عمّان - يتسابق أطراف الصراع كافة جنوب سوريا، لأجل حسم مصير المنطقة في ظل ما تعيشه حالياً من مخاض عسير يتجلى بعدم استقرار شامل. وهو سباق يفضي إلى العديد من السيناريوهات والمشاريع العسكرية والسياسية التي يسعى أصحابها أن تكون واقعاً في المستقبل القريب، وتتم مناقشتها في اجتماعات مغلقة ومن خلال مفاوضات سرية، تحكمها تفاهمات دولية وعوامل محلية عدة، من بينها رفض دول الجوار للتواجد الإيراني في المنطقة، ورغبة روسيا في حسم الملف السوري عموماً لصالحها.

ففي تسجيل مصور تم تداوله منذ 23 حزيران/يونيو الماضي، ظهر القيادي السابق في المعارضة والقائد حالياً للواء الثامن في الفيلق الخامس التابع لروسيا، أحمد العودة، معلناً أنه "في الأيام القريبة بعون الله وهمتكم سنعلن أن حوران جسد واحد، وجسم واحد، وجيش واحد ليكون الأداة الأصغر والأقوى لحماية سوريا". 

هذه الكلمات التي جاءت بحضور مئات المواطنين من محافظة درعا بمناسبة تشييع تسعة من مقاتلي تنظيم العودة، قتلوا في تفجير حافلة كانت تقلهم في ريف درعا الشرقي. أشعلت الحماس بين الحضور، لتتعالى أصوات التكبير والتصفيق ابتهاجاً.

لاحقاً، أكد مصدر عسكري من الفيلق الخامس لـ"سوريا على طول" أن المباحثات بشأن التشكيل العسكري الجديد الذي أشار إليه العودة  "ما تزال مستمرة". لكن عضواً في اللجنة المركزية في درعا -التي تتولى مهام التفاوض مع النظام وممثلي الجانب الروسي الضامن لاتفاق التسوية المبرم العام 2018-  اعتبر في حديث إلى "سوريا على طول" أن "جيش الجنوب أو الجيش الموحد الذي تم الحديث عنه من قبل العودة، أمر مبالغ فيه، ولا وجود له على الأرض". كاشفاً عن "رفض كثير من القوى الانضمام إلى أي تشكيلات عسكرية، لا سيما التي تحمل طابعاً مبهماً"، كما أضاف.

في المقابل، فإن ثمة جهود تستهدف "وحدة الصف، عن طريق توحيد اللجان [لجان التفاوض] والقوى في جسم واحد"، بحسب ما ذكر المصدر ذاته، في وقت سابق، لـ"سوريا على طول".

في هذا السياق، عقدت اجتماعات مغلقة عدة، بعضها في مدينة بصرى الشام شرق درعا، والتي تعد معقل أحمد العودة، لأجل إتمام عملية تشكيل الجسم السياسي الموحد الذي سيجمع غالبية لجان التفاوض في محافظة درعا، والذي سيكون، كما قال لـ"سوريا على طول" اثنان من أعضاء اللجنة المركزية في درعا "لجنة وطنية مرجعية لحوران"، مهمتها "قيادة المرحلة الحالية، وتوحيد لجان المفاوضات، والمطالبة بحقوق الأهالي".

محاولة التوسعة وزيادة النفوذ

خلال الأشهر الثلاثة الماضية، استكملت الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر شقيق بشار الأسد، والمحسوبة على التيار الإيراني، انتشارها في ريف درعا الغربي، مستغلة مقتل تسعة من عناصر الأمن الداخلي (الشرطة) في بلدة المزيريب غرب درعا، على يد أحد قادة فصائل التسوية -المشكلة من فصائل المعارضة السابقة- في البلدة.

في هذا السياق، وإضافة إلى التغلغل جغرافياً غرب درعا، شرعت الفرقة في "تهميش" دور القادة العسكريين في المعارضة سابقاً، من خلال تشكيل خمس كتائب من مقاتلي فصائل التسوية يقود كل منها ضباط من خارج محافظة درعا.  كما أعلنت الفرقة عن فتح باب الانتساب لصفوفها في درعا، لاستقطاب مجموعات التسوية التي ما تزال خارج صفوفها في ريف درعا الغربي، من خلال تقديم بعض الإغراءات للشباب، من قبيل عقود مؤقتة وبطاقات أمنية تتيح لهم التنقل على الحواجز ونقاط التفتيش وضمان عدم الملاحقة الأمنية.

على الطرف الآخر، أعلن اللواء الثامن في الفيلق الخامس، بقيادة العودة، فتح باب الانتساب إلى صفوفه. وهو ما قد يبدو بديلاً أفضل لكثير من شباب درعا الذين يرفضون الالتحاق بالقوات الحكومية، لا سيما مع الأنباء المتكررة عن صدامات ومناوشات متكررة بين عناصر اللواء الثامن والحواجز العسكرية والأمنية التابعة للنظام، والتي غالباً ما تنتهي لصالح اللواء، إضافة إلى الوعود المقدمة باقتصار خدمتهم العسكرية جنوب سوريا، وعدم الزج بهم، مع القوات الحكومية، على جبهات القتال شمال غرب سوريا؛ آخر معاقل المعارضة، أو في البادية التي ينشط فيها تنظيم "داعش".

في السياق ذاته، عقد العودة اجتماعات، في مدينة بصرى الشام، مع أعضاء من اللجنة المركزية في درعا وعدد من قادة التسوية لبحث عملية تجنيد الشباب ضمن التشكيل الذي يقوده العودة. لتعقب ذلك بأيام حادثة استهداف حافلة عسكرية يستقلها عناصر من فصيل العودة، في 20 حزيران/يونيو الماضي، بعبوة ناسفة موضوعة داخل إحدى قنوات تصريف مياه الأمطار على طريق الكحيل-السهوة شرق درعا، والتي نتج عنها مقتل تسعة مقاتلين وإصابة 25 آخرين.

وقد وجهت أصابع المسؤولية عن التفجير لإيران والتيار التابع لها، باعتباره رداً من هذا التيار على دعوات التجنيد التي أطلقها العودة. مع ذلك، تناقلت وسائل إعلام محلية مطلع الشهر الحالي، تسجيلاً مصوراً يظهر تدريبات عسكرية لمئات الشبان في ساحة قلعة بصرى الشام التي تحولت إلى معسكر تدريبي للعناصر المنتسبين حديثاً للواء الثامن.

لكن المنتسبين الجدد لصفوف اللواء الثامن لم يحصلوا على عقود انضمام رسمية أو بطاقات أمنية ورواتب من الفيلق الخامس، بحسب ما قال مصدر إعلامي من اللواء لـ"سوريا على طول"، شريطة عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية. مؤكداً أنها "التحاقات طوعية، لأجل تقديم طلب توسعة اللواء الثامن إلى قيادة الفيلق الخامس".

تأكيداً على ذلك، قال المعارض السوري خالد المحاميد، زوج أخت العودة، في لقاء تلفزيوني على قناة "الحدث" السعودية التي تبث من دبي، إن الفيلق الخامس يمتلك شعبية كبيرة، وأن عدد المنتسبين له بلغ 20 ألف مقاتل من أبناء المنطقة على الرغم من عدم تخصيص رواتب لهم.  مضيفاً أن اللواء يزداد تعداده بشكل كبير على حساب الفرقة الرابعة والمليشيات الأخرى المدعومة من إيران والتي تسعى إلى تجنيد أبناء المنطقة في صفوفها.

حماية محلية

شكل تشييع مقاتلي الفيلق الخامس في بصرى الشام الشهر الماضي منبراً لطرح أفكار وحلول تتعلق بمصير المنطقة، إضافة إلى رسائل عامة وطلبات قدمت على مسامع مئات المشيعين من عموم أبناء المنطقة.

وقد تنوعت الأفكار الرئيسة الثلاثة التي طرحت بين: خطاب عسكري تبناه القيادي العودة، عبر الحديث عن الجيش الموحد لحوران، وخطاب عشائري صدر تحت عنوان "بيان وجهاء حوران حول الأحداث الأخيرة"، تضمن مطالبة "الحكومة والضامن الروسي ومن ورائه المجتمع الدولي الوفاء بتعهداتهم التي لم نر تطبيقاً لها على أرض الواقع، وفي مقدمتها اعتماد وتكليف أبناء الجنوب مهمة الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة". 

وكان قيادي عسكري من الفيلق الخامس، اعتبر في تصريح سابق لـ"سوريا على طول"، أن "أفضل خيار لوقف الفلتان الأمني والاغتيالات [في جنوب سوريا]، هو قيام أبناء المنطقة بتسلم الحواجز ونقاط التفتيش [على نحو ما هو حاصل في] بصرى الشام، لأجل ضبط الأمن وحماية هذه المناطق".

أما الخطاب الثالث فجاء دينياً عبر عنه الشيخ فيصل أبازيد، عضو اللجنة المركزية في درعا، وعضو لجنة التفاوض في درعا البلد، بقوله: "نريد دولة يا إخوة وليس مزرعة لآل الأسد وحزب البعث. الدولة لهم والجيش لهم والأمن لهم ومجلس الشعب والمختار لهم. نريد دولة يا إخوة يُحترم فيها القانون، يحصل فيها الإنسان على حقه كاملاً من دون منة من أحد". مضيفاً: "ينبغي أن يكون ما جرى من [قبل] يومين من استشهاد ثلة من أبناء حوران نقطة انطلاق حتى تجتمع حوران على كلمة واحدة فيها الخير لأهل حوران وأهل سوريا كلها حتى يكتب الله الخلاص من الطاغية وحكمه الذي جثم على صدور الناس ما يزيد عن 50 عاماً من حكم الأب وحكم الابن، ونخشى أن نصل إلى حكم ابن الابن".

لكن في مقابل تلك الطموحات السياسية والعسكرية، تستمر عمليات الاغتيال والتصفية التي تستهدف أساساً قادة فصائل التسوية والمفاوضين والشخصيات الفاعلة في المجتمع، ضمن هدف تمكين النظام والمليشيات المنبثقة عنه أو المتحالفة معه من استعادة كامل سيطرتها على جنوب سوريا، والعودة إلى مرحلة ما قبل انطلاق الثورة في آذار/مارس 2011.