عمان- بشكل غير مسبوق، بدا الصراع على أشده هذا العام بين الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وحكومة دمشق على محصول القمح في مناطق الأولى. إذ على الرغم من كونه صراعاً سنوياً في كل موسم حصاد للسلعة الاستراتيجية، شهد العام الحالي حرب أسعار حقيقية بين الفريقين، عبر رفع كل منهما المتكرر لأسعار شراء القمح.

إذ بشكل مفاجئ، أعلن رئيس المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية، عبده مهباش، في مؤتمر صحافي بمدينة الرقة، في 7 حزيران/يونيو الحالي، رفع سعر شراء الإدارة محصول القمح للمرة الثالثة على التوالي هذا العام، من دون تحديد السعر الجديد، بدعوى أنه "إذا أصدرنا هذه التسعيرة الآن سوف لن تكون في صالح الفلاح"، كما قال، "لأنه عندما يتم تسديد الفواتير بالنسبة للموردين قد يكون هناك فارق زمني من اليوم إلى ذلك التاريخ يتجاوز عشرة [أو] خمسة عشر يوماً. وخلال هذا الفارق الزمني سوف يتغير سعر الصرف أمام الليرة السورية".

لكن رئيس هيئة الزراعة والاقتصاد في الإدارة الذاتية، سلمان بارودو، قدر أن يكون "السعر الجديد بما يعادل ١٧ سنتاً أميركياً لكل كيلوغرام"، على أن "تصرف بما يعادلها بالليرة السورية"، كما ذكر لـ"سوريا على طول".

وكانت الإدارة الذاتية حددت في 14 نيسان/أبريل الماضي، سعر شراء القمح لهذا العام بـ225 ليرة سورية للكيلو. وهو السعر ذاته الذي اعتمدته حكومة دمشق، قبل أن يحتج مزارعو شمال وشرق سوريا على القيمة مع الانهيار المتسارع لليرة أمام الدولار الأميركي، ما دفع الإدارة إلى رفع السعر، في 30 أيار/مايو الماضي، إلى 315 ليرة. 

إلا أنه بعد يوم واحد فقط من ذلك، أعلنت دمشق رفع سعر شراء القمح من 225 إلى 400 ليرة للكيلو الواحد. 

قدرات دمشق المحدودة 

استدعى رفع حكومة دمشق أسعار شراء القمح اتهام بارودو لحكومة دمشق بـ"السعي إلى إثارة البلبلة والتشويش فقط"، كون "النظام لا يمتلك في مناطق شمال وشرق سوريا سوى مركزين [لشراء القمح] في القامشلي ... لا يستوعبان حجم إنتاج مدينة الحسكة وحدها". مضيفاً أنه "لا وجود لأي نية لدى الإدارة الذاتية لبيع النظام مادة القمح".

وبحسب المزارع الستيني خلف حسن من مدينة القامشلي، فإنه رغم كون "سعر النظام أفضل من سعر الإدارة الذاتية [المعلن]، فإن هناك عوائق أمام بيع المزارعين محاصيلهم للنظام". من ذلك، كما قال لـ"سوريا على طول"، "قلة مراكز الاستلام، ووجودها خارج القامشلي"، إضافة إلى "الانتظار لفترات طويلة، فيما نضطر إلى دفع إيجار توقف الشاحنة عن العمل لعدة أيام".

نتيجة لهذه العوائق، قرر مروان موسى، المزارع من مدينة المالكية (ديريك) أقصى شرق سوريا، بيع محصول "80 دونماً قريبة من مراكز القامشلي للدولة، بينما سأبيع محصول 900 دونم للإدارة الذاتية"، مع تأكيده لـ"سوريا على طول" أن "بيع المحصول للدولة مكلف. إذ كانت المصاريف العام الماضي لا تطاق". 

لكن مع توجه موسى إلى أحد المراكز الحكومية لبيع جزء من محصوله، قامت "دوريات الآسايش [قوى الأمن الداخلي] بإيقاف كل الشاحنات"، كما ذكر، ولتضطر للعودة بعد ساعات من الانتظار" مع شاحنات أخرى.

وفي سياق سعيها إبقاء محصول القمح داخل مناطقها، أصدرت الإدارة الذاتية أيضاً، في 5 حزيران/يونيو الحالي، قراراً تطالب فيه المزارعين بـ"توريد محصول مادة القمح للموسم الزراعي الحالي ... إلى مراكز الحبوب التابعة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وضمن الحدود الجغرافية لكل إدارة على حِدى [حدة] (حصراً)". وبالتالي منعت الإدارة "نقل مادة القمح من قبل أي شخص كان بين كافة الإدارات الذاتية والمدنية التابعة للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا". ومن ثم، "لم تترك أي مجال للمزارعين لبيع المحصول لغيرها، مهما كانت التسعيرة الأخرى" بحسب موسى. 

ورغم أن هناك تجاراً موالين لدمشق "يقومون بشراء المحصول بقيمة 350 ليرة للكيلو من الأرض"، فإن "هذا الخيار أيضاً لا يعتبر آمناً، كون عمليات النصب من التجار كثيرة جداً"، كما قال حسن.

شبح الحرائق

موسم الحصاد وجني المحاصيل بالنسبة للسكان المحليين هو "وقت تسديد الديون، وعرس مؤجل لأحد الأبناء، أو تنفيذ مشروع تجاري صغير، أو استكمال بناء منزل أو ترميمه"، كما يلخص موسى أهمية هذه الفترة من كل عام.

وبحسب بارودو، في تصريح سابق لـ"سوريا على طول"، يشكل العاملون في الزراعة أكثر من 70% من سكان المنطقة. لكن القطاع تضرر على مدار السنوات الماضية من عدة كوارث طبيعية، تضاف إلى الحرب في سوريا، من قبيل الجفاف، وظهور فيروسات زراعية، كما الفيضانات، وصولاً إلى حرائق العام الماضي، التي التهمت أكثر من 40 ألف هكتار.

ومع بدء موسم الحصاد هذا العام، في مطلع أيار/مايو، عاد شبح تلك الحرائق، مع إتيان النيران على "أكثر من 120 ألف دونم على امتداد خريطة شمال وشرق سوريا"، بحسب بارودو. وذلك على الرغم من الاحتياطات الاحترازية التي اتخذتها الإدارة الذاتية، مثل "زيادة عدد سيارات الإطفاء، وتركيب مضخات على صهاريج المياه لدى البلديات، وإلزام أصحاب الحصادات بأن تكون فيها إطفائية لا تقل عن وزن ١٢ كيلوغراماً، وصهريج مياه وجرار زراعي مع آلة حراثة"، إضافة إلى "تشكيل لجان طوارئ من هيئة الداخلية و"قسد" [قوات سوريا الديمقراطية] في حراسات الأراضي". 

ولا تتوقف تداعيات الحرائق على الخسارة المباشرة للمحاصيل، بل هي تؤثر على مستقبل الزراعة في المنطقة بشكل عام، وزراعة مادتي القمح والشعير بشكل خاص. إذ نتيجة الحرائق التي كبدت المزارعين خسائر فادحة العام الماضي، وعجز الإدارة الذاتية عن احتوائها، قرر "العديد من المزارعين هذا العام زراعة العدس والحمص والكزبرة والكمون، لكون السيطرة على الحرائق في حقولها أسهل بكثير"، كما قال موسى. كما لفت بارودو، في السياق ذاته، إلى أن "للحرائق تأثيراً سلبياً على التربة، لأنها تدمر البروتينات والأملاح المعدنية فيها"، ما ينذر بخطر على مستقبل الزراعة في المنطقة ويهدد أمنها الغذائي. 

لكن يظل ليس من خيار لسكان شمال شرق سوريا "سوى الزراعة"، وفقاً لحسن، مع السعي إلى "تقليل التكاليف من خلال وضع سماد أقل، ومثل ذلك بشأن رش المبيدات الحشرية. مقراً في الوقت ذاته أن هذا سيؤثر على الإنتاج بشكل مباشر".

ووفقاً لبارودو فقد تمت زراعة أكثر من 70% من الأراضي الزراعية في شمال وشرق سوريا بالقمح"، متوقعاً أن يصل إنتاج هذا العام إلى أكثر من 850 ألف طن، مقارنة بحوالي 800 ألف طن العام الماضي.