عمان- في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر الحالي، اجتمع رئيس مكتب الأمن الوطني التابع لدمشق، اللواء علي مملوك، مع عدد من وجهاء العشائر العربية في مطار القامشلي، حيث طالب مملوك عشائر منطقة الجزيرة، شرقي نهر الفرات، بسحب أبنائهم من صفوف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وانخراطهم بدلاً من ذلك في صفوف القوات الحكومية.

زيارة مملوك التي استغرقت قرابة خمس ساعات، جاءت عقب تمسك "قسد" بمطالبها بالاحتفاظ بخصوصيتها وهيكليتها، في مقابل إصرار حكومة دمشق على ضرورة حل القوات واندماجها في صفوف القوات الحكومية، وكذلك إنهاء "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، واستبدالها بـ"إدارة محلية" ذات صلاحيات أقل، وهو ما رفضته أيضاً الهيئة التي أنشئت من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، لإدارة المدن الكردية شمال شرق سوريا عقب انسحاب القوات الحكومية من المنطقة، منذ آذار/ مارس 2012.

المفارقة أن سبب الخلاف لم يكن سوى سعي الطرفين إلى الالتقاء والتحالف لمواجهة الحملة العسكرية التي أطلقتها تركيا، بالتحالف مع "الجيش السوري الوطني" المشكل من فصائل سورية معارضة، ضد "قسد" في منطقة شرق الفرات في 9 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وأهم من ذلك أن مثل هذا التلاقي المأمول لا يبدو استثناء على علاقة حكومة دمشق بحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) الذي يشكل مقاتلوه المنضوون ضمن ما يسمى "وحدات حماية الشعب"، العمود الفقري لـ"قسد". 

لا وجود لأكراد سوريين!

تعود جذور علاقة التعايش وحتى التحالف بين حكومة دمشق وحزب الاتحاد الديمقراطي إلى علاقة حزب البعث في سوريا، لاسيما منذ تولي حافظ الأسد الحكم، بحزب العمال الكردستاني (التركي) الذي يعد "الاتحاد الديمقراطي" امتداداً له.

إذ خلال فترة وجيزة من تأسيسه في العام 1978 على يد عبد الله أوجلان، للقتال ضد تركيا، نشأ تحالف وثيق بين "العمال الكردستاني" والحكم في دمشق بقيادة حافظ الأسد، تجلت أساساً في عقد الحزب أولى مؤتمراته العامة في سوريا، إضافة إلى إنشاء معسكرات لمقاتليه في كل سوريا ولبنان. 

في المقابل، استخدم الأسد الأب أوجلان منذ دخوله الأراضي السورية عن طريق أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، جورج حبش، والأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، نايف حواتمة، ورقة ضد تركيا في الصراع معها بشأن قضايا منها تقاسم مياه نهري دجلة والفرات، والسيادة على لواء الاسكندرون. 

كذلك، استخدمت دمشق وجود أوجلان لتمرير سياسات داخلية مجحفة بحق الأكراد السوريين، إلى الحد الذي اعتبر فيه أوجلان، في مقابلة أجراها العام 1996 مع الصحافي نبيل ملحم، ونشرت في كتاب "قائد وشعب: سبعة أيام مع آبو"، أن غالبية الأكراد السوريين مهاجرون من تركيا. وهو ما يتفق مع السياسة الرسمية في نفي الوجود الكردي الأصيل في سوريا، والتي تعود إلى العام 1962 على الأقل، حينما أجرى في تشرين الأول/ أكتوبر من ذلك العام ما عرف بالإحصاء السكاني الاستثنائي وأفضى إلى تجريد أكثر من 120 ألف كردي من الجنسية السورية، بعد أن اعتبرتهم السلطات آنذاك مهاجرين من تركيا.

انتهى هذا التحالف في العام 1998، بخروج أوجلان من سوريا، بعد التواصل إلى اتفاق أضنة بين دمشق وأنقرة. وتدهورت العلاقة أكثر بين الطرفين نتيجة اتهام أنصار أوجلان لحافظ الأسد بضلوعه في تسليم الأول إلى تركيا، ووصل الأمر حد تنفيذ ملاحقات أمنية واعتقالات بحق قيادات "العمال الكردستاني" الذين لم يغادروا الأراضي السورية، وتم تسليم كثير منهم إلى الدولة التركية، بعد إغلاق معسكرات التدريب ووقف جميع أنشطة الحزب في سوريا.

تأسيس الحزب الاتحاد الديمقراطي

في العام 2000، توصل أوجلان من سجنه في تركيا إلى إتفاق مع حكومة أنقرة قضى بحل حزب العمال الكردستاني وسحب مقاتليه من الأراضي التركية. في المقابل، تم تشكيل أربعة أحزاب كردية تتوزع بالإضافة إلى تركيا على إيران والعراق وسوريا، هي: مؤتمر الحرية والديمقراطية الكردستاني في تركيا، الذي حمل لاحقاً اسم اتحاد الجمعيات الكردستانية، ثم منظومة المجتمع الكردستاني؛ وحزب الحل الديمقراطي الكردستاني الذي نشأ في العراق العام 2002؛ وحزب الحياة الحرة الكردستاني في إيران العام 2004، وقبله حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تأسس في سوريا العام 2003. 

وكان صالح مسلم، رئيس الحزب آنذاك خارج سوريا، بسبب الملاحقات الأمنية لكوادر الحزب ومنع نشاطاته. ولم تعد هذه القيادات من أوروبا إلا مع اندلاع الثورة السورية العام 2011، ولتكون فرصة لتجديد التعاون والتنسيق بين الحزب وحكومة دمشق. 

إذ مع اندلاع الثورة السورية، أعلن "الاتحاد الديمقراطي" عن تأسيس جناحه العسكري الذي حمل اسم "وحدات حماية الشعب" (YPG) بذريعة حماية المتظاهرين في المناطق الكردية. علماً أن هذه الوحدات كانت موجودة منذ تأسيس الحزب، إنما على شكل خلايا سرية تقوم بتجنيد شباب وشابات أكراد، وإرسالهم إلى الحزب الأم "العمال الكردستاني" في جبال تركيا.

ومع انسحاب الأجهزة الأمنية السورية من المناطق الكردية، سيطر الحزب على تلك المناطق مع توسيع "وحدات حماية الشعب" وتطويرها وتزويدها بأسلحة فردية وخفيفة كما متوسطة، إضافة إلى إنشاء جناح عسكري خاص بالمرأة، في العام 2012، حمل اسم "وحدات حماية المرأة" (YPJ). 

وكان الحزب قد رفض الانضمام إلى المجلس الوطني الكردي الذي تشكل في تشرين الأول/أكتوبر 2011، وضم 11 حزباً كردياً سورياً، ارتفع عددها إلى 15حزباً قبل أن تعود إلى 13 حزباً حالياً.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، أعلن الحزب قيام "الإدارة الذاتية" لإدارة المنطقة التي تتألف من محافظة الحسكة، ومدينة عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشمالي، ومنطقة عفرين غرب محافظة حلب.

"قسد"

شكل مقاتلو حزب الاتحاد الديمقراطي ركيزة عمل التحالف الدولي لمواجهة "تنظيم الدولة" (داعش). لكن حقيقة كون الحزب امتداداً لحزب العمال الكردستاني المدرج على لوائح الإرهاب التركية وحتى الأميركية، فقد تم اللجوء إلى تشكيل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تضم إضافة إلى "وحدات الحماية"، فصائل عسكرية غير كردية.

ومع النجاح في القضاء على "داعش" في آذار/مارس 2018، صارت "قسد" القوة الثانية بعد القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها على صعيد السيطرة على الأرض، بما نسبته حوالي 30% من الأراضي السورية، شملتها بما يسمى "الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا" إلى حين تقدم فصائل "الجيش الوطني السوري" بدعم تركي ضمن ما يسمى "عملية نبع السلام"، والتي دفعت "قسد" إلى السعي إلى تسوية مع روسيا ودمشق.