بيروت- مع كل غروب شمس، يجازف "ملوك" أسطح مبان في بيروت بكل ما يملكون. فما إن تخفت الأصوات في العاصمة اللبنانية، حتى يطلق "الحميماتية" (أو مربو الحمام) العشرات من طيورهم مستحوذة على سماء المدينة.

وفيما تعد تربية الحمام تقليداً قديماً في منطقة البحر الأبيض المتوسط، فإنها متجذرة بعمق في سوريا التي تعد موطناً لأجمل الطيور. وبالنسبة لكثيرين، فإن تربية الحمام أكثر من مجرد هواية.

بشار يحمل حمامة على سطح مسكنه في الضاحية الجنوبية ببيروت، 30/ 06/ 2020 (سوريا على طول)

أخذ بشار اسماعيل المهنة عن أبيه، الذي تعلمها أيضاً من جد بشار. وكما استذكر في حديثه لـ"سوريا على طول": "كنت صغيراً؛ لم أكن قد بدأت المشي بعد، حين أخذني والدي إلى السطح". وقد بدأ بشار تربية الحمام حين كان في التاسعة من عمره في مسقط رأسه بمحافظة إدلب، شمال غرب سوريا، وكان الوحيد بين أشقائه السبعة المهتم بطيور والده.

بشار، البالغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً ولديه ثلاث بنات يحببن أيضاً "الصعود إلى السطح واللعب مع الحمام"، كما ذكر، يقيم حالياً في مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين في الضاحية الجنوبية ببيروت، والذي توافد إليه العديد من السوريين منذ اندلاع الحرب في العام 2011. لكن بشار كان قد استقر في لبنان منذ عشرين عاماً، وهو لا يعتزم العودة إلى سوريا، كما قال.

طيور حمام في علّية على سطح مسكن بشار في مخيم برج البراجنة ببيروت، 30/ 06/ 2020 (سوريا على طول)

يومياً، يُنهي بشار عمله في أحد المخابز عند الساعة الثانية بعد الظهر. وبعد تناوله الغداء مع عائلته، يصعد إلى سطح مسكنه ليعتني بطيوره البالغ عددها ستين طيراً، تبلغ قيمة أغلاها ثمناً 100 دولار، مقارنة بسعر طير الحمام "العادي" البالغ 25,000 ليرة لبنانية، أو ما يعادل 16 دولاراً بسعر الصرف الرسمي، وثلاثة دولارات وفق السوق الموازية.

وينفق بشار شهرياً 100,000 ليرة تقريباً (نحو 66 دولاراً بسعر الصرف الرسمي، و12 دولاراً في السوق الموازية) للعناية بطيوره. فقد "أصبح طعامها غالياً جداً"، كما قال، مشيراً إلى كيس "يزن 25 كيلوغراماً كانت كلفته 13,000 ليرة، وأصبحت الآن 50,000 ليرة". إذ يرتفع التضخم على نحو هائل في لبنان مع استمرار تدهور قيمة العملة الوطنية. 

ورغم أن سعر بعض الطيور قد يتجاوز 10,000 دولار، فإن بشار وأصدقاءه من مربي الحمام لا ينظرون إلى ما يقومون به باعتباره تجارة. "هذه هواية. نحن لا نكسب المال، بل نخسره"، قال بشار وقد علت وجهه ابتسامة. 

بشار يلوح بقطعة قماش لإرشاد طيوره إلى مسار العودة إلى علّيتهم، 30/ 06/ 2020 (سوريا على طول) 

يجيد بشار الصفير وإصدار أصوات أخرى يستخدمها مربو الحمام عادة، لجعل طيورهم تحلق بعيداً أو تعود إلى مأواها، موضحاً أن الحمام "لديه ذاكرة قوية. فأنت حين تذهب إلى العمل، تعرف كيف تعود إلى منزلك، والطيور تقوم بالشيء ذاته وتعود إلى ديارها". كاشفاً في الوقت ذاته أنه فقد 20 طير حمام في هذه السنة، طاروا بعيداً ولم يعودوا أبداً.

ويطلق بشار، وسواه من مربي الحمام، طيورهم بعد الظهيرة لتحلق في السماء لساعة واحدة، وفي الأثناء، يلوحون بين الفينة والأخرى بقطعة قماش حتى لا تضل الطيور طريق العودة إلى مأواها. أما عندما يحين موعد عودتها، فيحمل بشار حمامة قُص جناحاها بحيث لا تتمكن من الطيران، بحيث يجذب هديل هذه الحمامة ذكور الحمام التي تحوم في السماء. وكما شرح بشار: "إن طارت هذه الحمامة، فإنها قد تحلق بعيداً. ونحن نبقيها كضامن لعودة الذكور".

أيضاً، قد يقذف بعض مربي الحمام بحبات ليمون أو بصل للسماء ليُومِئوا للطيور بالعودة. لكن بشار واثنين من أصدقائه اللذين رافقاه خلال إجراء المقابلة لإعداد هذا التقرير، يتفقون على أن الطريقة القديمة، بإصدار الأصوات أفضل. 

بشار يحمل حمامة وسيجارة، 30/ 06/ 2020 (سوريا على طول)

لكن الصورة الوردية لأسراب الحمام التي تجوب أفق سماء بيروت تستند إلى قواعد صارمة أيضاً. وكما أوضح بشار: "أنا وسالم أصدقاء. إن أتت طيور حمام يملكها إلى سطحي، فسأعيدها إليه". أما إن كانوا "أعداء"، على حد وصفه، فستختلف الأمور. فربما تحصل مساومة "فدية" لإعادة الحمام، بل وقد يتم ذبح هذا الحمام. 

وأشار بشار إلى بناء مقابل لمكان سكنه، حيث يتواجد مربي حمام آخر، قائلاً: "هو عدوي. إن ذهبت طيوري إلى هناك، سيذبحها. ونحن نقوم بالشيء ذاته لطيوره، هكذا تجري الأمور".

كذلك، يخضع إطلاق الطيور في السماء لجدول زمني مضبوط بدقة. إذ يطلق بشار طيوره من الساعة السادسة إلى الساعة السابعة مساء، وفي حال أطلق أحدهم طيوره في الوقت ذاته "تشتعل المنافسة بيننا. فهم إن لم يحترموا مواعيدي نصبح أعداء".

بشار وصديقاه يراقبون طيور حمام تأكل على سطح مبنى، 30/ 06/ 2020 (سوريا على طول)

لكن فضاء مربي الحمام يمتد أبعد من أسطح المباني، حيث يصفرون ويلوحون لبعضهم بعضاً. إذ يلتقون أيضاً في "مقاهي الحمام"، حيث يناقشون صفقات، ويتحدثون عن آخر ما حصلوا عليه من طيور، إضافة القيل والقال. وفي برج البراجنة تحديداً، هناك "مقهى حمام" وعدد من محال بيع هذه الطيور، يدير معظمها مواطنون سوريون.

كذلك، هناك مجموعة "حمام لبنان"، على موقع "فيسبوك"، والتي تضم 5,700عضو، يقومون ببيع وشراء الحمام. وعلى هاتفه المحمول، استعرض سالم، صديق بشار، بزهو المجموعات التسع على تطبيق "واتس آب" المتعلقة بالحمام. 

ولدى مربي الحمام شعور بوجود رابطة تجمعهم، وهم عادة ما يحدقون بالسماء معاً. إذ كما وصف بشار: "نقوم بهذا مع بعض الأصدقاء، لأن القيام بذلك وحيداً باعث على الملل الشديد".

بشار يعرض ريشاً نما حديثاً لأحد طيوره، 30/ 06/ 2020 (سوريا على طول)

في أيام الصيف، تستبدل طيور الحمام، بشكل طبيعي، ريشها. ونظراً إلى درجة الحرارة المرتفعة، فإنها تطير مرة واحدة يومياً مع غروب الشمس. أما في الشتاء، فيتم إطلاقها مرة في الصباح وأخرى قبل الغروب.

والاعتناء بالحمام يجعل بشار "ينسى مشكلاته"، كما قال. لافتاً إلى أن المهارة الأساسية ليصبح المرء مربي طيور هي "الصبر". 

لكن تاريخياً، نُظر إلى مربي الحمام (كشاشي الحمام) باعتبارهم كاذبون وغير جديرين بالثقة. لكن لا يبدو أن بشار يعير ذلك اهتماماً، "فنحن لسنا كذلك. أنهي عملي وأربي الحمام، وأعتني بمنزلي ولا أتورط في المشاكل".

سرب حمام يبدو في الأفق محلقاً في سماء بيروت وقت الغروب، 30/ 06/ 2020 (سوريا على طول)

مع ذلك، بدا سؤال "لماذا ليس هناك إناث في مجال تربية الحمام؟" مثيراً لدهشة بشار وأصدقائه. إذ يمكن للنساء "أن تأتين مع أزواجهن لشرب القهوة" فقط، كما أجاب بشار. "لكن ليس هناك امرأة تتعلم تربية الحمام؛ لا في لبنان ولا في سوريا. هذا عيب".

بينما كان الأصدقاء يتأملون طيور الحمام وهي تحلق راسمة دوائر في سماء بيروت، وموزعة في الوقت نفسه مربيها على الأرض بين "أصدقاء" و"أعداء"، يلاحظ سالم أن جارهم القاطن في الطابق الأرضي من المبنى قد بدأ بزراعة الملوخية وغيرها من خضروات، معلقاً بالقول: "الناس جوعى".

لكن حين تفيض الأرض بالمشكلات، يأخذ البعض نفساً عميقاً، ويمضون مساء يومهم في تأمل السماء.

تم نشر أصل هذا التقرير باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور