عمّان - "لقد نجوت!". هكذا عبّرت هناء، من مدينة حلب شمال سوريا، عن تعافيها من فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) بعيداً عن المستشفيات الحكومية المخصصة للمصابين بالفيروس في المدينة، والتي "تفتقد أدنى درجات النظافة والتعقيم"، كما قالت.

في منتصف آب/أغسطس الماضي، شعرت هناء بحمى مترافقة مع إرهاق شديد وسعال جاف. وبعد أربعة أيام على ظهور الأعراض، مع عدم فعالية خافضات الحرارة، ساورها شك بأنها حاملة لفيروس كوفيد-19، راجعت مستشفى حلب الجامعي، أحد المراكز الطبية الحكومية المخصصة لاستقبال مصابي كورونا.

لكن السيدة ذات الستة والأربعين عاماً صدمت بالواقع الطبي في المستشفى، كما قالت لـ"سوريا على طول"، واصفة الوضع بـ"المؤسف، من حيث عدم التنظيم، وانتظار عشرات المراجعين من دون وجود تدابير احترازية من قبيل التباعد بين المرضى أو تأمين قفازات". يضاف إلى ذلك أن "غرف العزل غير مهيأة لاستقبال المرضى"، بحيث "إن لم أمت بالفيروس، قد أصاب بالعدوى بمرض آخر"، على حدّ تعبيرها.

بعد ساعتين على انتظارها، عاينها الطبيب المناوب، وأجريت لها صورة أشعة للرئتين، وهو الإجراء الذي "يلجأ إليه أغلب أطباء حلب لتحديد المصابين بالفيروس" كما قالت، في حال عدم توفر فحص "بي. سي. آر" المعتمد من منظمة الصحة العالمية للكشف عن "كوفيد-19". 

وبحسب طبيب الوبائيات والصحة العامة د. نائل حريري، المقيم في فرنسا، "تظهر صور الأشعة وجود تبقعات في الرئة. هذه التبقعات كونها ثنائية الجهة، فإنها توجه الطبيب إلى ترجيح إصابة المريض بالفيروس". مستدركاً في حديثه إلى "سوريا على طول" بأنه "إذا كانت صورة الرئتين طبيعية، فإن هذا لا ينفي أن المريض غير حامل للفيروس".

الواقع الذي اصطدمت به السيدة الحلبية في المستشفى الحكومي، وعجزها دفع تكاليف علاجها على نفقتها في أحد المستشفيات الخاصة المخصصة لذلك، إذ "تقدّر تكلفة الليلة الواحدة بنحو 140 دولار أميركي"، كما قالت، دفعها إلى "عزل نفسي في غرفة داخل منزلي، مع تناول فيتامينات ومضاد حيوي وصفها لي طبيب استشرته هاتفياً".

عجز في القطاع الطبي

كما هناء، فإنه بعد ظهور أعراض الإصابة بفيروس كورونا عليه، توجه توجه غالب، 42 عاماً، والموظف في إحدى الدوائر الحكومية بمدينة حلب، إلى مستشفى الرازي الحكومي باعتباره أيضاً أحد المشافي المخصصة لاستقبال المصابين بالمرض.

بعد انتظار ثلاث ساعات في المستشفى، تم تحويله إلى مستشفى زاهي أزرق الحكومي لأخذ مسحة له، كما روى لـ"سوريا على طول"، مستقلاً وسيلة نقل عام. وقد طلب منه مراجعة المستشفى في اليوم التالي للحصول على النتيجة.

في اليوم التالي كانت نتيجة اختبار "بي. سي. آر" إيجابية، وعليه تقرر "حجري مع مريضين آخرين في مشفى ابن خلدون الحكومي المخصص لحجر المصابين"، حيث عاش تجربة "هي الأسوأ" على حد وصفه.

أمضى غالب مدة أسبوعين في الحجر، هي أشبه بـ"الجحيم"، كما أضاف، فـ"الموت يحيط بك من كل جانب". ومع تدهور حالته، كان "الأطباء والممرضون عاجزين عن تقديم أي مساعدة"، مضيفاً القول: "لا ألومهم؛ فلا يوجد ما يمكن تقديمه، هناك نقص حاد في التجهيزات والأدوية". والجملة التي كان يسمعها بشكل متكرر خلال مدة حجره: "لا يوجد أعداد كافية من المنافس [أجهزة التنفس الاصطناعي]".

ورغم تأخر الإعلان عن أول إصابة بفيروس كورونا المستجد في سوريا إلى 22 آذار/مارس الماضي، فإن طبيباً في مستشفى حلب الجامعي كشف لـ"سوريا على طول" أن المستشفى "استقبل عشرات الحالات في شباط/ فبراير الماضي، يعانون من ضيق شديد في التنفس"، وأن "أغلب هؤلاء المرضى توفوا، وتم تسجيل سبب الوفاة على أنه نتيجة الإصابة بمرض السل".

في مطلع نيسان/أبريل الماضي، خصصت وزارة الصحة في مدينة حلب أربعة مستشفيات في المدينة لاستقبال حالات كورونا، هي حلب الجامعي، وابن خلدون، وزاهي أزرق، ومشفى التوليد. ليضاف إليهم، في حزيران/ يونيو الماضي، مشفى ابن رشد، ومشفى الرازي الذي تحوّل إلى مستشفى خاص بفيروس كورونا، بعد أن نقلت عياداته وأقسامه المختلفة إلى مستشفيات حكومية أخرى.

كذلك، أعلنت بعض المستشفيات الخاصة استعدادها لاستقبال المرضى المشتبه بإصابتهم بـ"كوفيد-19"، بقدرة استيعابية تبلغ 129 سريراً و41 جهاز تنفس اصطناعي، بحسب المدير التنفيذي لجمعية المشافي الخاصة في حلب، د. عرفان جعلوك.

لكن الظروف الاقتصادية لأهالي محافظة حلب عموماً، والتي كانت العاصمة الصناعية لسوريا إلى ما قبل تحويل نظام الأسد الثورة السورية في آذار/مارس 2011 إلى حرب مفتوحة، يجعل غالبية هؤلاء الأهالي عاجزين عن مراجعة المستشفيات الخاصة. إذ يقدر متوسط دخل الفرد في سوريا بحوالي 50 ألف ليرة شهرياً (17.5 دولار أميركي)، في مقابل 600 ألف ليرة (210 دولارات) لتغطية الاحتياجات الأساسية لأسرة مكونة من خمسة أفراد، وفق آخر تقديرات الاتحاد العام لنقابات العمال في سوريا.

انخفاض إصابات أم انخفاض اهتمام؟ 

على النقيض مما يصارعه العالم ككل في مواجهة عودة تفشي "كوفيد-19"، تبدو أرقام الإصابات المعلن معها من قبل حكومة دمشق منخفضة بشكل عام، بما في ذلك في محافظة حلب، حيث بلغ عدد الإصابات المسجلة رسميا هناك، مساء أمس الأربعاء الماضي، 1,332 إصابة، منها 41 حالة وفاة. وعدا عما يثيره ذلك من تشكيك في أرقام وزارة الصحة السورية، فإنه يدلل غالباً على عدم جدية رسمية في مواجهة الفيروس.

يعزز ذلك وجود إصابات بالفيروس المستجد في مدينة حلب لم يتم الإبلاغ عنها أو ليقم أصحابها بمراجعة المراكز الطبية المعتمدة، كما قال مصدران لـ"سوريا على طول" كانا أصيبا بالمرض وتعافيا منه. فيما وثقت "سوريا على طول" إصابة 25 شخصاً بالفيروس لم يبلغوا عن إصابتهم، بينهم خمسة ما يزالون يحملون الفيروس.

ويبدو حصر الحالات التي لا تراجع مراكز طبية غير ممكناً، لأنه "لم يتم تشكيل فرق تقصٍ وبائي في مدينة حلب"، كما ذكر مصدر طبي لـ"سوريا على طول"، واصفاً ذلك بـ"الرفاهية"، لاسيما وأن المستشفيات الحكومية، كما أضاف، عاجزة عن تقديم الخدمات الطبية لمن يراجعها من المصابين أو المشكوك بإصابتهم.

في هذا السياق، وبدلاً من تعزيز قدرات مستشفيات المدينة والمحافظة عموماً، أعادت مديرية صحة حلب مشفى الرازي للعمل بأقسامه كافة (الإسعاف، والعيادات، والعمليات) بعد أن كان مخصصاً بالكامل لمصابي الفيروس، علماً أنه الوحيد المعتمد لإجراء فحص "بي. سي. آر" من المستشفيات الخمسة مخصصة لاستقبال مصابي كورونا، وبقدرة تصل إلى "250 مسحة يومية فقط"، بحسب مصدر طبي في المستشفى.

وأوضح المصدر لـ"سوريا على طول" بأن "إجراء الفحص للمشتبه بإصابتهم يكون مجاناً حال توفّر المسحات، فيما يدفع المسافر مقابل الفحص بالليرة السورية ما قيمته 100 دولار أميركي".

ومع إطلاق منظمة الصحة العالمية تحذيرات بشأن موجة جديدة من تفشي "كوفيد-19" في سوريا، ما يزال نصف "المهنيين الصحيين خارج البلاد، ولا يعمل سوى 48% من المستشفيات العامة و48% من مراكز الرعاية الصحية الأولية بكامل طاقتها".