أجرى المقابلة: عمار حمو

يحظى لبنان بخصوصية تميزه في علاقته بسوريا عن غيره من دول الجوار. فعدا عن حتمية الجغرافيا، خضع لبنان لعقود من هيمنة نظام الحكم في سوريا في عهد الأسد الاب والابن، على الصعد كافة، لاسيما السياسية والعسكرية والأمنية. لذلك، وجد لبنانيون كثراً في الثورة السورية فرصة خلاصهم من نظام تعددت انتهاكاته بحقهم، معبرين عن ذلك بتعاطف عام واضح مع الثورة كما اللاجئين السوريين إلى لبنان.

إلا أن تورط حزب الله اللبناني في قمع الاحتجاجات الشعبية السورية، كما التحولات الإقليمية والدولية العميقة منذ العام 2011، ساهم في تعقيد العلاقة بين البلدين، بل وتحولها، على الصعيدين الرسمي والشعبي، بحيث لا يكاد يوجد "نصير واحد داخل الحكومة اللبنانية" للاجئين السوريين، كما يقول نبيل الحلبي، مدير المؤسسة اللبنانية للديمقراطية حقوق الإنسان (لايف). كما تم تحويلهم، عبر خطاب كراهية متصاعد رسمياً وإعلامياً، إلى مشجب تعلق عليه كل مشاكل لبنان، بما فيها تلك التي تعود لعقود مضت.

في المقابلة التالية، يشرح الحلبي مسيرة التحول اللبناني على المستويين الرسمي والشعبي.

 

لم تكن لبنان بمنأى عن الثورة السورية، إذ تأثرت وأسهمت فيها بطريقة أو بأخرى، فما الذي ميّزها عن باقي دول الجوار؟

لبنان هو الأكثر تأثيراً على الملف السوري، والعكس صحيح، [إذ إن] سوريا كان لها تأثير كبير وعميق على الملف اللبناني، ويعود ذلك لأسباب تاريخية وجغرافية مشتركة وعلاقات ثنائية سياسية واجتماعية عبر التاريخ.

مع بداية الربيع العربي كانت تطلعات اللبنانيين بمعظمهم أن تنتقل عدواه إلى سوريا، رغم وجود من كان يشكك بإمكانية اندلاع ثورة شعبية في بلد مثل سوريا، يختلف بتركيبته وإجرامه عن الأنظمة الاستبدادية الأخرى، وما إن اندلعت شرارة الثورة حتى لاقت تأييداً شعبياً لبنانياً، لا سيما في أوساط ضحايا النظام السوري من اللبنانيين [خلال فترة وجوده فيها]، حيث انتهك حرمات لبنان من اغتيالات، وتصفيات جسدية، وسلب ثروات وموارد البلاد، [عدا عن] مئات المختفين قسرياً في سجونه.

ما هي أبرز نقاط التحول في الموقف اللبناني تجاه السوريين، ولماذا تحوّل من التعاطف إلى الرفض؟

في الحقيقة كما أن لدى السوريين فئة يُطلق عليها اسم "الرماديين"، عندنا في لبنان ذات الفئة، ولكنها موجودة في مؤسسات الدولة، هؤلاء كانوا يعتقدون أن مآلات الثورة السورية ستكون مشابهة لتونس ومصر، لذا لا بد من التخلي عن النظام السوري حتى لا يدفع لبنان ثمناً لموقفه من النظام الجديد، ولكنهم بدّلوا موقفهم مبكراً، [إذ اغتيل] اللواء وسام الحسن [في تشرين الأول/ أكتوبر 2012، وكان يشغل رئيس شعبة المعلومات التابع للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي اللبناني، على خلفية كشفه لتلقي وزير لبناني سابق أموالاً من الحكومة السورية لزعزعة الأمن، بحسب ما ذكرت وسائل إعلام لبنانية].

كما أن تدخل حزب الله في سوريا، وسيطرته إلى جانب النظام على مدينة القصير في حمص [في تموز 2013]، وكذلك تهجير غالبية الشعب السوري، ساهمت في تغيّر الوضع أكثر وأكثر، أدى إلى تحول أكثر وضوحاً، وانقلب بعض مناصري الثورة السورية في البداية عليها، إلى التحالف مع النظام السوري وحزب الله.

وفي تلك الفترة ظهرت أحداث جبل محسن وباب التبانة [في طرابلس]، حيث تطورت إلى أعمال عنف، تطورت إلى تفجير مسجدين لأهل السنة في طرابلس، هما مسجد التقوى والسلام، وتم تهريب منفذي التفجير من جبل محسن [سكانه من الطائفة العلوية] إلى سوريا، فيما تم الانتقام من أهالي درب التبانة وزجهم في السجون. [حادثة المسجدين وقعت في آب/أغسطس 2013، وأورد المجلس العدلي اسم "محمد علي علي"، من بين المتورطين بالتفجير، وهو نقيب في المخابرات السورية].

وفي العامين الماضيين أصبح الوضع مختلفاً كلياً، حيث دخلنا في "التسويات السياسية" وغيّرت جماعة 14 آذار، التي يتسم معظم أعضائها بالانتهازية السياسية، من موقفها، [إذ ترى بأن] الثورة انتهت، ويجب التفكير بواقعية مع الملف السوري، وبعد أن دخلنا في تسوية سياسية كبرى، نجم عنها حكومة جديدة انتخبت ميشيل عون رئيساً للجمهورية، وهو مؤيد للنظام السوري وحزب الله، اختلف ملف اللجوء السوري كلياً. [إذ] بدأ التنكيل باللاجئين السوريين وبمن يناصرهم، وساهم في ذلك تغيّر المجتمع الدولي حيال ملف اللاجئين.

بحسب متابعتنا لنشاطكم على الصعيد الشخصي، وعلى صعيد مؤسستكم (لايف) كان صوتكم عالياً في مناصرة اللاجئين في لبنان، ولكن هذا لم يعد موجوداً خلال الفترة الأخيرة، ما السبب؟

نعم، كان لي دور بارز لمناصرة ثورات الربيع العربي كلها، على الصعيد الشخصي، ومن خلال منظمتي التي تعنى بالتنمية الديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، ساهمنا عبرها في الحشد والمناصرة للقضية السورية، وقدمنا ورشات عمل لناشطين سوريين سلميين، ولكن لم نسلم من التهديدات والمضايقات.

في عام 2011 تعرضت لتهديدات وملاحقة من مسلحين، تعرضوا لمكتبي أكثر من مرة، فغادرت البلاد، وعدت في حزيران 2012، وواصلت عملي رغم أن المضايقات لم تتوقف، بل تصاعدت بعد استتباب الأمر لحزب الله والنظام السوري في البلدين [لبنان وسوريا].

وفي أحداث عرسال 2013، كنت حاضراً في حادثة لمنع وقوع فتنة بين سوريين ولبنانيين، على خلفية إدخال حزب الله لمجموعات إرهابية إلى عرسال لتحويلها إلى كبش فداء، أصبت بإطلاق نار، ونجوت من الموت بأعجوبة.

فيما عدم ظهوري الإعلامي لمناصرة السوريين، سببه أن الأجهزة الأمنية منعت وسائل الإعلام اللبنانية مع استضافتي في أي برنامج سياسي يتعلق باللاجئين السوريين، وهذا الحظر سارٍ حتى الساعة، فضلاً عن تشويه سمعة مؤسسة (لايف)، بأننا مؤسسة إغاثية تستفيد من الملف السوري، ما أدى إلى ملاحقتنا قضاياً، ورغم عدم وجود أدلة وإطلاق سراحي في نفس يوم الاستدعاء، إلا أنني كنت أتعرض لإهانات داخل مؤسسة القضاء، كتقييدي بالأصفاد.

من جهتها الأجهزة الرسمية تعلل منع ظهوري على الإعلام، بأني أطالب بعدم عودة اللاجئين السوريين إلى سوريا، وأرفض تشجعهم والضغط عليهم للعودة، وهذا يعارض سياسات الحكومة اللبنانية الحالية والنظام العام في لبنان!.

من خلال حديثنا مع عدة مصادر – بما فيها حضرتكم – كيف أثرت الحكومة الأخيرة بعد التسوية السياسية على الملف السوري؟

بعد التسوية السياسية نشأت عصابة سياسية واقتصادية تستأثر بالسلطات كافة في لبنان، سابقاً كانت تبسط نفوذها على السلطة التشريعية عبر مجلس النواب، ولكنها حالياً وصلت في نفوذها إلى الحكومة. [إذ] صارت جميع السلطات بيد عصابة التسوية السياسية التي تتحالف مع حزب الله.. بل تخضع له، [كما] رسمت الحكومة الجديدة سياسات تلصق مشاكل جميع اللبنانيين الداخلية المزمنة، لا سيما الأزمة المالية الناجمة عن الفساد السياسي باللاجئ السوري. كأنها تقول "أيها اللبنانيون: السوريون هم وراء مشكلاتكم الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية".

الخطير في الأمر، أنه لا يعلو في لبنان اليوم إلا صوت واحد، سواء في الحكومة اللبنانية أو سلطاتها، وهذا الصوت يشجع اللاجئين على العودة، ويضغط عليهم [من أجل ذلك]، بل ويمنع عنهم شرايين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ويحوّل حياتهم إلى جحيم، في سبيل عودهم إلى حضن بشار الأسد بذريعة أن مناطقهم آمنة، فيما يتجاهلون أنها ليست آمنة، لا سيما المعارضين للنظام.

وتصور السلطة في لبنان إلى الرأي العام بأن موجات العودة الحالية من لبنان إلى سوريا هي عودة طوعية وإرادية [اقرأ: مع تصاعد الخطاب المعادي للاجئين، يتجه لبنان "ببطء" للحديث عن عودة السوريين قسراً].

بحسب قولك "لا يعلو في لبنان اليوم إلا صوت واحد" وهو ينادي بعودة اللاجئين، هل الحكومات السابقة كانت صوت واحد ولكن مع اللاجئين؟

في الحكومات اللبنانية السابقة كان ملف اللاجئين، بما فيه عودتهم، مختلف عليه، مثلاً كان رئيس الحكومة سعد الحريري ضد عودة اللاجئين، وكذلك وزير شؤون النازحين معين المرعبي، تقريباً كل تيار المستقبل كان يعارض، ولكن اليوم لا أحد يعارض.

لذلك كنا سابقاً نلعب على التناقضات السياسية بين أعضاء الحكومة، [إذ] كنا نلجأ لوزراء ونواب يعارضون عودة السوريين لنقطع [من خلالهم] الطريق أمام أي قرار يلزم اللاجئ السوري بالعودة أو يدفعه إلى ذلك، ولكن اليوم لا نجد نصيراً داخل الحكومة اللبنانية.