عمان - يوم الأربعاء الماضي، استفاق ريف درعا الغربي على دوي انفجار على الطريق الواصلة بين مدينة درعا وبلدة اليادودة. 

وفيما صارت التفجيرات حدثاً أقرب للاعتيادي بالنسبة لقاطني محافظة درعا، منذ استعادة الحكومة السورية بدعم من القوات الروسية السيطرة على المنطقة في تموز/يوليو 2018، فإن ما ميز التفجير الأحدث الذي استهدف حافلة للفرقة الرابعة في الجيش السوري، هو حجمه وما نتج عنه من قتلى وجرحى.

إذ بحسب وكالة "سبوتنيك" الروسية، نقلاً عن مصدر بالشرطة السورية، أسفر التفجير عن "مقتل 5 جنود سوريين وإصابة 14 آخرين". فيما اكتفت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" بالقول إن "إرهابيين استهدفوا صباح اليوم سيارة عسكرية على الطريق المؤدية إلى بلدة اليادودة غرب مدينة درعا ما أدى إلى ارتقاء عدد من الشهداء وإصابة عدد آخر بجروح"، من دون ذكر أيّ تفاصيل إضافية.

لكن مصدراً مقرباً من الفرقة الرابعة بريف درعا الغربي، والتي باتت تضم مقاتلين سابقين مع المعارضة بموحب اتفاقيات التسوية التي تم التوصل لها قبل عام، كشف لـ"سوريا على طول" أن الحادثة أدت "إلى مقتل 5 ضباط برتب مختلفة، فيما أصيب آخرون بجروح، غالبيتهم تعرضوا لبتر في الأطراف".

وتزامن تفجير الحافلة مع استهداف آخر لسيارة عميد في المخابرات الجوية في غرب درعا، ما أدى إلى مقتله وإصابة أفراد من عائلته كانوا برفقته بجروح، بحسب ما ذكرت وسائل إعلام موالية للحكومة السورية.

قبيل ساعات من ذلك أيضاً، نجا الشيخ محمود البنّات من محاولة اغتيال في بلدة المزيريب غرب المحافظة، حينما أطلق عليه النار مجهولون يستقلون دراجة نارية، ما أدى إلى إصابة في قدمه. ويشغل البنات عضوية اللجنة المركزية في درعا، والتي تشكلت عقب سيطرة القوات الحكومية على المحافظة العام الماضي، لاستكمال المفاوضات بين الحكومة وقوات المعارضة وإجراءات "التسوية" جنوب البلاد.

بحسب عضو في أحد وفود التفاوض في درعا، تحدث إلى "سوريا على طول" شريطة عدم الكشف عن اسمه ومكان إقامته، شهدت الفترة الأخيرة "ازدياد عمليات التصفية الجسدية والاجتماعية والسياسية لبعض الشخصيات النشطة في الثورة السورية سابقاً على الصعيد العسكري والمدني. وفي الوقت نفسه استهداف شخصيات عسكرية ومدنية محسوبة على النظام". 

إلا أن عمليات العنف، كما قال، "ممنهجة" وتتحمل مسؤوليتها "جهة واحدة، هدفها خلط الأوراق جنوب سوريا لخلق فراغ كبير وتنفيذ أجندات سياسية لصالح دولة إقليمية". وفيما لم يسم المصدر الدولة التي يعنيها، فقد أكد أنها "تعمل بغطاء من الفرقة الرابعة".

من جهته، اتهم المصدر المقرب من الفرقة الرابعة حكومة دمشق بالوقوف خلف التفجيرات، لا سيما ذاك الذي استهدف حافلة عناصر الفرقة، أمس الأربعاء، "نظراً لشدة الأضرار التي لحقت بالحافلة من الداخل"، ما يجعل مرجحاً برأيه أن "العبوة الناسفة كانت مزروعة داخل الحافلة". أما تفسير دوافع ذلك فيتمثل، برأيه، في أن "النظام يسعى من خلال تلك العمليات إلى إجبار عناصر التسويات، لا سيما عناصر الفرقة الرابعة في الريف الغربي، إلى الانسحاب نحو الثكنات العسكرية في مدينة إزرع والقطاع الأوسط".

أيضاً، يرى المصدر ذاته أن "محسوبين على الفرقة الرابعة ينفذون عمليات أمنية تهدف إلى خلق بلبلة أمنية في الجنوب، ما أدى إلى خلق أعداء كثراً لها وتعرض [عناصرها بالتالي] للاستهداف عدّة مرات".

وصارت أعمال العنف في جنوبي سوريا مشهداً معتاداً، يتم من خلالها استهداف شخصيات محسوبة على المعارضة "سابقاً" وكذلك استهداف الأجهزة الأمنية والعسكرية ومحسوبين عليها، فيما يشير إلى مستقبل غامض، تنبأ به مفاوض في تصريح سابق لـ"سوريا على طول".

ومنذ سيطرة القوات الحكومية السورية على الجنوب السوري، الصيف الماضي، تصاعدت عمليات الاغتيال والخطف مستهدفة شخصيات مدنية وعسكرية محسوبة على كل من الحكومة والمعارضة، إلى الحد الذي اعتبره أحد المفاوضين للنظام، في تصريح لـ"سوريا على طول" في حزيران/ يونيو الماضي أن "المنطقة [قد] تشهد حمّام دم".

بين ثأر وانتقام وتناحر الأجهزة الأمنية

بعد مرور عام على استعادة الحكومة السيطرة على جنوب سوريا، ما تزال المنطقة "ممزقة" في الواقع وفق "حدود مخفية"، فرضتها أعداد غير محددة من اتفاقات "المصالحة" و"التسوية"، خلقت بدورها مناطق نفوذ متنافرة وحتى متناحرة. إذ تحتفظ فصائل معارضة سابقة بنفوذ في مواجهة الحكومة السورية واستقلالية في التعامل معها في بعض مناطق محافظة درعا، بخلاف الواقع في المناطق التي دخلتها الحكومة عسكرياً أو استسلمت فصائلها –دون شروط– من خلال اتفاقات المصالحة الشاملة، فصارت السيطرة التامة للقوات الحكومية وحلفائها.

وذهب منسق سياسي سابق في "الجبهة الجنوبية" [التي مثلت مظلة لأغلب الفصائل العاملة في درعا والقنيطرة]، طلب عدم الكشف عن اسمه، في حديثه لـ"سوريا على طول" إلى أن "استهداف شخصيات المعارضة هي خطوة للتخلص من أي شخص يعيق تمدد وسيطرة النظام وإيران في المنطقة". ويندرج في الإطار ذاته استهداف الحواجز العسكرية، باعتباره "محض ذريعة يسعى النظام ومليشياته لاستخدامها في تبرير عمليات دهم وتفتيش جنوبي سوريا بحثاً عن مخازن الأسلحة والمطلوبين".

أيضاً، تبدو مسؤولية الأجهزة الأمنية عن تصاعد العنف، بما فيه الاغتيالات للشخصيات العسكرية الحكومية، باعتبار ذلك أحد أساليب هذه الأجهزة في "حلّ الخلافات [فيما بينها]" كما نبه إلى ذلك المفاوض عن درعا. 

في المقابل، أكد قيادي عسكري سابق في المعارضة لـ"سوريا على طول" أن دوافع بعض العمليات هي "الثأر والانتقام نتيجة الحرب ضد تنظيم الدولة [داعش] ومقتل الكثير من الطرفين". يضاف إلى ذلك "قيام بعض المجرمين الذين لاحقتهم الفصائل ومحكمة دار العدل [المرتبطة بها]، خلال سيطرتهم على الجنوب، بعمليات انتقام من قادة المعارضة، ساعدهم في ذلك الدعم السري للنظام".

وسط هذه التعقيدات التي تجعل من غير الممكن تحديد المسؤولية عن القتل والخطف، يظل ممكناً كذلك، بحسب القيادي العسكري السابق، أن "بعض عمليات استهداف حواجز [القوات الحكومية] ناتج عن سوء معاملة الحواجز للأهالي، وتضييق الخناق عليهم، وأخذ الأتاوات من السكان".

بالنتيجة، فإن استمرار هذه التعقيدات، متضافرة مع استمرار "النهج الأمني من قبل المليشيات الطائفية والأجهزة الأمنية"، كما حذر المفاوض عن درعا، "[قد] تعيدنا إلى المربع الأول [عبر] خلق ذريعة لعودة النشاط المسلح إلى الجنوب للرد والانتقام". فيما الحل من وجهة نظره هو "تنفيذ الالتزامات ومطالب الناس، والعمل على تغيير سلوك ونهج الأجهزة الأمنية في التعامل مع قضايا الناس ومطالبهم، وتفعيل مفهوم المواطنة والقانون على الجميع".

العمليات ضد الروس

مع اعتياد التفجيرات التي تستهدف المحسوبين على كل من الحكومة والمعارضة في جنوب سوريا، بدا استثنائياً انفجار عبوة ناسفة، يوم السبت الماضي، لحظة مرور مركبة تابعة للشرطة العسكرية الروسية على الطريق بين بلدتي السهوة وبصرى الشام شرق درعا، وإن لم يؤد ذلك إلى إلحاق أي ضرر بالجنود الروس وعربتهم، وفقاً لما أكده مدير مركز حميميم، اللواء ألكسي باكين، في بيان نشر عبر موقع "روسيا اليوم"، متهماً في الوقت ذاته التنظيمات الإرهابية وغير الشرعية "التي تعمل بشكل مفرّق في جنوب سوريا" بالمسؤولية عن التفجير "بهدف تصعيد الوضع في هذه المنطقة".

وقد سارعت مجموعة "سرايا الجنوب"، التي أعلنت مسؤوليتها عن عمليات سابقة ضد القوات الحكومية وشخصيات محسوبة على دمشق، إلى نفي أي مسؤولية لها عن عملية استهداف الجنود الروس، متهمة في بيان لها "الميليشيات الإيرانية بالوقوف خلف الاستهداف".

وفيما ذكر مصدر عسكري من الفيلق الخامس في بصرى الشام لـ"سوريا على طول" أن التحقيق ما يزال جارياً بملابسات الحادثة، ذهب المنسق السياسي السابق في الجبهة الجنوبية إلى أن "مجمل العمليات تستهدف شخصيات معارضة لها علاقات مع الروس، ما يزيد من احتمال ضلوع الإيرانيين في تلك العمليات".

كذلك، اعتبر المفاوض من درعا، تعليقاً على الحادثة، أنها ""تندرج ضمن الخلافات بين الأجهزة الأمنية ومرجعياتها إن كانت لروسيا أو إيران".

"ردة فعل" على غياب المصالحة

في وقت يتسابق فيه ممثلو الحكومة وحلفائها من أجل النفوذ، غالباً على حساب المعارضين السابقين والمدنيين، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتبلور في المنطقة. ففي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، تم الإعلان عن تشكيل ما يسمى "المقاومة الشعبية" التي لا يتوفر الكثير من المعلومات عنها، مع إعلانها مسؤوليتها عن عدد من الهجمات القائمة على أسلوب الكر والفر، شملت عمليات اغتيال لشخصيات تابعة للحكومة وتفجير أبنية لأجهزة المخابرات السورية في الجنوب.

كذلك، عقب استهداف مكتب حزب البعث في بلدة "أم ولد" شرق درعا، في شباط/ فبراير الماضي، أعلنت مجموعة تطلق على نفسها اسم "سرايا الجنوب" عن تشكلها وتبنّت العملية. كما وجهت ما سمته "إنذاراً نهائياً" باستهداف مرافق حكومية أخرى في المستقبل. 

ووفقاً لأحد المتحدثين باسم المجموعة، والذي طلب عدم ذكر اسمه في حديثه لـ"سوريا على طول" في آذار/ مارس الماضي، فإن الهدف من الهجوم هو "إرسال رسالة" إلى الحكومة السورية من أجل "الابتعاد عن المدنيين".

وعلى الرغم من عدم وجود علاقة معلنة بين "المقاومة الشعبية" و"سرايا الجنوب"، تشترك المجموعتان "في هدف واحد يتمثل في إسقاط النظام"، بحسب ما قال المتحدث باسم "سرايا الجنوب"، رافضاً أن تنسب جميع الاغتيالات والتفجيرات التي وقعت في درعا -مؤخراً- إلى مجموعته أو إلى المقاومة الشعبية، مؤكداً أن "المجموعة لم تعلن مسؤوليتها عن كل الهجمات".

ويعتبر المنسق السياسي السابق في "الجبهة الجنوبية" أن هناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى "ردة فعل" على ممارسات الحكومة السورية وقادة المعارضة سابقاً من قبل الشباب والقادة "غير الراضين عن اتفاقات المصالحة أو التسوية".

وكما أوضح، فإنه "إلى الآن لم تنفذ بنود اتفاقات التسوية، ولا يوجد حل لمشكلة المنشقين وتبيان مصير المعتقلين. [هذا] بالإضافة إلى زيادة القبضة الأمنية، وتضييق الخناق على المدنيين، [من قبيل فرض] الالتحاق بالخدمة [العسكرية] الإلزامية، عدا عن ارتفاع الأسعار وانعدام الخدمات وفرص عمل. [كما] التمدد الإيراني و[نشر] التشيع الإيراني.

بالنتيجة، اعتبر محمد عبدالحق (اسم مستعار)، وهو صحفي مستقل يقيم بريف درعا الشرقي، في حديث لـ"سوريا على طول"، أن "قدرة المعارضة السورية على استرجاع قوتها ممكنة إن عاد التوتر، خاصة وأن اتفاق المصالحة الذي رعته روسيا نص على تسليم السلاح الثقيل فقط، بينما احتفظ [المقاتلون] بالسلاح المتوسط والخفيف في مخابئ سرية، ما يمنح [المعارضة المسلحة] القدرة على النهوض في حال انفجار الاوضاع مجدداً".