عمان- في تزايد مستمر بأعداد الإصابات المعلن عنها في مناطق النظام السوري، أعلنت وزارة صحة دمشق تسجيل 52 إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجد وحالتي وفاة، اليوم الأربعاء، ليرتفع عدد الإصابات إلى 944 حالة، والوفيات إلى 48، فيما ارتفع عدد الإصابات في مناطق سيطرة المعارضة شمال غرب سوريا إلى 40 حالة، بعد تسجيل إصابتين جديدتين لهذا اليوم.

وكانت هيئة الصحة التابعة للإدارة الذاتية قد أعلنت صباح يوم الأربعاء عن تسجيل 20 إصابة جديدة بالفيروس المستجد في شمال شرق سوريا، ليرتفع عدد الإصابات هناك إلى 50 حالة. وبذلك تسجل سوريا في يوم واحد 74 إصابة. لكن هذه الأرقام المعلنة من الجهات المختصة، لا سيما الصادرة عن وزارة الصحة التابعة للنظام السوري، لا تكشف حقيقة انتشار الفيروس المستجد في سوريا، بحسب شهادات مصادر ميدانية تحدثت إلى "سوريا على طول".

ونظراً إلى تفشي الفيروس في محافظة دمشق وريفها، أعلنت "صحة النظام" عن تعليق صلوات الجماعة والجمعة في المحافظتين لمدة 15 يوماً اعتباراً من يوم الإثنين، الموافق 3 آب/أغسطس الحالي. فالأرقام الرسمية تشير إلى ارتفاع المنحنى البياني للإصابات بالفيروس في سوريا بشكل متصاعد، إذ بلغ عدد الحالات المسجلة منذ حزيران/ يونيو الماضي، وحتى اليوم الأربعاء 799 حالة، فيما بلغ عدد الإصابات في الفترة بين 22 آذار/مارس -حيث تم إعلان أول إصابة بالفيروس في سوريا- و نهاية أيار/مايو الماضي 145 حالة.

وتوزعت الإصابات في مناطق النظام حتى مساء أمس الثلاثاء، بحسب الوزارة، على 10 محافظات: دمشق 473 إصابة، وريف دمشق 181، وحلب 61، والقنيطرة 40، فيما ارتفعت عدد الإصابات في اللاذقية إلى 36، والسويداء 33، وحمص 31، وطرطوس 15، ودرعا 12، وحماة 10. وتوزعت الوفيات على كل من دمشق 37 حالة وفاة، وريف دمشق 3، وحالتي وفاة في كل من السويداء وحمص، وواحدة في كل من القنيطرة وحلب. فيما لم يتم الكشف عن أماكن توزع الـ52 إصابة الجديدة حتى لحظة تحديث التقرير.

وبعد تسجيل شفاء 296 حالة في مناطق النظام، بحسب ما ذكرت صحة النظام، تبلغ الحالات النشطة 600 حالة، فيما عدد الحالات النشطة في شمال غرب سوريا 21 حالة بعد شفاء 19 حالة. 

ومع أن الأرقام المسجلة في سوريا تبدو منخفضة مقارنة بغيرها "لكننا لا نستطيع أن نرتاح لذلك" بحسب ما ذكر د.ريتشارد برينان، مدير الطوارئ الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في الشرق الأوسط، في 26 حزيران/ يونيو، مشيراً إلى أن دولاً أخرى في المنطقة كان نمو عدد الحالات فيها بطيئاً ولكن في الآونة الأخيرة شهدت تسارعاً كبيراً، كما هو الحال في العراق وتركيا ومصر، متوقعاً أن يكون "لدينا تطور مماثل في سوريا أيضاً" بحسب قوله.

كذلك لا يجب قراءة انخفاض عدد الحالات "بتفاؤل كبير"، كما ذكر وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حلات الطورارئ، مارك لوكوك، في إحاطته لمجلس الأمن بشأن الحالة الإنسانية في سوريا، في 29 حزيران/يونيو الماضي، موضحاً أن "الاختبار ما يزال محدوداً للغاية. [إذ] تم إجراء ما يزيد قليلاً عن 8000 اختبار حتى الآن". إذ وبحسب "صحة النظام" يوجد 5 مختبرات معتمدة لإجراء فحوصات الكشف عن فيروس كورونا، تتوزع في 4 محافظات، 2 في دمشق، ومركز في كل من حلب وحمص واللاذقية.

وكانت الهيئة الإدارية لكلية الطب في جامعة دمشق قد ألغت في 24 حزيران/يونيو الماضي "دوام الستاجات السريرية [في المشافي التعليمية بدمشق] للسنوات الرابعة والخامسة والسادسة". وقد عزا عميد كلية الطب البشري بجامعة دمشق، نبوغ العوا، إيقاف الستاجات السريرية بهدف الحفاظ على سلامة الطلبة، بعد ظهور إصابات بالفيروس لحالات مخالطة مع ممرضات من الكوادر الطبية.

غياب الشفافية

في تصريح غير مسبوق، اعترفت وزارة الصحة التابعة للنظام السوري وجود إصابات بالفيروس المستجد غير تلك المعلن عنها من الوزارة، إذ إن "هذه الأعداد هي الحالات التي أثبتت نتيجتها بالفحص المخبري بي سي آر ِ [PCR] فقط، فيما هناك حالات لا عرضية"، كما أضافت الوزارة في توضيح نشرته في 1 آب/أغسطس الحالي أنها "لا تملك الإمكانيات في ظل الحصار الاقتصادي الجائر المفروض على البلاد الذي طال القطاع الصحي".

وخلال الأشهر الماضية فرضت "صحة النظام" حظراً على عدة مناطق ومن ثم رفعت الحظر عنها، مثال ذلك في 23 تموز/يوليو الحالي أعلنت "صحة النظام" رفع الحظر عن بلدة رأس المعرة في ريف دمشق، التي كانت قد خضعت لحجر كامل في 8 حزيران/يونيو الماضي، وقبلها رفعت الحظر أيضاً عن بلدة جديدة الفضل، التابعة إدارياً لمحافظة القنيطرة، بعد أن أظهرت نتائج المسح خلو البلدة من أي إصابات جديدة، والتي تم فرض حجر كامل عليها في حزيران/يونيو الماضي أيضاً.

وكانت الجهات المختصة التابعة للنظام السوري، قد فرضت عزلاً كلياً أو جزئياً على عدد المناطق الواقعة تحت سيطرتها، في إطار إجراءاتها الاحترازية للحد من انتشار الفيروس المستجد، من قبيل إغلاق ساحات عامة في حلب، في 28 حزيران/يونيو الماضي، و عزل قرية رأس المعرة بريف دمشق نتيجة تفشي الفيروس بين أعداد كبيرة من مخالطين لسائق شاحنة قادم من الأردن-سوريا، الذي تم الإعلان عن إصابته في السادس من شهر حزيران/يونيو الماضي، وأيضاً عزل بلدة عين منين بريف دمشق لتسجيل إصابات فيها.

في المقابل، عزل النظام السوري بلدة السيدة زينب في ريف دمشق، في الفترة بين 2 نيسان/أبريل و 17 أيار/مايو الماضيين، وهي من المناطق الأكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا، نظراً لحركة الميليشيات الشيعية العراقية والإيرانية، ولكن لم يتم الإفصاح عن أعداد الإصابات فيها. كذلك لم تعلن الجهات المختصة عن تسجيل إصابات بالفيروس في محافظة حلب إلى أن تم الإعلان عن وفاة الرجل السبعيني في مشفى حلب الجامعي.

لذلك، ما تزال شفافية هذه الحكومة بهذا الشأن موضع شك رغم التحديث المستمر لأعداد الإصابات بالفيروس المستجد في مناطق سيطرتها، كون اعترافها بوجود إصابات جاء متأخراً، كما لا يتناسب وتلك المسجلة في معظم البلدان الأخرى. إذ تتعامل دمشق مع الوباء، بحسب أحد سكان ضواحي العاصمة ممن تم تشخيص إصابة أحد معارفه بالفيروس مؤخراً، "باعتباره أحد الملفات الأمنية". لافتاً في حديثه إلى"سوريا على طول" شريطة عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إلى لجوء الحكومة إلى "نفي أي إصابة، ومن ثم إثباتها في وقت متأخر بعد أن يكون المصاب قد خالط الأوساط المحيطة". أو كما هي حالة بلدة السيدة زينب، التي رفع الحظر عنها دون كشف معلومات عن الإصابات فيها.

إضافة إلى ذلك، فإن وسائل إعلام محلية شككت في أن القادمين من الكويت كانوا حاملين للفيروس، وإنما رجحت إصابتهم في مراكز الإيواء التي خصصتها "الصحة السورية" لحجر القادمين الجدد. إذ في الفترة بين  23 و26 أيار/مايو الماضي تم تسجيل 62 إصابة بين سوريين قادمين من عدة دول، بينهم 39 قادماً من الكويت، فيما كانت آخر رحلة طيران قادمة من الكويت في 11 أيار/مايو، أي قبل 15 يوم من الإعلان عن إصابتهم.

وبحسب بيانات جمعتها "سوريا على طول" من مصادرها الخاصة أو عبر تقارير منشورة، تقدر عدد الحالات الموجودة في الحجر الصحي، وكذلك المشتبه بها أو ما تم تأكيد إصابتها بفيروس كورونا بنحو 725 حالة. فيما يبلغ عدد الأشخاص الذين خضعوا للحجر الصحي، بحسب "صحة النظام" 14.780 شخص، ما يزال منهم 2143 تحت المتابعة حتى الآن، وقد شككت سابقاً وسائل إعلام وحقوقية معارضة للنظام بأرقام المحجور عليهم.

المناطق الأكثر عرضة لتفشي الوباء

بواعث التشكيك في الأرقام الرسمية والقلق من "انفجار في حالات الإصابة" بالوباء، وفق تحذير رئيس فريق منظمة الصحة العالمية للوقاية من الأخطار المعدية، عبد النصير أبو بكر، تبدو في حقيقة وجود ما يمكن اعتباره بؤراً عديدة محتملة لفيروس كورونا المستجد في سوريا، كما تُظهر الخريطة أدناه، نتيجة تواجد مليشيات إيرانية وقوات روسية وتركية، ومخيمات نازحين مكتظة من دون توافر أدنى متطلبات الوقاية، وسجون ومراكز اعتقال رسمية وغير رسمية تضم أكثر من مائة ألف معتقل. ويتضافر كل ذلك مع انهيار النظام الصحي حتى في مناطق سيطرة القوات الحكومية، لكن بشكل أكبر في مناطق سيطرة المعارضة شمال غرب البلاد، و"قسد" شرق الفرات.

وبحسب دراسة صادرة في 26 آذار/مارس الماضي، عن فريق سوريا في برنامج بحوث النزاعات في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)، يُقدر الحد الأقصى لعدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد التي يمكن معالجتها في سوريا بشكل مناسب بنحو 6,500 حالة فقط، مع وجود فروقات في القدرة بين المحافظات؛ إذ فيما تستطيع دمشق التعامل مع 1,920 حالة، تكاد تفتقد دير الزور لأي إمكانات في هذا الصدد. وبحسب منظمة الصحة العالمية، لا يعمل في سوريا سوى 64% من المستشفيات، و52% من مراكز الرعاية الصحية، كما فرّ 70% من العاملين في القطاع الصحي خارج البلاد.

وتُعد السجون ومراكز الاعتقال ضمن مناطق سيطرة القوات الحكومية، من بين أكثر الأماكن عرضة لخطر تفشي فيروس كورونا، لاسيما وأنها تضم "أضعاف قدرتها الاستيعابية"، كما قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، لـ"سوريا على طول"، ويعاني المعتقلون فيها من الإهمال الطبي.

كذلك، يبرز في هذه المناطق خطر الانتشار الكثيف للمقاتلين المدعومين من إيران، والذين يقدر عددهم بنحو 50,000 مقاتل، يتوافدون من ست دول سجلت إصابات بالفيروس، لاسيما إيران التي تعد ضمن الأعلى عالمياً في عدد الإصابات والوفيات.

في المقابل، وفيما لم تسجل المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق في شمال غرب سوريا أي إصابات بالفيروس حتى اللحظة، تعاني هذه المناطق التي تشهد كثافة سكانية كبيرة من عدم وجود إمكانات طبية للكشف عن إصابات بالوباء أو الوقاية منه، وبما "ينذر "بوضع خطير جداً" كما حذر مدير قسم التواصل والمناصرة في الجمعية الطبية السورية الأميركية (سامز)، د. فادي حكيم. لافتاً إلى أن "المستشفيات المخصصة للتعامل مع المرض غير مجهزة، وهناك نقص كبير في الموارد والمعدات التشخيصية".

وتشير أرقام صادرة عن مديرية صحة إدلب، التابعة للحكومة السورية المؤقتة (المعارضة)، إلى وجود ما يقدر بحوالي 600 طبيب لتقديم الرعاية الصحية لأربعة ملايين نسمة شمال غرب سوريا، أي بمعدل 1.4 طبيب لكل 10,000 شخص. فيما يبلغ عدد الأسرّة في أقسام العناية المركزة 201 سرير، أو سرير واحد لكل 20,788 شخص. أما عدد أجهزة التنفس للبالغين، والتي تؤدي دوراً حاسماً في علاج الإصابة بـ"كورونا"، فيبلغ 95 جهازاً، مقابل 30 جهازاً للأطفال.

ولأن السؤال بشأن شمال غرب سوريا هو "ليس إن كان الفيروس سيصل أم لا؟، وإنما متى سيصل؟"، كما قال مصدر طبي مقيم خارج سوريا لكنه على معرفة عميقة بالواقع الصحي فيها، فإن الخشية تبدو من انتشار الوباء "بشكل انفجاري". إذ كشف المصدر الذي تحدث إلى "سوريا على طول" شريطة عدم الكشف عن هويته عن تقديرات بأن يطال "فيروس كورونا" في حال تفشيه شمال غرب سوريا ما بين 60% و70% من الكتلة البشرية الموجودة في المنطقة، وبما قد يؤدي في حال لم تكن هناك إجراءات وقائية شديدة، إلى وفاة  أكثر من 100 ألف شخص، أو ما نسبته حوالي 3% من عدد السكان هناك.

وقد أكد هذه التقديرات مصدر طبي آخر في مديرية صحة إدلب، طالباً عدم الإفصاح عن اسمه. 

معضلة الدعم الدولي

في 19 آذار/مارس الماضي، أثار تصريح المتحدث باسم جهود منظمة الصحة العالمية عبر الحدود في جنوب تركيا، هيدين هالدورسون، استياء العاملين في القطاع الطبي شمال غرب سوريا. إذ رغم تأكيد المسؤول الدولي على دعم إدلب بمعدات الكشف عن فيروس كورونا، فإنه فسّر تأخير وصولها بأن المنظمة وزعت معدات الكشف على وزارات الصحة الحكومية فيما "شمال غرب سوريا ليس دولة".

إذ سلمت "الصحة العالمية" مخصصات إدلب من معدات الكشف عن "كورونا" إلى حكومة دمشق التي قامت لاحقاً بتسليمها لإدلب، وليس من خلال "الاستجابة عبر الحدود" وفق قرار مجلس الأمن الدولي، كما قال مدير قسم التواصل والمناصرة في "سامز"، وذلك على الرغم من أن المنظمات الإنسانية في شمال غرب سوريا "أثبتت كفاءة عالية في التفشي مع الأوبئة، من مثل وباء شلل الأطفال في السابق، ويمكن الاعتماد عليها. كما إنها أكثر مصداقية من دمشق".

في هذا السياق أيضاً، أشار وزير الصحة في الحكومة السورية المؤقتة، د.مرام الشيخ، في مقابلة مع "سوريا على طول"، إلى وجود "تحيز وعدم مساواة من منظمة الصحة العالمية بشأن تقسيم المساعدات على السوريين"، ما يعني إعاقة جهود مواجهة الوباء القابل للانتشار إلى خارج حدود مناطق النفوذ والحدود السياسية.

وكانت المفوضة في لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، كارين أبو زيد، دعت سابقاً إلى "السماح للمساعدات الإنسانية، بما في ذلك الدعم والإمدادات الطبية، بالوصول إلى [النازحين] وفق الحاجة وليس وفق الاعتبارات السياسية".