عمان - فوق القصف المتواصل من قبل القوات الحكومية والطيران الروسي، والذي أدى مؤخراً إلى تهجير أغلب سكان مدينة معرة النعمان، يرزح سكان شمال غرب سوريا، آخر معاقل المعارضة، تحت تبعات السياسة الاقتصادية لحكومة دمشق، والتي أفضت إلى انهيار سعر صرف السورية خلال الفترة القصيرة الماضية إلى مستويات غير مسبوقة. 

إذ بالتوازي مع هبوط سعر صرف الليرة السورية، والذي بلغ ما بين 800 و915 ليرة للدولار خلال الأسبوع الماضي، مع اختلاف طفيف بين منطقة وأخرى، تشهد السلع الأساسية، لاسيما الغذائية منها، ارتفاعاً حاداً في الأسعار. وهو ما دفع مجالس محلية في ريف حلب الشمالي إلى إصدار مجموعة من القرارات تتعلق بتداول الليرة السورية وبيع وشراء الذهب. كما أعلن رئيس الحكومة السورية المؤقتة، عبد الرحمن مصطفى، عزم حكومته ضخ فئات نقدية تركية صغيرة في المناطق التي تديرها شمال سوريا خلال الفترة المقبلة.

البداية من فئة 2000 ليرة

بداية الشهر الحالي، أصدرت مجالس محلية تابعة للمعارضة شمال حلب، تعميماً تمنع بموجبه تداول الورقة النقدية فئة 2000 ليرة سورية خلال شهر من تاريخه. سبق ذلك قرار مشترك عن المجلس المحلي في مدينة اعزاز ونقابة الصاغة، يقضي بتسعير الذهب بالليرة التركية نظراً لعدم استقرار أسعار العملة السورية.

وأرجع المجلس المحلي لمدينة اعزاز شمال حلب، قرار منع فئة الـ2000 ليرة إلى "الحفاظ على المصلحة العامة" نتيجة عدم استقرار سعر صرف الليرة السورية، عدا عن أن "النظام المجرم" على حد وصف بيان المجلس ضخ فئة الـ2000 ليرة من "دون وجود رصيد لها، بهدف استنزاف مخزون المنطقة [شمال غرب البلاد ] من الدولار والليرة التركية".

وهو ما أكد عليه وزير المالية والاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة، د. عبد الحكيم المصري. محذراً من أن هذه الفئة هي الأخطر بين فئات النقد السوري، كونها "من دون رصيد ولا تساوي قيمة الورق المصنوعة منه". موضحاً في حديثه إلى "سوريا على طول"، أن مناطق المعارضة في ريف حلب الشمالي، فقدت الأوراق النقدية من فئة 50 و100 ليرة، فيما انتشرت فئة الـ2000 ليرة "بشكل كبير وغريب، وبما خلق تخوفاً لدى الناس، ودفعنا إلى التفكير في قرار ضخ فئات نقدية تركية صغيرة [في شمال سوريا]".

وكان مصرف سوريا المركزي طرح الورقة النقدية فئة 2000 ليرة لأول مرة، في تموز/يوليو 2017، بعد انهيارات حادة شهدتها العملة السورية آنذاك، رغم مرور سنوات على طباعتها مع أوراق نقدية أخرى، بحسب حاكم مصرف سورية المركزي، دريد درغام، معللاً عدم طرح العملات الجديدة وقت طباعتها بـ"ظروف الحرب وتقلبات سعر الصرف خلالها"، والحاجة إلى "التأكد من أن الظروف أصبحت ملائمة لذلك".

خليط عملات

مع حتمية استخدام الليرة السورية في عمليات التبادل التجاري بين مناطق المعارضة ومناطق سيطرة القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها، فإنه "سيتم الإبقاء على الأوراق النقدية من فئة 500 ليرة وما دون"، وبما يعني، بحسب الوزير المصري، توفير خليط من العملات في مناطق المعارضة، يضم الليرة التركية والدولار إلى جانب الليرة السورية. وهو ما من شأنه "تحسين أو المساهمة في استقرار معيشة المواطنين الفقراء، ووقف الانعكاسات السلبية لانهيار الليرة أو ما يحصل من أزمات لدى النظام على المواطنين، والمناطق التي تسيطر عليها الحكومة المؤقتة".

لكن رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا، د. أسامة القاضي، يرجح أن يكون تشجيع الحكومة المؤقتة استخدام العملة التركية إلى جانب السورية، بدلاً من استبدال الأخيرة بشكل تام، عائداً إلى أن "شروط الاستبدال الكامل غير متوفرة، ولا يمكن أن تتم إلا ضمن توافق دولي، غير متوفر".

وحتى استخدام العملتين السورية والتركية في الوقت ذاته يبدو ممكناً وفق الظروف الحالية، شريطة "تسعير كل السلع والخدمات بالعملتين"، بحسب القاضي. وكذلك "ضخ ما لا يقل عن مليار ليرة تركية شهرياً في مناطق درع الفرات [شمال حلب]، ونبع السلام [شمال الرقة]، وفتح بنوك تركية وإعادة إعمار وخلق فرص عمل في تلك المناطق عن طريق الحكومة المؤقتة كنوع من التمكين". يضاف إلى ذلك "ضرورة وجود تدخل حقيقي للمصرف المركزي التركي".

ورغم تقاضي "عناصر الجيش الحر والشرطة المدنية والعسكرية وموظفي الحكومة المؤقتة والعاملين في الصحة والقضاء [التابعين لهذه الحكومة] رواتبهم بالليرة التركية، فإنه لا توجد موافقات رسمية من الحكومة التركية بضخ العملة التركية في منطقة [ريف حلب الشمالي]"، بحسب المصري.

من ناحية أخرى، فإن قرارات الحكومة السورية المؤقتة والمجالس المحلية التابعة بشأن الاستبدال (الجزئي) للعملة السورية، تهدف إلى التصدي لسياسة دمشق الرامية إلى الحصول على العملة الصعبة من مناطق المعارضة بريف حلب الشمالي. لكن عمليات تهريب العملة إلى مناطق الحكومة السورية عبر المعابر الرسمية بينها وبين المعارضة وعبر تجار يعملون لصالح دمشق تحول دون تحقيق الهدف. ذلك أن "وقف تهريب [العملة الصعبة] يعتمد على مسؤولي المعابر"، كما قال المصري.

الفقراء يظلون الضحية

رغم ما تسوقه الحكومة المؤقتة من مبررات تلتقي في "حماية المصلحة العامة"، من خلال "وقف الانعكاسات السلبية لانهيار الليرة على معيشة المواطنين شمال غرب سوريا، خصوصاً الفقراء منهم، اعتبر عضو في أحد المجالس المحلية بريف حلب الشمالي، أن قرار استبدال الليرة السورية "خاطئ". معللاً ذلك بأن "الحدود التركية ليست مفتوحة بشكل تام أمامنا، [بالإضافة] إلى ندرة فرص العمل في المنطقة والتي من الممكن أن يحصل المواطنون على أجور كريمة من خلالها".

عدا عن ذلك، اتهم العضو في حديث إلى "سوريا على طول" شريطة عدم الكشف عن اسمه،  المجالس المحلية بـ"سوء الإدارة والتخطيط، والفساد، والازدواجية في التعامل". إذ بحسب قوله "يتقاضى جميع موظفي المجالس المحلية رواتبهم بالليرة التركية، فيما عمال النظافة في المجالس ذاتها يتقاضون رواتبهم بالليرة السورية".

مضيفاً أنه "فيما تعتزم المجالس المحلية منع تداول فئة الـ2000 ليرة، فإن بعض عمال النظافة تقاضى راتبه بالفئة ذاتها. لذا فالتغيير يجب أن يبدأ من المجلس ذاته".

كذلك، فإن ضيق المهلة التي حددتها المجالس المحلية لاستبدال الورقة النقدية من فئة 2000 ليرة، وهي شهر واحد، فتح المجال أمام بعض التجار والمتنفذين لشرائها لقاء قيمة أقل "مستغلين حاجة الناس إلى التخلص منها بعد التعميم. إذ يتم بيع القطعة النقدية فئة الـ2000 بمبلغ يترواح بين 1000 و1700 ليرة"، على حد قوله.

وبالنتيجة، يكون "الخاسر الوحيد هم الفقراء والمساكين، في ظل عدم وجود محاسبة وقانون يسري على الجميع".