عمان- كشفت وزارة الصحة التابعة للنظام السوري، أمس الثلاثاء، عن تسجيل 15 إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجد، لمواطنين سوريين قادمين من الخارج، ليرتفع عدد الإصابات المسجلة رسمياً 121 حالة، 86 منها في العاصمة دمشق، و34 محافظة ريف دمشق، وإصابة واحدة في درعا، وقد بلغ عدد المصابين القادمين إلى سوريا 71 حالة من إجمالي الحالات المسجلة، غالبيتهم قادمين من الكويت، مع تسجيل إصابات أيضاً لقادمين من الإمارات وروسيا والسودان.

وبناء على الأرقام الأخيرة، قررت دمشق "استمرار تعليق استقدام السوريين العالقين في الدول الأخرى حتى إشعار آخر، وإعادة مناقشة هذا الموضوع بعد معالجة جميع الحالات وانتهاء مدة الحجر للمتواجدين في مراكز الحجر". 

هذا التحديث المستمر لحكومة دمشق لعدد الإصابات بالفيروس المستجد في مناطق سيطرتها، ما تزال شفافية هذه الحكومة بهذا الشأن موضع شكّ، لا سيما وأن اعتراف دمشق بوجود إصابات بالفيروس في سوريا جاء متأخراً، كما لا يتناسب وتلك المسجلة في معظم البلدان الأخرى. إذ تتعامل دمشق مع الوباء، بحسب أحد سكان ضواحي العاصمة ممن تم تشخيص إصابة أحد معارفه بالفيروس مؤخراً، "باعتباره أحد الملفات الأمنية". لافتاً في حديثه إلى"سوريا على طول" شريطة عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إلى لجوء الحكومة إلى "نفي أي إصابة، ومن ثم إثباتها في وقت متأخر بعد أن يكون المصاب قد خالط الأوساط المحيطة". 

وبحسب بيانات جمعتها "سوريا على طول" من مصادرها الخاصة أو عبر تقارير منشورة، تقدر عدد الحالات الموجودة في الحجر الصحي، وكذلك المشتبه بها أو ما تم تأكيد إصابتها بفيروس كورونا بنحو 318 حالة. فيما كان 166 شخصاً يخضعون للحجر الصحي، بسبب أعراض مشابهة لأعراض الفيروس، بحسب ما ذكر مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، لـ"سوريا على طول" الشهر الماضي.

وفي منطقة شمال شرق سوريا الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تم تسجيل ثلاث حالات إصابة بفيروس "كورونا" المستجد، بينها حالة وفاة تم الإعلان بداية الشهر الحالي، وهي لحالة كانت في المستشفى الوطني بمدينة القامشلي الذي تتولى وزارة الصحة التابعة لحكومة دمشق إدارته، فيما لم تقم منظمة الصحة العالمية بإبلاغ الإدارة الذاتية التي تتولى إدارة المنطقة عن الحالة إلا بعد أسبوعين من حصول الوفاة. هذا في الوقت الذي تعاني فيه شمال شرق سوريا أصلاً من ضعف الإمكانات الطبية، حيث لا يتوافر فيها سوى جهازي "بي سي آر" (PCR) الضروري لإجراء فحص الإصابة بالفيروس، قدمهما إقليم كردستان العراق مؤخراً.

المناطق الأكثر عرضة لتفشي الوباء

بواعث التشكيك في الأرقام الرسمية والقلق من "انفجار في حالات الإصابة" بالوباء، وفق تحذير رئيس فريق منظمة الصحة العالمية للوقاية من الأخطار المعدية، عبد النصير أبو بكر، تبدو في حقيقة وجود ما يمكن اعتباره بؤراً عديدة محتملة لفيروس كورونا المستجد في سوريا، كما تُظهر الخريطة أدناه، نتيجة تواجد مليشيات إيرانية وقوات روسية وتركية، ومخيمات نازحين مكتظة من دون توافر أدنى متطلبات الوقاية، وسجون ومراكز اعتقال رسمية وغير رسمية تضم أكثر من مائة ألف معتقل. ويتضافر كل ذلك مع انهيار النظام الصحي حتى في مناطق سيطرة القوات الحكومية، لكن بشكل أكبر في مناطق سيطرة المعارضة شمال غرب البلاد، و"قسد" شرق الفرات.

وبحسب دراسة صادرة في 26 آذار/مارس الماضي، عن فريق سوريا في برنامج بحوث النزاعات في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)، يُقدر الحد الأقصى لعدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد التي يمكن معالجتها في سوريا بشكل مناسب بنحو 6,500 حالة فقط، مع وجود فروقات في القدرة بين المحافظات؛ إذ فيما تستطيع دمشق التعامل مع 1,920 حالة، تكاد تفتقد دير الزور لأي إمكانات في هذا الصدد. وبحسب منظمة الصحة العالمية، لا يعمل في سوريا سوى 64% من المستشفيات، و52% من مراكز الرعاية الصحية، كما فرّ 70% من العاملين في القطاع الصحي خارج البلاد.

وتُعد السجون ومراكز الاعتقال ضمن مناطق سيطرة القوات الحكومية، من بين أكثر الأماكن عرضة لخطر تفشي فيروس كورونا، لاسيما وأنها تضم "أضعاف قدرتها الاستيعابية"، كما قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، لـ"سوريا على طول"، ويعاني المعتقلون فيها من الإهمال الطبي.

كذلك، يبرز في هذه المناطق خطر الانتشار الكثيف للمقاتلين المدعومين من إيران، والذين يقدر عددهم بنحو 50,000 مقاتل، يتوافدون من ست دول سجلت إصابات بالفيروس، لاسيما إيران التي تعد ضمن الأعلى عالمياً في عدد الإصابات والوفيات.

في المقابل، وفيما لم تسجل المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق في شمال غرب سوريا أي إصابات بالفيروس حتى اللحظة، تعاني هذه المناطق التي تشهد كثافة سكانية كبيرة من عدم وجود إمكانات طبية للكشف عن إصابات بالوباء أو الوقاية منه، وبما "ينذر "بوضع خطير جداً" كما حذر مدير قسم التواصل والمناصرة في الجمعية الطبية السورية الأميركية (سامز)، د. فادي حكيم. لافتاً إلى أن "المستشفيات المخصصة للتعامل مع المرض غير مجهزة، وهناك نقص كبير في الموارد والمعدات التشخيصية".

وتشير أرقام صادرة عن مديرية صحة إدلب، التابعة للحكومة السورية المؤقتة (المعارضة)، إلى وجود ما يقدر بحوالي 600 طبيب لتقديم الرعاية الصحية لأربعة ملايين نسمة شمال غرب سوريا، أي بمعدل 1.4 طبيب لكل 10,000 شخص. فيما يبلغ عدد الأسرّة في أقسام العناية المركزة 201 سرير، أو سرير واحد لكل 20,788 شخص. أما عدد أجهزة التنفس للبالغين، والتي تؤدي دوراً حاسماً في علاج الإصابة بـ"كورونا"، فيبلغ 95 جهازاً، مقابل 30 جهازاً للأطفال.

ولأن السؤال بشأن شمال غرب سوريا هو "ليس إن كان الفيروس سيصل أم لا؟، وإنما متى سيصل؟"، كما قال مصدر طبي مقيم خارج سوريا لكنه على معرفة عميقة بالواقع الصحي فيها، فإن الخشية تبدو من انتشار الوباء "بشكل انفجاري". إذ كشف المصدر الذي تحدث إلى "سوريا على طول" شريطة عدم الكشف عن هويته عن تقديرات بأن يطال "فيروس كورونا" في حال تفشيه شمال غرب سوريا ما بين 60% و70% من الكتلة البشرية الموجودة في المنطقة، وبما قد يؤدي في حال لم تكن هناك إجراءات وقائية شديدة، إلى وفاة  أكثر من 100 ألف شخص، أو ما نسبته حوالي 3% من عدد السكان هناك.

وقد أكد هذه التقديرات مصدر طبي آخر في مديرية صحة إدلب، طالباً عدم الإفصاح عن اسمه. 

معضلة الدعم الدولي

في 19 آذار/مارس الماضي، أثار تصريح المتحدث باسم جهود منظمة الصحة العالمية عبر الحدود في جنوب تركيا، هيدين هالدورسون، استياء العاملين في القطاع الطبي شمال غرب سوريا. إذ رغم تأكيد المسؤول الدولي على دعم إدلب بمعدات الكشف عن فيروس كورونا، فإنه فسّر تأخير وصولها بأن المنظمة وزعت معدات الكشف على وزارات الصحة الحكومية فيما "شمال غرب سوريا ليس دولة".

إذ سلمت "الصحة العالمية" مخصصات إدلب من معدات الكشف عن "كورونا" إلى حكومة دمشق التي قامت لاحقاً بتسليمها لإدلب، وليس من خلال "الاستجابة عبر الحدود" وفق قرار مجلس الأمن الدولي، كما قال مدير قسم التواصل والمناصرة في "سامز"، وذلك على الرغم من أن المنظمات الإنسانية في شمال غرب سوريا "أثبتت كفاءة عالية في التفشي مع الأوبئة، من مثل وباء شلل الأطفال في السابق، ويمكن الاعتماد عليها. كما إنها أكثر مصداقية من دمشق".

في هذا السياق أيضاً، أشار وزير الصحة في الحكومة السورية المؤقتة، د.مرام الشيخ، في مقابلة مع "سوريا على طول"، إلى وجود "تحيز وعدم مساواة من منظمة الصحة العالمية بشأن تقسيم المساعدات على السوريين"، ما يعني إعاقة جهود مواجهة الوباء القابل للانتشار إلى خارج حدود مناطق النفوذ والحدود السياسية.

وكانت المفوضة في لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، كارين أبو زيد، دعت سابقاً إلى "السماح للمساعدات الإنسانية، بما في ذلك الدعم والإمدادات الطبية، بالوصول إلى [النازحين] وفق الحاجة وليس وفق الاعتبارات السياسية".