تعهدت الجهات الدولية المانحة بتقديم ٦,٧٥ مليار دولار كمساعدات إنسانية لسوريا والدول المجاورة في مؤتمر "بروكسل الثالث" يوم الخميس، بعد أيام من المحادثات التي كشفت عن فجوة متزايدة بين التطلعات إلى الاستجابة الإنسانية والحل السياسي الذي يهدف إلى إنهاء الصراع الذي دخل عامه التاسع.

وشملت التعهدات ٥٦٠ مليون يورو (٦٣٧,٦ مليون دولار) من الاتحاد الأوروبي، ٣٩٧ مليون دولار من الولايات المتحدة و٣٠٠  مليون دولار أخرى من الكويت - جميعها تهدف إلى دعم البلدان المجاورة والمجتمعات المضيفة التي لجأ إليها اللاجئون السوريون منذ عام ٢٠١١.

ووفقا للأمم المتحدة، هناك حاجة إلى ٣,٣ مليار دولار لتمويل برامج المساعدات داخل سوريا، و٥,٥  مليار دولار أخرى لدعم الدول المجاورة - بما في ذلك الأردن ولبنان وتركيا - التي تستضيف عدة ملايين من اللاجئين السوريين.

وعقد المؤتمر بالتزامن مع دخول الحرب السورية عامها التاسع، مع عدم وجود قرار سياسي واضح في الأفق.

وفي حديث تكرر على مدار الأسبوع الماضي، من الاجتماعات بين ممثلي الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ووكالات الإغاثة والمجتمع المدني، اعتُبر عام ٢٠١٨ عاما كارثيا للسوريين- حيث عاشوا تجربة نزوح بأرقام قياسية، ولم يكن هناك أي حلول دائمة وواضحة لملايين السوريين في الدول المجاورة.

ودعا بيان وقعته ١٥ وكالة إغاثية، استجابة لتعهدات يوم الخميس، المجتمع الدولي إلى ضمان "تحويل الدعم السياسي والتمويلي إلى تحسينات فعلية ومجدية لجميع السوريين".

وأضاف البيان أن "الالتزامات المالية للمانحين أمر حاسم، لكن الإرادة هي أن تتحول هذه الالتزامات إلى تغييرات للاجئين والمجتمعات المضيفة"، معربا عن خيبة أمل لعدم وجود تعهدات بشأن إعادة توطين اللاجئين.

وفي الملاحظات الختامية للمؤتمر، بعد يوم من المفاوضات والمناقشات بين ٥٠ ممثلا عن الدول المانحة، أكد وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مارك لوكوك، على الحاجة إلى أكثر من مجرد أموال المساعدات.

حيث قال "إن المساعدة الإنسانية، تنقذ الأرواح وتخفف من المعاناة، لكن لا يمكنها أن تحل الأزمة في سوريا، ونحن نتفق مع ذلك. إن إنهاء هذه الأزمة يتطلب حلا سياسيا".

إلا أن البيئة السياسية المتغيرة بسرعة في سوريا - حيث تعزز الحكومة سيطرتها في مناطق مختلفة على خلفية التطورات العسكرية المهمة- يمكن أن تشكل عائقا لوكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة والسوريين أنفسهم.

وفي مؤتمر "بروكسل ٢" العام الماضي، تعهدت الدول والجهات المانحة بحوالي ٤,٤ مليار دولار من المساعدات. ومنذ ذلك الحين استولت الحكومة السورية على جميع المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في البلاد باستثناء واحدة منها- مما أثار تساؤلات جدية حول إمكانية تسوية سياسية، وكذلك مستقبل الأعمال الإغاثية هناك.

موغيريني: العقوبات مستمرة

في الربيع الماضي، أدت الهجمات الرئيسية الموالية للحكومة إلى السيطرة على آخر مناطق المعارضة في دمشق، قبل أن تسيطر الحكومة السورية وحلفاؤها على مساحات شاسعة من أراضي المعارضة في محافظتي درعا والقنيطرة جنوب غربي البلاد، من خلال هجوم جوي وبري مكثف انتهى في غضون أسابيع.

واضطرت برامج المساعدات المحلية ومنظمات المجتمع المدني إلى الإغلاق، أو قبول الإجلاء إلى الشمال الغربي، أو أن تعمل ببساطة في السر.

ونتيجة للتقدم الحكومي واتفاقيات الإجلاء القسري التي فرضت منذ عام ٢٠١٦، تم تهجير ما يزيد عن مليون سوري داخلياً إلى محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة. وما يزال اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة دولية، والذي جنب إدلب هجوما دمويا من قبل الحكومة، معلقا.

ومع ذلك، فإن دفع الجهات المانحة هذا الأسبوع لتقديم المساعدات للسوريين المشتتين في المنفى في جميع أنحاء المنطقة، كان يتناقض مع القيود المستمرة على الموارد المالية لمشاريع التنمية داخل سوريا التي تسيطر عليها الحكومة نفسها، مع عدم وجود إشارة من مسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى أن العقوبات المفروضة على جهود إعادة الإعمار سيتم رفعها في أي وقت قريب.

ويعتمد الكثير من هذه الشروط على تسوية سياسية بعيدة المنال: حيث يأمل المانحون الدوليون الرئيسيون، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، في أن يؤدي الضغط الدولي في نهاية المطاف إلى جعل حكومة الأسد تجلس على طاولة الحوار، وأن يتم الانتقال السياسي عبر الانتخابات.

وفي حديث مع الصحافيين في بروكسل بعد ظهر يوم الأربعاء قبل المؤتمر، كررت منسقة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني موقف الهيئة المتمثل في أن مساعدات الاتحاد الأوروبي لن تدعم جهود إعادة الإعمار دون اتخاذ خطوات مهمة نحو التحول السياسي.

وقالت موغريني "يمكن أن يكون هذا حافزا قويا للأطراف السورية للانخراط بجدية وبشكل بناء، تحت قيادة الأمم المتحدة في حوار سوري بالكامل، لقلب الصفحة حول هذا النزاع ووضع حد له من خلال عملية سياسية".

ورفضت الادعاءات التي تقول إن  الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، البالغ عددها ٢٨ دولة، بدأت تتراجع عن معارضتها للأسد والحظر شبه الكامل لتمويل جهود إعادة الإعمار في سوريا.

وأضافت "الاتحاد الأوروبي أجمع بشكل كامل على هذه النقطة".

وفي الأشهر الأخيرة، بدأ عدد متزايد من الحكومات الأوروبية بهدوء في التشكيك بالتزام المستمر بحل سياسي في سوريا.

وشارك مسؤولون إيطاليون في السابق في محادثات مباشرة على أراض أوروبية مع رئيس المخابرات السورية علي مملوك، مستشار الأسد، الذي فرضت عليه عقوبات من قبل الاتحاد الأوروبي، كما أنه مطلوب من النيابة العامة الفرنسية لدوره في انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا منذ عام ٢٠١١. وادعت جماعات حقوق الإنسان أن الاجتماعات قد انتهكت حظر سفر فرضه الاتحاد الأوروبي على مملوك.

وأشاد الدكتور محمد زاهر المصري، وهو خبير صحة سوري يمثل ائتلافا لمجموعات المجتمع المدني السوري في المؤتمر، بصنّاع السياسة في الاتحاد الأوروبي لربطهم التمويل المستقبلي في سوريا بالتقدم المحرز في العملية السياسية.

وقال المصري لسوريا على طول "إن قرار الاتحاد الأوروبي واضح بأنه لن يكون هناك إعادة إعمار حتى يكون هناك تحول سياسي يمنح السوريين حقوقهم، وهي نقطة يستخدمها الاتحاد الأوروبي ضد النظام وروسيا".

وأضاف "إنهم يعملون الآن على الملف السياسي".

المجتمع الإغاثي يعبر عن مخاوفه

قدمت العديد من وكالات الأمم المتحدة الرئيسية والمنظمات غير الحكومية الدولية، قبل المؤتمر، توصياتها الخاصة بشأن برامج المساعدات في سوريا.

وتعتبر التوصيات جزءا معتادا من المؤتمر السنوي "دعم مستقبل سوريا والمنطقة" الذي يستضيفه الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة منذ عام ٢٠١٧، ولكنه أيضا مؤشر على الأولويات المتغيرة لمختلف الجهات الفاعلة.

ودعت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الحكومة السورية إلى تسهيل الوصول إلى "مناطق العودة"، حيث يعود اللاجئون أو النازحون السوريون إلى ديارهم، بحيث تتمكن المفوضية من مراقبة العائدين والتواصل معهم.

وانتقد كارستن هانسن، المدير الإقليمي للمجلس النرويجي للاجئين في منطقة الشرق الأوسط "القيود التي تفرضها الحكومة على العاملين في المجال الإغاثي"، لكنه أضاف أن "العديد من الدول المانحة ترددت في زيادة التمويل للبرامج التي تديرها دمشق".

ومع ذلك، فإن المنظمات الدولية تعمل في سوريا بطريقة مختلفة اختلافا جذريا عما كانت عليه قبل عام ٢٠١١.

ويؤكد الهلال الأحمر العربي السوري، وهو أكبر منظمة إغاثة في سوريا والتي تحتكر توزيع المساعدات في الأراضي الحكومية، أن عمل المنظمات هناك سوف يتحسن.

وفي حديث مع سوريا على طول على هامش الاجتماعات الوزارية يوم الخميس، قال الأمين العام للهلال الأحمر العربي السوري، خالد عرقسوسي، إن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية وكذلك الهلال الأحمر العربي السوري "تعمل جميعها لتخفيف تلك القيود حتى نتمكن من الوصول في النهاية".

وأكد عرقسوسي أن هذه القيود "لا تأتي من الهلال الأحمر العربي السوري"، مضيفا أن الوكالة "تعمل مع المنظمات غير الحكومية الدولية لتسهل عملهم ووصولهم إلى المناطق المطلوبة". وأوضح أن الظروف في "المناطق التي أصبح هناك إمكانية للوصول إليها حديثا" في البلاد لم تكن دائما ملائمة لعمال الاغاثة.

وتابع عرقوسي "هناك مناطق لا تزال تحت التسويات. لكن شيئا فشيئا، الوضع سيتحسن".

وفي الوقت نفسه، يتساءل عمال الإغاثة والمحللون عن مدى استقلالية الهلال الأحمر العربي السوري. وعلى عكس فروع الهلال الأحمر في البلدان المجاورة، فقد تم حل الهلال الأحمر العربي السوري وإعادة تشكيله في أعقاب سيطرة البعثيين عام ١٩٦٣، ليصبح واحدا من أكبر منظمات المساعدات الإنسانية في سوريا.

ويتوجب على المنظمات الإنسانية التي تتطلع إلى العمل في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة في سوريا أن تسجل بصفة عامة لدى الهلال الأحمر العربي السوري لكي تعمل بشكل قانوني في البلاد.

ومن بين القيود الأخرى، تمنع المنظمات الإنسانية القيام بزيارات ميدانية أو إقامة برامج جديدة في المناطق الخاضعة للحكومة دون إذن من الهلال الأحمر العربي السوري. وتشير الدلائل أيضا إلى تنسيق مشترك ووثيق بين الهلال الأحمر العربي السوري والحكومة السورية، بما في ذلك فروع الأمن التي كانت في السابق هدفا للعقوبات الدولية.

وفي الملاحظات الختامية للمؤتمر، أقر لوكوك بأنه لا تزال هناك مشاكل رئيسية في الوصول إلى ملايين الأشخاص المستضعفين داخل سوريا.

وقال "لقد سمعنا من العديد من الأطراف اليوم، دعوة للوصول المستمر دون عوائق إلى جميع المناطق في سوريا. وبالنيابة عن الأمم المتحدة، أعد بأننا سنبذل قصارى جهدنا لتحقيق ذلك".

تظل حالات العودة "استثناء وليس قاعدة"

على الرغم من تعهدات التمويل الأخيرة، لا يزال هناك الكثير من الأمور دون حل.

وكانت مسألة عودة اللاجئين، وكذلك النقاشات الطويلة حول إعادة الإعمار والضحايا المفقودين لأكثر من ثماني سنوات من القمع والعنف مواضيع للنقاش في المؤتمر.

وما تزال العودة قضية معقدة ومثيرة للجدل للغاية. وفي بيان يوم الخميس، أشار رئيس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي إلى أن العودة إلى سوريا "ستزداد مع تحسن الوضع، لكن الحركة الواسعة النطاق في سوريا ستستغرق بعض الوقت".

وأضاف غراندي "يجب أن تستمر عمليات العودة، كما هي عليه حتى الآن. حيث يتم تقديم المعلومات والمشورة للعائدين بشكل طوعي وعودتهم لا علاقة لها بأي اعتبارات سياسية".

وتساءل الحضور من جماعات المجتمع المدني السوري عن الظروف المستقبلية التي يجب أن تكون موجودة لضمان العودة الآمنة، بالنظر إلى عدم إحراز تقدم سياسي وبأن الحكومة السورية متهمة بارتكاب أعمال وحشية واسعة النطاق.

وذكر محامي حقوق الإنسان أنور البني أمثلة عن السوريين الذين عادوا إلى ديارهم في درعا، التي استعادت الحكومة السيطرة عليها مؤخرا، بعد أن فروا من حملة عسكرية موالية للحكومة هناك في الصيف الماضي. وقال البني إن المدنيين تعرضوا للاعتقال والاختفاء القسري، على الرغم من اتفاقيات التسوية وتطمينات السلطات في دمشق.

وقال خلال ظهوره في المؤتمر "لقد رأينا أن الحكومة لم تحمي أي من هؤلاء الأشخاص. كيف يمكننا التوصل إلى حلول مع مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب؟"

وفي السياق، أخبر نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية ريتشارد أولبرايت الحاضرين ألا يتوقعوا حالات عودة كبيرة في أي وقت قريب.

وقال إن "الأمن، وسيادة القانون، والحكومة الجيدة: هذه هي الأشياء التي أخرجت الكثير من السوريين قبل ثماني سنوات، وليس من المستغرب أن هذه هي نفس الظروف التي تعيق العودة اليوم".

"ستبقى حالات العودة استثناء وليست قاعدة"

وعبر العديد من قادة المجتمع المدني السوري الحاضرين عن رغبتهم القوية في العودة، لكنهم أشاروا إلى أن عمليات العودة كانت مستحيلة في البيئة السياسية الحالية، حيث لا يزال التجنيد القسري والاعتقالات التعسفية أمرا شائعا في المناطق الخاضعة للحكومة، وقد اختفى عشرات الآلاف من المدنيين قسراً.

وما يزال مصير العديد من المعتقلين السياسيين غير واضح، وهو أحد المواضيع التي تكررت في المؤتمر.

وقالت آمنة الخولاني من مجموعة عائلات الحرية التي تمثل عائلات المعتقلين في سوريا "بعد ثماني سنوات مما حدث في سوريا، أعتقد أنه حان الوقت لأن نرفع صوتنا. لقد ناضلنا حتى تكون قضية المحتجزين على جدول الأعمال في هذا المؤتمر. ومن المؤلم أننا نحتفل بذلك".

وأضافت "من المؤلم أن نضالنا أصبح قضية إنسانية على طاولة المفاوضات".

وحذر البني أيضا من خطر انحصار استجابات الاتحاد الأوروبي بـ "المجتمع المدني والمساعدات والاحتياجات الإنسانية"، داعياً إلى استجابة سياسية أكثر قوة.

وقال لسوريا على طول، في وقت سابق من هذا الأسبوع "أنا لا أتحدث فقط عن واحد أو اثنين من المجرمين، أو أن اللاجئين يخشون العودة بسبب واحد أو اثنين من المجرمين. أنا أتحدث عن البنية التحتية القانونية للنظام السوري، والتي تسمح لهؤلاء المجرمين بالبقاء في مكانهم ومواصلة ارتكاب الجرائم".

وأضاف "إذا لم يتم وضع حد لهم، فإنهم سيرتكبون المزيد من الجرائم مرة أخرى".

[لقراءة مقابلة المحامي الحقوقي أنور البني كاملة ، انقر هنا]

 ساهم عمار حمو وبريت ليموجز في إعداد هذا التقرير.

إعداد فريق سوريا على طول

ترجمة: سما محمد