود مع غير المحجبات. لذلك على الأقل عليهم أن يحترموني". 

مضيفة: "نحن وصلنا إلى أوروبا على أمل ممارسة الحرية الفكرية بأنواعها. ولا يمكن اختزال الحرية بخلع الحجاب. من غير المعقول أني كمسلمة -يجب أن أتغير حتى أنال الرضا".

في هذا السياق، لفتت حاج يوسف إلى أن فرنسا "أوقفت العام الماضي عرضاً للكوميدي الفرنسي المثير للجدل ديودونيه مبالا، وتغريمه مبلغ تسعة آلاف يورو بسبب أغنية ومقطع فيديو اعتبرا مناهضين للسامية. كذلك تم حظره نهائياً من "فيسبوك" و"إنستغرام" بسبب تضمّن مواده محتوى ساخراً من ضحايا محرقة اليهود [الهولوكوست]". مضيفة أنه في المقابل، "لم تغلق مثلاً صحيفة شارلي ايبدو، ولا يزال الكاريكاتير الذي يتناول الرسول محمد موجوداً على موقعها الالكتروني"، معتبرة أن "بعض المسلمين يرى وجود ازدواجية في الممارسات، ما يعزز مفهوم العدائية والتمييز فيما يتعلق بممارسة الحريات".

وكانت اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان الفرنسية، اعتبرت في تقرير حول مكافحة العنصرية ومعاداة السامية وكراهية الأجانب، نشر في حزيران/يونيو الماضي، أن "الأحداث لا تؤثر بحدّ ذاتها بشكل مباشر على آراء الأفراد، لكن الطريقة التي يتم فيها تأطير هذه الأحداث من قبل النخب السياسية والاجتماعية والإعلامية". مشيرة إلى أن "المشاعر تجاه المسلمين كدين، والتي تحسنت بشكل ملحوظ في العامين 2014 و2018، تراجعت بعض الشيء"، إذ "ازدادت الأعمال العدائية والتهديدات ضد الجاليات المسلمة واليهودية في الأشهر الأخيرة بنسبة 26% و45% على التوالي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي [2018]".

أيضاً، جاء في تقرير جمعية مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا (CCIF) أن العام 2019 شهد ارتفاعاً جديداً في الأعمال المعادية للإسلام الموثقة من قبل الجمعية، إذ "ارتفعت بنسبة 17% مقارنة بالعام 2018، وبنسبة 77% مقارنة بالعام 2017". كما إن "70% من أعمال كراهية الإسلام كانت موجهة ضد النساء، و59% من حالات التمييز وردت بشأن مؤسسات حكومية".

مصير اللاجئين

"رغم أنه يمكننا في فرنسا التعبير عن رأينا كما نريد، مع مراعاة احترام القوانين هنا"، كما قالت عمر، فإن "معظمنا كعرب لدينا الخوف من انتقاد الحكومات أو التعبير عن آرائنا بحرية"، عازية ذلك في حالة السوريين على وجه الخصوص إلى كون الخوف "مزروعاً فينا منذ وجودنا في سوريا".

إضافة إلى ذلك، عبّر عدد من اللاجئين السوريين لـ"سوريا على طول" عن تخوفهم إزاء مستقبلهم في فرنسا، إذ "قد لا تؤثر التوترات في المنظور القريب" بحسب سامر المحمد، لكن "إذا استمرت موجة الكراهية والعنصرية من جميع الأطراف، فإنها قد تؤثر بشكل كبير على حياتنا". مستدركاً بالقول: "لا نريد أن نكون متشائمين، لكن موجة الأحداث الأخيرة لا تبشّر بخير".

من جهتها، ترى اللاجئة السورية عليا، الحاصلة على إجازة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ودرجة الماجستير في علم الاجتماع، أن فرنسا "قد تتبنى سياسات لجوء أكثر تقييداً"، مشيرة إلى أن "الحصول على لجوء انخفض بالفعل بشكل كبير منذ 2016". وهو ما تتفق معه حاج يوسف، متوقعة "سياسة أكثر تقييداً على صعيد منح تأشيرات الدخول إلى فرنسا، إضافة إلى زيادة ترحيل اللاجئين، لكن أولئك القادمون من بلدان آمنة".

 

* تم إنجاز هذا التقرير ضمن مشروع "تعزيز ترسيخ النوع الاجتماعي"، والذي ينفذه "سوريا على طول" بدعم من الصندوق الكندي للمبادرات المحلية، من خلال السفارة الكندية في عمان