عمّان - بينما تقر دمشق موازنة الدولة العامة للسنة المقبلة 2021 بعجز يقدر بنحو 2,484 مليار ليرة سورية، أو ما نسبته 71% كزيادة عن عجز السنة الماضية، وبالتزامن مع ما تشهده البلاد من أزمات حادة على صعيد توفر السلع والخدمات الاساسية، لاسيما الخبز والمحروقات، يتواصل السؤال من قبل المواطنين: أين حلفاء دمشق من أزمات الاقتصاد السوري؟

على حافة الانهيار 

خلال السنوات القليلة الماضية، انهار سعر الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي ليسجل أرقاماً غير مسبوقة في تاريخ البلاد، ونتيجة لذلك، ارتفعت الأسعار بشكل عام، مثقلة كاهل السوريين.

لكن بدلاً من أن يساعد حلفاء الأسد، لاسيما روسيا وإيران، في وقف هذا الانهيار ، كما يفترض نظرياًـ يبدو وكأنهم ساهموا، على أقل تقدير، في إبقاء الاقتصاد ككل يتأرجح على حافة الانهيار، ودفع نظام الأسد، بالتالي، إلى تقديم تنازلات ومنح امتيازات لصالح هؤلاء الحلفاء.

إذ بحسب الباحث الاقتصادي السوري كرم شعار، وصلت روسيا "مؤخراً إلى قناعة مفادها أن دعم النظام السوري اقتصادياً قد لا يكون مثمراً على المدى البعيد". عازياً ذلك في حديثه إلى "سوريا على طول"، بأن "بشار الأسد لا يزال يبدي تعنتاً كبيراً في المفاوضات، فيما يرفض المجتمع الدولي إعادة تسويقه من دون حل سياسي للأزمة السورية".

وفيما استبعد زكي محشي، وهو زميل استشاري أول في معهد تشاتام هاوس بلندن ومؤسس مشارك في المركز السوري لبحوث السياسات، "أن هدف حلفاء النظام كان انهيار الاقتصاد السوري"، بل "الأزمة وسلوكيات النظام هي التي أدت لانهيار اقتصاد الدولة"، فإن حالة الانهيار هذه مكنت أولئك الحلفاء من تحقيق مكاسب اقتصادية لصالحهم". 

لكن لأجل استمرار تحقيق هذه المكاسب، فإنهم يسعون إلى إبقاء دمشق في "حالة اعتمادية كاملة على حلفائها"، بما يمكنهم من "فرض شروط اقتصادية صارمة وشديدة على النظام، من دون أن يكون لديه القدرة على الرفض أو القبول"، كما أضاف محشي لـ"سوريا على طول".

وهو ما اتفق معه شعار. بحيث تبرز ضمن جهود منع انهيار النظام اقتصادياً بشكل كامل، كما أوضح، "سعي موسكو إلى عقد مؤتمر للمانحين بخصوص اللاجئين السوريين، بما يساعد النظام اقتصادياً من دون أن تشارك روسيا في دفع الفاتورة".

وبدأت أمس في دمشق لقاءات مؤتمر كانت دعت إليه موسكو للترويج لعودة اللاجئين السوريين، وتالياً فتح ملف إعادة الإعمار، يستمر ليومين. بمشاركة 27 دولة، مع مقاطعة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأغلبية الدول المضيفة للاجئين السوريين.

حلفاء منهكون

منذ بدء الأسد الحرب في سوريا رداً على التظاهرات المطالبة بالحرية، أنفقت إيران على النظام السوري ما يتجاوز 40 مليار دولار، بحسب شعار، فيما "اقتصر الدعم الروسي بشكل أساسي على الجوانب العسكرية والسياسية"، 

ورغم استطاعة "روسيا مساعدة نظام الأسد اقتصادياً بشكل أكبر بكثير من الوضع الحالي"، كما أضاف شعار، "فإنها تبدو غير راغبة في ذلك".

في الوقت ذاته، فإن "الوضع الاقتصادي المتدهور في إيران يمنعها من الاستمرار في مساعدة النظام"، بحسب شعار. لاسيما مع الصعوبات التي يعيشها الاقتصاد الإيراني ذاته، جراء العقوبات الأميركية المفروضة على طهران على خلفية برنامجها النووي وأنشطتها في العراق واليمن وسوريا ولبنان.

من جانبه، رأى محشي أن "روسيا وإيران غير قادرتين على تنفيذ مشاريع لها علاقة بإعادة إعمار حقيقية في سوريا، لعدم امتلاكهما ملاءة مالية". إضافة إلى أنه في حالة موسكو تحديداً، فإنها "لا تريد المخاطرة، نتيجة عدم وجود استقرار كافٍ في سوريا، لذلك ما تزال مشاريعها على الورق"، كما أضاف. مستشهداً بالاستثمارات "التي حصل عليها الروس في قطاع النفط والغاز، فهم استولوا على الأرض، لكن لم يفعلوا شيئاً، بينما ربما قاموا بعمل القليل في قطاع الفوسفات"، كما قال.

ويمكن تلخيص سياسة الحلفاء، بحسب محشي، بأنها "سياسة الاعتماد الكامل على الاقتصاد الريعي، وليس الاقتصاد المنتج، إذ لم يقوموا بإنشاء مصانع تحمل قيمة مضافة للاقتصاد السوري".

وتركزت الاستثمارات الروسية والإيرانية في القطاعات الريعية، من قبيل الثروات الطبيعية، كما الأراضي والعقارات من خلال السيطرة على الأرض لتشييد عقارات وبيعها بعشرة أضعاف قيمتها لاحقاً.

ونتيجة لهذه السياسة، كما تضخم فاتورة الدعم المباشر أو عبر التغطية السياسية والحماية، صار النظام غير قادر على التفاوض أو حتى الرد، وفقاً لمحشي.

حدود نظام المقايضة

مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، قال نائب رئيس الغرفة التجارية السورية-الإيرانية المشتركة، فهد درويش، لصحيفة "الوطن" الموالية، إن "هناك العديد من المواد الممنوعة التصدير والاستيراد في كل من سورية وإيران"، معتبراً ذلك "من أبرز معوقات وجود نشاط اقتصادي على صعيد القطاع الخاص بين البلدين".

للتغلب على هذه المعوقات، كما الحدّ من خروج العملة الصعبة من البلدين، ومشاكل أخرى متعلقة بتحويل الأموال، اقترحت الغرفة "العمل على اعتماد نظام التجارة بالمقايضة"، بحسب درويش.

وعلى الرغم من أن هذا النظام يعد حلاً جيداً للدول التي تعاني من عجز في الموازنة وارتفاع في المديونية وغيرها من المشكلات الاقتصادية الكبيرة، فإنه لا يبدو مجدياً في حالة سوريا وإيران، كما لفت شعار.

إذ إن "فرص نظام المقايضة التجاري السوري الإيراني في النجاح محدودة للغاية". مضيفاً: "علينا أن نتذكر أنه كان هناك نظام مشابه بين إيران وبعض دول الاتحاد الأوروبي منذ أكثر من عامين (نظام انستكس)، لكنه لا يزال غير مستخدم إلى الآن".

وتكمن المشكلة الأساسية في استخدام هذا النظام في سوريا، وفقاً للشعار، في أن "حجم التبادلات التجارية بين الطرفين صغير جداً إذا ما قورن بتبادلات سوريا مع دول الجوار مثلاً". موضحاً أن "نظام المقايضة يحتاج إلى حجم تبادلات كبير لأجل تسهيل التوافق على التبادلات بين البائع والمشتري".

وأضاف شعار: "لنفرض، مثلاً، أن إيران أرادت استبدال صادراتها النفطية إلى سوريا بمنتجات سورية بدل [الحصول على] الدولارات، فما هي تلك المنتجات السورية؟ لا تصدر سوريا إلى إيران ما يكفي من الأنواع السلعية والكميات لتغطية تكلفة صادرات إيران النفطية إلى سوريا".

على الطرف الآخر أيضاً، فإن "النظام الإيراني غير متنوع لدرجة تسمح للاقتصاد السوري بالاعتماد عليه بشكل كبير، لاسيما في المواد المصنوعة"، بحسب محشي. مضيفاً أنه "في نظام المقايضة، ستقوم إيران بفرض شروط لتشغيل معامل إيرانية أو زيادة ربحية معامل إيرانية، أو أن تجبر السوريين [الحكومة السورية] على شراء بضائع إيرانية بهامش ربح أعلى".

وبذلك فإن نظام المقايضة، وفق محشي، "يخدم حلفاء النظام، ويضر بالاقتصاد السوري والسوريين، لاسيما برفع هامش ربح الحلفاء على حساب السوريين"، ما يعني المزيد من ارتفاع الأسعار، والدخول في حلقة تضخمية.

أعباء للأجيال المقبلة 

عدا عن كون الأنظمة الاقتصادية الجديدة والاستثمارات التي يمنحها النظام السوري لصالح حلفائه تعد مجحفة بحقه، فإن أثرها قد يمتد لعقود طويلة حتى في حال رحيل نظام بشار الأسد.

إذ "بعد فترة، سيرحل النظام"، بحسب محشي، "لكن هذا العبء الذي تسبب به، سيبقى ديناً على المدى الطويل على الدولة السورية، وسيتحملها أي أحد يأتي بعده، وستتحملها الأجيال المقبلة".