كلما سمع محمد خير الله باب منزله يطرق، توقف قلبه للحظة، ويترك كل شئ من يده ويركض ليختبئ في سقيفة المنزل (مساحة تخزين صغيرة فوق باب المطبخ)، حيث ينتظر بصبر، وأحياناً لساعات إلى أن تنتهي زيارة الزوار لوالديه.

وقال خير الله لمراسلة سوريا على طول بهيرة الزرير "أشعر وكأنني ميت وأنا على قيد الحياة، تكفي حالة التوتر والخوف التي أعيشها".

ومع دخول الحافلات إلى بلدة ببيلا في جنوب دمشق، التي كانت تقع تحت سيطرة المعارضة سابقاً، في وقت سابق من هذا الشهر، لإجلاء الآلاف من المقاتلين والمدنيين إلى الشمال، اختار خير الله البالغ من العمر 23 عاماً البقاء في المنطقة التي استعادت الحكومة السورية سيطرتها عليها.

وقال "قلت سأبقى لأكمل دراستي في الجامعة وأحصل على تأجيل من الجيش، أي أن أموري كلها بالسليم مثل أي شخص آخر"، ولكن بدلاً من ذلك يجد خير الله نفسه سحيناً في منزله.

وفي أوائل شهر أيار، تم إجلاء ما يقدر بـ 8 آلاف مقاتل ومدني من بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم في جنوب دمشق، التي كانت تقع تحت سيطرة المعارضة سابقاً، كجزء من اتفاقية مصالحة تمت بين الحكومة السورية وفصائل الجيش السوري الحر بوساطة روسية منذ عام 2013.

قوات الحكومة السورية تدخل يلدا وببيلا وبيت سهم في 11 آيار. الصورة من سانا.

وجاء في نص اتفاقية المصالحة  على أنه لن يتم استدعاء أي شخص في هذه البلدات للخدمة العسكرية خلال الأشهر الستة القادمة، وبما أن خير الله لم يشارك في أي نشاط مسلح طوال فترة الحرب، فاعتقد أن البقاء في المدينة  سيكون أكثر أمناً.

ولكن بعد سماع أخبار اعتقال شبان آخرين على الحواجز التابعة للحكومة، بدأ خير الله يخشى على حياته ولم يغادر منزله أبداً.

وأضاف " أصعب شيء يمر على الإنسان أن يبقى سجيناً ولايعرف متى ينتهي سجنه" وطلب خير الله عدم ذكر اسمه الحقيقي خوفاً من أن تتمكن القوات الحكومية من العثور عليه.

وتابع "مع كل دقيقة تمر وأنا في هذا الوضع أشعر بالندم لأنني لم أذهب إلى الشمال وأعيش في المخيمات".

ماهي أسباب عدم خروجك من ببيلا ضمن القوافل التي خرجت من جنوب دمشق باتجاه المناطق المحررة؟

عندما بدأت الثورة خرجت بمظاهرات مناوئة للنظام السوري وعشنا حلم الثورة والتحرر من النظام الديكتاتوري الذي يحكمنا، كانت المظاهرات سلمية غير مسلحة ولم أحمل أي سلاح ضد أي شخص، أي أن شروط المصالحة تنطبق علي وهذا الشيء الوحيد الذي كان يطمئنني للبقاء وعدم الخروج.

وقلت لنقسي سأبقى لأكمل دراستي في الجامعة وأحصل على تأجيل من الجيش، أي أن أموري كلها بالسليم مثل أي شخص آخر.

بالإضافة إلى أن أبي وأمي كبار في السن وأنا الوحيد لديهم بعد مغادرة كل إخواني إلى خارج سوريا، فإخواني سافروا إلى تركيا منذ بداية الثورة، وكبار السن - كحال والديّ - لا يحبون مغادرة منازلهم للعيش في المخيمات.

حدثنا عن الأوضاع العامة بعد خروج كامل الحافلات، ووضعك الشخصي داخل المدينة ببيلا بعد سيطرة النظام عليها؟

بالنسبة للأوضاع المعيشية جيدة  والبضائع والمواد الغذائية والطبية تدخل إلى المنطقة، كل شيء موجود هنا، ولكن يوجد تجاوزات يقوم بها عناصر النظام  متل التعفيش.

والقوات الروسية المنتشرة في ببيلا تحاول أن تفرض نفسها كراعي رسمي في جنوب دمشق، ولا تسمح لعناصر النظام بالقيام بتجاوزات، وقبل بضعة أيام شاهدت من شباك منزلي قوات روسية تضرب عناصر للنظام لأنهم يسرقون بيوت ناس تهجرت إلى الشمال.

حركة الأهالي وتواجدهم في الشوارع قليلة بمقارنتها بما كانت عليه قبل سيطرة النظام، وكل شخص من الأهالي المتبقين بحاله، يعيشون بترقب وحذر وخوف من الأيام القادمة، وخاصة بعد حادثة الاعتقال التي حدثت من ثلاثة أيام على حاجز للنظام بالقرب من يلدا، حيث سمع والداي من سكان المنطقة أنه تم اعتقال ثلاثة شباب من نفس عمري، ونحن نعرفهم، كانوا  متجهين من معبر يلدا إلى جامعة دمشق، من خلال نقطة تفتيش يلدا وأُلقي القبض عليهم أثناء عبورهم.

وهؤلاء الشبان لم يتركوا جنوب دمشق لسنوات وبعد المصالحة اعتقدوا أنهم أصبحوا في مأمن عن الاعتقال، ولكن تم اعتقالهم، مع أن وضعهم نفس وضعي، أي أن جرمهم فقط التخلف عن الخدمة العسكرية، ومن المفترض أن المتخلفين لديهم مهلة ستة أشهر حسب بنود المصالحة.

وعندما وصل الخبر لأهلهم ذهبوا ليستفسروا عن سبب الاعتقال وكان الرد أن التسوية لا تشمل من تلطخت يداه بدماء السوريين وأولادكم كانوا يدعمون الإرهابيين، وأسماؤهم مدرجة ضمن أسماء المطلوبين ولا تشملهم التسوية.

وبعدما سمع والدي ماحدث لهؤلاء الشباب، شعروا بالندم من أجلي لأنهم لم يخرجوا من ببيلا إلى المناطق المحررة، وبدأ الخوف والقلق عليّ من مغادرتي للمنزل، ومما يزيد مخاوفهم من اعتقالي وجود عملاء للنظام ينقلون المعلومات للأجهزة الأمنية.

كيف تبدوا حياتك وأنت في منزلك لاتستطبع الخروج؟

أنا لا أغادر المنزل، وعندما أسمع صوت باب المنزل يقرع أركض على الفور لأختبئ في سقيفة المنزل (مساحة تخزين صغيرة فوق باب المطبخ)،  وإذا جاء ضيف لزيارة والدي أختبئ هناك إلى أن يذهب الضيف وفي بعض الأحيان أبقى هناك لساعتين أو ثلاثة إلى أن تنتهي الزيارة.

وأمي بدأت تخبر الناس أن ابنها غادر إلى الشمال لأننا بدأنا نشك بكل ضيف يدخل إلى البيت، فمن الممكن أن يكون جاسوساً للنظام.

وأصبح صوت طرق الباب يرعبني وخصوصاً إذا كان في وقت متأخر، وهنا أشعر بأن قلبي توقف من شدة الخوف وأخشى أن يكونوا قوات الأمن جاؤوا  لمداهمة البيت.

وإضافة لكل القهر الذي أعيشه باليوم ألف مرة، أصبحت عبئاً على والديّ بدلاً من أن أخدمهم وأعيلهم.

ومع كل دقيقة تمر وأنا في هذا الوضع أشعر بالندم لأنني لم أذهب إلى الشمال وأعيش في المخيمات، أشعر وكأنني سجين، أصعب شي يمر على الإنسان أن يبقى سجيناً ولايعرف متى سينتهي سجنه.

كشاب أصبحت شبه سجين في منزلك، ماذا تتأمل لمستقبلك و حياتك الجديدة تحت سيطرة النظام؟

مستقبل وحياة؟! وهل الذي يعيش وضعاً مثل وضعي يكون له مستقبل أو حياة؟ أنا غير قادر على الخروج من منزلي، أي لا أستطيع أن ابني مستقبلي ولا أكمل دراستي ولا حتى أن أخرج وأعود كأي أي شخص في عمري.

مستقبلي سيكون في سجن النظام الحقيقي، وحياتي قبل هذا المستقبل ستكون في سجن أكثر رحمة وهو الوضع الذي أعيشه الآن، سجن بيتي وبجانب أهلي.

أشعر وكأنني ميت وأنا على قيد الحياة، تكفي حالة التوتر والخوف التي أعيشها.