في شتاء عام 2012 ، غادر مراسل الحرب الفرنسي، أدريان جولمس، حلب، دون عودة. وذلك بعد مقتل أحد المترجمين العاملين معه، وبِدء استهداف الصحفيين الغربيين والعاملين في المجال الإغاثي من قبل الإسلاميين المتطرفين، في سوريا.

كان جولمس، مراسل صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية وضابط فرنسي سابق، قد عمل كمراسل في مناطق النزاع للمرة الأولى عام 2003، عندما غطى الغزو الأميركي واحتلال العراق. 

ومنذ ذلك الوقت، عمل مراسلا في العديد من المناطق الساخنة الأخرى، كالشيشان، فلسطين، مصر، لبنان، ليبيا، أوكرانيا، أفغانستان، ومؤخرا الموصل. أي أن تغطية مناطق النزاع والمناطق الساخنة الجديدة هو أمر أقل من عادي بالنسبة لجولمس.

ولكن في سوريا، في أواخر عام 2012، أصبح الوضع غير مستقر حتى بالنسبة له. وازداد عدد وقوة المسلحين الإسلاميين المتطرفين، وفي غضون أشهر فقط، اختُطِف الصحفيين جيمس فولي وجون كانتلي وغيرهما.

يقول جولمس لمراسل سوريا على طول، جستن كلارك، عبر اتصال هاتفي، من مكتبه في باريس " أدركت في ذلك الوقت أن الأشخاص الوحيدين الذين يمكن أن أثق بهم [في سوريا] ماتوا أو أنهم لم يعودوا قادرين على حماية أنفسهم، وأنني كأجنبي، لابد أن أكون غبيا تماما لمواصلة الذهاب إلى هناك".

اليوم، يواصل جولمس كتاباته عن الحرب السورية - ولكن من مكان بعيد. وكمعظم الصحفيين الأجانب، بمن فيهم أولئك الذين يعملون في سوريا على طول، يعتمد جولمس على شبكة من المصادر في جميع أنحاء سوريا لفهم الأحداث الدائرة هناك.

وحوار سوريا على طول مع جولمس هو الأول في سلسلة من المقابلات التي تستكشف وتوضح كيفية عمل وسائل الإعلام الغربية في تغطية الحرب السورية منذ الخروج الجماعي للمراسلين الأجانب من البلاد بين عامي 2012 و 2013.

ويوضح جولمس "عندما تكون هناك، تستطيع تكوين رؤية عما يحدث. وعندما لا تكون موجوداً على الأرض، فأنت كالذي يحيك أجزاء قصة وأنت معصوب العينين".

- كيف كانت الأمور على الأرض أثناء وجودك في سوريا عند اندلاع الحرب؟

عملت أغلب الوقت في محافظة حلب، وذلك بعد أن عبرت الحدود بشكل غير قانوني من تركيا إلى مناطق سيطرة المعارضة في سوريا، عام 2012. في البداية كنت متواجدا أغلب الوقت في منطقة  [شمال حلب]، في بلدة صغيرة تدعى مارع.

وتقع بلدة مارع وسط مثلث بين أعزاز وعفرين وعدد من المجتمعات الزراعية المختلفة شمال حلب. ويعمل غالبية الناس هناك بالزراعة. إنه مجتمع متماسك يملك هوية محلية قوية.

وكانت المليشيات الكردية، الموجودة ضمن هذه المنطقة، حيادية نوعا ما في البداية. حيث لم تبدِ هذه الميليشيات ميلا لأي من المعارضة أو النظام.

تم نقلنا من مارع، في تموز 2012، في منتصف الليل مع مجموعة صغيرة من مقاتلي المعارضة من لواء التوحيد، ودخلنا حلب الشرقية. كانت هذه بداية تواجد الثوار في حلب.

[في عام 2012، كان لواء التوحيد أكبر فصيل نشط معارض في محافظة حلب، في مرحلة معينة كان يدعي السيطرة على ما يقارب من نصف المدينة. وبحلول عام 2014، انحل اللواء، بعد انقسامه إلى مجموعات متعددة انضمت لاحقا إلى فصائل ثورية أخرى، وفقا لدراسة أجرتها جامعة ستانفورد في عام 2016].

بعد ذلك، عدت إلى حلب مرتين، ثم بدأت الأمور تصبح غامضة وغير مفهومة قليلا. بدأ الإسلاميون المتطرفون في الظهور على أنهم ثوار في حلب.

في تلك الأثناء قتل واحد من بين اثنين من المساعدين الذين كنت أعمل معهم في حلب، على يد الثوار.

أدركت في ذلك الوقت أن : أ) الأشخاص الوحيدين الذين يمكن أن أثق بهم [في سوريا] ماتوا أو أنهم لم يعودوا قادرين على حماية أنفسهم، و ب) أنني كأجنبي، لابد أن أكون غبيا تماما لمواصلة الذهاب إلى هناك.

وسينتهي المطاف بي إلى إصابتي برصاصة أحد الثوار، أو أن أُقتل في تفجير قام به النظام، أو أن أُختطف وأُقتل- أو قد يحدث ماهو أسوأ من ذلك.

كما تم اعتقالي أيضا من قبل الأتراك عند عودتي من رحلتي الأخيرة [إلى سوريا]. وفي الأسبوع الماضي فقط، أصدر الأتراك حكما [غيابيا] بسجني مدة عام ونصف بسبب عبور الحدود التركية بشكل غير قانوني.

- كشخص يغطي الحرب سواء على الأرض أو عن بعد، ما الذي يجعل العمل كصحفي على أرض الواقع مميزا؟ على سبيل المثال، هل هناك أشياء يغطيها المراسل عن بعد- حتى مع أفضل المصادر - لا يمكنه الوصول إليها دون أن يكون مباشرة في الميدان؟

حسنا، لا يمكن تسميته بمراسل صحفي [عندما يكون في الخارج].

إنه أمر محبط - فأنت لا تشعر بالأمور كما تكون عليه فعليا على أرض الواقع.

ومع ذلك، عندما كنت قادرا على العمل وتغطية الأحداث في شرق حلب والمناطق الواقعة شمالها، كان لدي بعض المصادر الموثوقة هناك، كان الأمر مختلفا. كنت أعرف الناس هناك، نعرف بعضنا البعض، وكنت أتحدث إلى شخص أعرفه جيدا.

لذا كنت أعرف ما الذي يتحدثون عنه، والأماكن التي كانوا يصفونها، والوضع الذي كانوا يعيشونه.

ومع مرور الوقت، قُتل بعضهم - وفر آخرون من البلد. في تلك المرحلة، أصبح الوضع مختلفا تماما. يمكنك الوصول إلى مصادر، والتحدث إلى الناس، لكنهم أناس مختلفون ولا تعرفهم جيدا.

دمشق، آذار 2017. تصوير: عدسة شاب دمشقي.

لا يزال هناك بعض الصحفيين يعملون من مناطق سيطرة النظام في سوريا، إنهم يقومون بعمل عظيم.

وحتى في عام 2012، كان هناك عدد محدود من الصحفيين على الأرض، شرقي حلب. وكان الوضع في القسم الشرقي من حلب مختلف عن غربها، حيث لم يكن هناك صحافيون غربيون.

ومن وجهة نظر صحافية، أصبح الوضع الآن أسوأ، كما أنه لم يكن جيدا في السابق. لا يمكن العمل في سوريا على تغطية كلا طرفي النزاع.

في الحرب، لا يمكنك التنقل بين طرف وآخر. إنها طبيعة الوحوش، ليس عليك إلا أن تبذل ما بوسعك. كما أن تغطية الحروب هو أمر صعب وتحفه المخاطر والمشاكل، والحرب في سوريا مختلفة بعض الشيء عن غيرها.

- لاحظت شخصيا أن المصادر في المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار تبدي استعدادا أكبر للحديث من تلك الموجودة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام. وغالبا ما يبدي الناس في مناطق سيطرة النظام في سوريا خوفهم من التحدث إلى أي صحفي أجنبي.

أنا لا ألقي اللوم عليهم. [الحكومة] تراقب اتصالاتهم.

وقد قامت سوريا على طول بعمل استثنائي منذ البداية، في تسليط الضوء على كافة هذه التعقيدات التي يعانيها الناس هناك.

- لو كان لي أن أنتقد تغطية وسائل الإعلام الأجنبية للأحداث في سورية، حتى على صعيد عملي الشخصي، كنت سأتكلم عن عدم قدرة وسائل الإعلام في الوصول إلى مصادر موثوقة في المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام، أما بالنسبة للمعارضة، فالأمر أسهل بكثير نظراً لأنهم يرغبون حقيقةً في التحدث إلى وسائل الإعلام إذ أن كل فصيل ثوري يمتلك صفحة على الفيسبوك أو حساباً على التويتر بالإضافة إلى وجود مكتب إعلامي في جميع المناطق تقريباً التي تقع تحت سيطرة الثوار.إلا أن المشكلة في هذه المكاتب الإعلامية تكمن في أنهم لا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم صحفيون بقدر ما يرون أنفسهم امتداداً للثورة، وبهذا لا يمكن اعتبارهم في أغلب الأحيان مصادر حيادية.

هذا موضوع شائك للغاية إذ أن كل طرف يستخدم الحرب الإعلامية الخاصة به لكن ليس بالضرورة أن تكون المعلومات الصادرة عن هذه الحرب في حد ذاتها غير صحيحة.

لطالما كانت الحروب متشابهة بهذا الخصوص، فالحرب الإعلامية التي يشنها طرفا الصراع قد تكون صحيحة أو مزيفة أو بين بين.

على سبيل المثال، تمثل المنظور الغربي في حصار شرقي حلب السنة الماضية بوجود مجموعة (محاصرة) من الأهالي والأطفال والمدنيين ولم يأتِ الذكر بأي شكل من الأشكال على المجموعات الإسلامية، أي الجهاديين، الذين كانوا يقاتلون في المعركة.

ويعود السبب في ذلك إلى أن جميع المعلومات التي تتعلق بتلك المنطقة كانت تصدر عن المرصد السوري لحقوق الإنسان في لندن أو من مقاطع الفيديو والاتصالات التي كانت تأتي من مناطق سيطرة المعارضة.

فما كان يردده الأهالي عن القصف والقتل الذي تعرضوا له كان صحيحاً إلا أن المشكلة تكمن في الجزء المفقود (ألا وهو الجماعات الإسلامية التي كانت تقاتل هناك).

- كيف لصحفي بهذه المصادر المتاحة المحدودة أن يغطي الصراع دون المساومة بمسألة الحيادية؟

في الحقيقة، لا يمكنك. وأفترض أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن تفعله هو أن تتحقق من الأشياء مراراً بقدر المستطاع وتقارن الشهادات. ودون شك فإن بعض الشهادات ستكون أكثر مصداقية من غيرها. يمكنك أن ترجع وتستند إلى مصادر متعددة ومختلفة، على سبيل المثال، لتحصل على صورة أفضل لتوضح ماهية ما يحدث.

- غطيت أحداث العراق قبل اكثر من عقد من الزمن. وفي ذلك الوقت كان المتمردون يرسلون بأشرطة الكاسيت إلى غرف الصحفيين في الفنادق ببغداد، وهكذا كانوا يذيعون البروباغاندا التي ينادون بها.

اليوم، كل ما عليهم فعله هو أن يفتحوا الفيسبوك، التويتر أو التلغرام لينشروا المعلومات وفيديوهات القتال وفيديوهات الإعدامات، وأي شيء كان يودون مشاركته.

فوسائل التواصل الاجتماعي منحت كل من الصحفي والشخص العادي الذي يفتقد للاحترافية مجالاً مفتوحاً لا مثيل له ليدخل الصراع. هل يمكنك تخيل هذا خلال فترة تغطيتك في العراق؟

أعتقد أن التغييرات في التكنولوجيا كانت هائلة. فأي شخص يمتلك لابتوب رخيص يمكنه أن يدخل إلى شبكة الانترنت (وينشر المعلومات)

قبل 15عام فقط، مثلاً، كان على ابن لادن أن يعقد اجتماعاً مع الصحفيين الأجانب ليتمكن من نشر رسالته. اليوم لم يعد بحاجة لهم. تأمل إلى ما يفعله التنظيم، لديهم ألية بروباغاندا استثنائية، ومؤثرة جداً، والتكنولوجيا مصدر قوتها.

- خلال عام 2013 و2014 كان هناك موجات هجرة كبيرة للصحفيين الأجانب من سوريا. ومنذ ذلك، ومعظم التقارير تعد عن بعد. كيف رأيت التغيير في التغطية السورية منذ ذلك الحين؟

الصحفيان الأميركيان ستيفين ستولف وجيمس فولي وغيرهم آخرين اختطفوا بنفس الوقت تقريباً وبالمناطق ذاتها. بعضهم خانهم الدليل المرافق أو السائق.

حدث ذلك في غضون شهور، والرسالة كانت واضحة جداً.

التغطية الإعلامية في سوريا تغيرت طبعاً. فرغم أن الصحفي على الأرض محدود بتغطيته لكلا المنظوريين، إلا أنه يمكنك نوعاً ما أن تشعر بالطرفين.

عندما تكون هناك، تستطيع تكوين رؤية عما يحدث. وعندما لا تكون موجوداً على الأرض، فأنت كالذي يحيك أجزاء قصة وأنت معصوب العينين. يمكنك جمع المعلومات من هنا وهناك، ولكنك تفتقد للرؤية التي تمتلكها وأنت على الأرض ـــ الانطباع. هو ما تفتقده وأنت تعد التقارير عن بعد.

لديك تاريخ طويل بتغطية الأحداث من مناطق النزاع. هل لديك أي أمثلة عن قصص ما كنت لتستطيع تغطيتها لو لم تكن هناك شخصياً، أياً كانت جودة مصادرك؟

نعم، بالطبع. حين كنت في شرقي حلب، استغرقت قرابة أسبوع لأدرك أن الغالبية العظمى للثوار المقاتلين لديهم أقارب قتلوا أو اعتقلوا وعذبوا على يد الحكومة خلال انتفاضة 1982. وكان هناك نوعاً من العلاقة العائلية المباشرة والعميقة.

فالشباب كانوا يخبرونني أن أباهم قتل في انتفاضة الثمانيات، أو أن عمهم منفي في الخليج ولا يمكنه العودة إلى سورية بسبب انخراطه.

في الحقيقة لم أجري استبياناً، ولكننا نتحدث عن عشرات وعشرات الجنود هنا.

مثل هذه الأشياء التي يمكنك فقط أن تلتقطها وأنت تمشي على الأرض. وليست هي ذاتها ما تخرج بها من مكالمة هاتفية.