مضايا البلدة الجبلية التي كانت يوماً ملاذا ساحراً يقصده الدمشقيون والسياح من مختلف البلاد، اليوم ليست سوى آخر نماذج النظام السوري وحلفائه، عن هدنة أخرى غير محققة، حيث يأكل ساكنيها أوراق الشجر وبعض الحشائش من الأرض ليصمدوا، رغم اتفاقية وقف إطلاق النار المبرمة منذ نحو ثلاثة شهور.

مضايا واحدة من البلدات الثلاث، التي يحكمها الثوار في جبال القلمون في الغوطة الغربية، وتقع علىالسفح الشرقي من السلاسل الشرقية لجبال لبنان وتبعد مسافة تقل عن عشرة كيلومترات عن الحدود السورية اللبنانية. وكانت البلدة مصيفا للسوريين الأثرياء الذين يهربون من حر الصيف في منازلهم إلى برودة ونقاء هواء مضايا، البلدة التي تقطنها غالبية سنية، وكان عدد ساكنيها نحو 10 آلاف قبل إندلاع الحرب.

ويقدر عدد ساكنيها اليوم بـ40 ألفا، بعد أن لجأ إليها ألاف المدنين الفارين من بأس الإقتتال في الزبداني المجاورة، والتي كانت مركز ثقل الثوار في القلمون.

في حزيران الماضي، حاصرت قوات النظام وحلفائه مضايا، كخطوة ملازمة للقتال العنيف الدائر في الزبداني المجاورة، البوابة إلى جبال القلمون التي تتداخل جرودها مع جرود سلسلة لبنان الشرقية.

وشنت قوات النظام والميليشيات الحليفة هجوماً على الزبداني، الواقع إلى شرق الحدود اللبنانية، في تموز الماضي، في سعيها لإعادة  السيطرة عليها من الثوار الذين يسيطرون عليها منذ عام 2012.  وما يزال حزب الله وتمدد إيران يتشبثون بقوة للحفاظ على مداخل لهم إلى سلسلة الجبال هذه، والتي تخفي في سفوحها مئات من ممرات المشاة، وهذه الدروب تستخدم للتهريب من وإلى لبنان، وبعضها ضيق جداً لدرجة أن لا تتسع سوى لخطى حمار واحد.

وبعد أن قاست الزبداني وطأة الهجوم العنيف للنظام وحلفائه في تموز، قرر الثوار في ريف إدلب أن يلعبوا بورقتهم هم ليضغطوا على النظام، فتخف حدة قصفه لبلدة القلمون؛ فما كان من مقاتلي جيش الفتح سوى أن يشنوا قصفاً مماثلاً على الفوعة وكفريا، البلدتين ذواتا الغالبية الشيعية في محافظة إدلب، التي حاصرها الثوار في أذار الماضي.

وبعد كثير من الأخذ والرد، أسفرت المفاوضات في أواخر أيلول عن اتفاق بين جيش الفتح والثوار ولجنة مفاوضات إيرانية ممثلة للنظام، عن: وقف إطلاق النار لمدة ستة شهور، وما تزال قيد التنفيذ إلى الآن، وتشترط إدخال المساعدات إلى الفوعة وكفريا في محافظة إدلب، مقابل أن يقوم النظام بمثل ذلك بما يتعلق بالزبداني التي يسيطر عليها الثوار (بما في ذلك مضايا) في الغوطة الغربية.

وعلى أن يتم إخلاء جميع الجرحى من الطرفين تباعاً من مناطقهم، والسماح للهلال الأحمر والأمم المتحدة  توزيع المواد الإغاثية والطبية لجميع المناطق المحاصرة، وفق تقرير لموقع الحدث نيوز، الموالي للنظام،  في 27 من أيلول الماضي.

ولكن النظام وجيش الفتح أخفقا في تنفيذ معظم شروط اتفاقية وقف إطلاق النار في هذه البلدات، باستثاء وقف العمليات العسكرية الرئيسية.

والوضع الإنساني في الفوعة وكفريا لم يتدهور إلى الدرجة التي بلغها في مضايا، فمروحيات النظام ألقت عدداً من المظلات المحملة بالذخيرة والسلل الغذائية لقواته المحاصرة في البلدتين الشيعيتين في إدلب في  28 تشرين الثاني، كما ذكر صحفي تابع لجيش الفتح، على تويتر في اليوم ذاته.

ظلت وعود النظام  بمجملها في مضايا، بالإضافة إلى بلدات أخرى في الغوطة الغربية شملتها اتفاقية وقف إطلاق النار، حبراً على ورق، وفق ما قال أهال وناشطون لسوريا على طول. وما يفاقم المآساة عدد الناس المحاصرين في هذه البلدة الجبلية.

  عين جابر، ناشط إعلامي من مضايا، يصف لسوريا على طول وجبته التي طهاها وصورها الخميس الماضي، "هذه أوراق شجر وبعض الحشائش من الأرض، فحتى الخضار المعروفة كالسلق والسبانخ والملفوف غير موجودة هنا". حقوق نشر الصورة لعين جابر.

يقول أحد أبناء الزبداني المحاصرين في مضايا لـ"عربي 21"  في أيلول الماضي وقبل أن تدخل اتفاقية وقف إطلاق النار قيد التنفيذ، أنه "يعيش في كل بيت نحو خمس عائلات، يأكلون أحيانا كيلو واحدا من مادة البرغل المنقوع، وبالتالي فإن من الممكن أنهم يأكلون يوما ويصومون يوما. وقال حسام مضايا عضو المجلس المحلي في مضايا "مع بدء سريان الهدنة لم ينفذ اي بند منها، سوى وقف إطلاق النار، ودخول مساعدات انسانية لمرة واحدة فقط".

ولكن نصف طرود البسكويت عالي الطاقة التي تضمنتها تلك المساعدات الإنسانية الموزعة على الزبداني ومضايا في  18 تشرين الأول كانت منتهية الصلاحية، وأصابت مئات الأهالي ولاسيما الأطفال بينهم بحالات تسمم غذائي.

ويوم الخميس الماضي، دخل البلدة وفد من الهلال الأحمر، ولكن دونما مساعدات، وإنما للمعاينة الطبية وتجهيز أوراق الجرحى تمهيداً لإخلائهم في "الأيام القادمة"  وفق ما ذكرت صفحة محلية على الفيسبوك في اليوم ذاته.

وحاولت سوريا على طول جاهدة التواصل مع الأمم المتحدة والهلال الأحمر للتعليق على الموضوع، ولكن دون أن تتلقى أي رد. ويبدو أن الإعلام الحكومي الرسمي  تغاضى عن ذكر مضايا في الشهور الأخيرة.

الجوع حتى الركوع

الهدنة غير المنجزة هي أحدث الأمثلة على غياب الإدارة الأميركية غير المقصود أو المتعمد عن واقع ما يجري على أرض سوريا. فما يتردد في أذهان المسؤولين الأميركيين عند سماع "وقف إطلاق النار" لا يحمل ما تعنيه حقيقته في سوريا، فهي مجرد بداية لمحادثات مختلفة عن كيفية "عصر" المدنيين بطريقة أقسى قبل تنفيذ الحد الأدنى فقط من شروط الهدنة.

ومعظم اتفاقيات وقف إطلاق النار التي انبثقت عن حكومة الأسد، نشرت سياسة "الجوع أو الركوع" (وهي حملة وطنية انطلقت في23 تشرين الثاني عام 2013 ووثقتها سوريا على طول في أكثر من مرة (أنظر هنا، هنا، وهنا لتشاهد الأمثلة).

"الجوع هزمنا"، يقول أبو جلال التلاوي، البالغ من العمر 64عاما، لسوريا على طول في شباط 2014، بعد ثلاثة أيام من إخلاء حمص القديمة، أحد الأحياء الثلاثة عشر التي تطوقها قوات النظام كليا، منذ حزيران 2012.

 وقال التلاوي يومها والذي كان جزارا قبل الحرب "ضربوا المكان بالصواريخ، ولم نغادر، قصفونا بالهاون ولم نغادر، استخدموا الدبابات والقناصة ولم نغادر. لكن الآن لم يبق هنالك ما نأكله".

ولهذا السبب يستمر النظام السوري بتجويع المدنيين، ليستنفد قواهم فيركعوا أمامه. وفي حالات لابأس بها نجح بذلك، فعندما يتضور الناس جوعاً، فإن الإرادة في المقاومة تخور، وأجسادهم كذلك. (أنظر إلى ما قاله الصحفي وليد الأغا من جنوب دمشق لسوريا على طول في كانون الأول عام  2015: "رغم الخروقات العديدة التي ينتهجها النظام فإن الهدنة رفعت عبئاً ثقيلاً عن كاهل الناس. فهم في جنوب دمشق وبعد الهدن لم يعودوا يقاسون الجوع كما كانوا").

وحيثما تنجز اتفاقية ما لوقف إطلاق النار، فإن المجتمع الدولي يقرأ إمكانية تطبيق نموذج أخر على نطاق أوسع داخل البلد، كما بينت المبعوثة الأميركية للأمم المتحدة في الأسبوع الماضي.

وقالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سمانثا باور في مؤتمر صحفي في نييورك،في 1 كانون الأول، وبعد إعلان النظام السوري اتفاقية الهدنة في الوعر، آخر حي مايزال تحت سيطرة الثوار في مدينة حمص، إن "ثمة حماسا كبيرا للحفاظ على استمرار قوة الدفع التي تهدف إلى وضع خطة سلام لإنهاء الحرب في سوريا، لا سيما في ما يتعلق بالتفكير في إمكانية تحقق عمليات وقف إطلاق نار بصورة محلية على وجه السرعة".

ولكن وليد الآغا، وعدد لا حصر له من السوريين داخل البلد، يرون الهدنة بشكل مختلف، فالأغا يشير في مقابلته، في كانون الأول، إلى أن "السبب وراء الهدن في بلدات ببيلا ويلدا وبيت سحم كانت لإنهاء حصار النظام، ولاسيما بعد وفاة مئتي شخص نتيجة سوء التغذية والجوع ونقص الدواء خلال الحصار".

وتشي نظرة عن كثب في مضايا بحال المدنيين بعد اتفاقية وقف إطلاق النار، وتظهر أنهم إذا ما ركعوا فهم يتلوون جوعاً.

ففي يوم الجمعة، قضى اثنين من أهالي مضايا جوعاً، وفق ما ذكرت شبكة الدرر في اليوم ذاته، ليرتفع العدد الكلي لضحايا الجوع إلى سبعة منذ فرض النظام حصاره في تموز.

وذكر عين جابر صحفي مدني في مضايا أن "أكثر من ألف حالة إغماء نتيجة الجوع وصلت إلى الهيئة الطبية في مضايا، ومات عدد من المدنيين بينهم امرأة وطفل جراء نقص المواد الغذائية".

وتحدث خمسة من ساكني مضايا لسوريا على طول، عن مآساة الطعام الذي لا يكفي البلدة.

وقال حسام "السكان هنا يعيشون على وجبة واحدة يوميا إن وجدت، وعوائل اخرى قد تنام لعدة ايام دون طعام، وحتى الغذاء المتوفر فهو من نوع واحد إما أرز أو برغل ولا يوجد لا طحين ولا أي نوع من الخضراوات".

وتابع حسام "واليوم لا تزال البلدة تعاني من نقص الغذاء بشدة، وإن توفر فذلك بأسعار خيالية".

وأضاف لسوريا على طول، الإثنين "هناك شخص من البلدة تبرع بشراء المواشي ودفع فارق السعر كخطوة لكسر سعر اللحم وخفض سعرالكيلو من 12 ألف إلى خمسة آلاف ليرة".

ووصلت أسعار المواد الغذائية في مضايا إلى أسعار خيالية، بسبب الحصار المفروض من النظام وميليشيا حزب الله منذ 160 يوما، وتراوح سعر كيلو الأرز بين 16 و22 ألف ليرة، والسكر 20 ألف، أما البرغل والعدس فتتراوح أسعارها بين 18 و20 ألف في حال تواجدها، أما سعر رغيف الخبز الواحد المصنوع يدويا فيصل إلى 850 ليرة.

والحصار الجاري ليس السبب الوحيد وراء تحليق الأسعار. وقال عين جابر "يلعب التجار المحتكرين دوراً في رفع أسعارالمواد إضافة للحصار، لعدم وجود جهة ثورية تتولى مراقبة الأسعار ومحاسبة المحتكرين"، فالمدينة يديرها بشكل أساسي مجلس مدني وليس فصيل ثوري معين.

بدوره، قال حسام "ليتدبروا المحنة، ومع عدم توافر الغذاء بدأ سكان البلدة بمحاولة الحصول على الغذاء وأكل أوراق التوت بعد طبخها، وأيضا طبخ فاكهة المنغا غير الناضجة. وتشكل المزارع والبساتين البساط الأخضر لسهل الزبداني، الذي ينحدر في الوادي غرب مضايا

ومع بداية الحصار في تموز، تبنت قوات النظام وحزب الله سياسة الأرض المحروقة، "بدؤوا بحرق البساتين التابعة لسهلي مضايا والزبداني، وقامت قوات النظام بإخراج عوائل الزبداني المتواجدين في مناطق بلودان والمعمورة والجرجانية والشلاح وسوقهم إلى مضايا".

وقال جابر "لجأ بعض الناس إلى طهي أوراق الشجر والنباتات العشبية لسد رمقهم، رغم طعمها السيء، وما تحويه من مواد مضرة، ولكن لا بديل عنها".

 وأضاف "فيما حاول بعض المدنيين تهريب بعض المواد الغذائية عن طريق البساتين، ولكن سقط عدد منهم قتلى برصاص النظام أثناء محاولاتهم".

وأشار جابر إلى أنه "لم ينفذ من بنود الاتفاق سوى بند وقف إطلاق النار، وحتى هذا البند يتم خرقه بشكل يومي على خطوط التماس".

وأردى قناص للنظام مدنياً وهو يجمع الحطب قرب المنطقة الحدودية في 15 تشرين الأول، حسب ما ذكر موقع راديو الكل في 15 تشرين الثاني.

وقال حسام، عضو المجلس المحلي، إن قوات النظام بعد تطويق البلدة زرعت اطراف البلدة بالالغام لمنع شبابها من التسلل وتهريب الاغذية، مما أدى الى انفجار عدة الغام اسفرت عن مقتل ثلاثة شباب، وبتر ساق 4 آخرين، ناهيك عن اعتقال اخرين.

وذكرت صفحة مضايا، يوم الإثنين، أن أربعة "شهداء" من بينهم امرآة من الزبداني، وجريحين سقطوا نتيجة انفجار ألغام فردية بهم اثناء محاولتهم الخروج من البلدة المحاصرة.

كيف السبيل إلى رفع الحصار؟

"مع بدء الحصار في تموز الماضي قامت قوات النظام بسوق عدد من أهالي مدينة الزبداني المتواجدين في مناطق بلودان والمعمورة والجرجانية والشلاح بشكل قسري الى مضايا"، وفق ما قال حسام. وأكدت هذا الإدعاء مصادر أخرى معارضة.

ووصل عدد العائلات المهجرة من منطقة كروم مضايا إلى داخل البلدة المحاصرة نحو 260عائلة، وفق ما ذكر موقع راديو الكل المعارض، في 15 من تشرين الثاني، الأمر الذي فاقم أزمة الطعام والدواء فيها وخلق معاناة أكبر.

 وذكر أبو عابد القلموني، مدني مهجر من الزبداني ويسكن حاليا في مضايا، لسوريا على طول، أن "الوضع المعيشي في مضايا هو الأسوأ على الإطلاق".

وحاول المجلس المحلي، التفاوض المباشر باسم أهالي البلدة مع النظام ولكن دونما جدوى".

وبين حسام، عضو المجلس المحلي، يوم الإثنين، أن "المجلس يحاول اليوم من جهته التفاوض لفك الحصار، ولكن المشكلة تكمن في ان هناك اكثر من طرف يفاوض،لديك النظام من جهة وروسيا من جهة وايران وحزب الله من جهة، كل منهم يحاول كسب مصالحه".

ولم يبق للمجلس المحلي العاجز عن التفاوض لإنهاء الحصار والأهالي الجوعى واليائسين سبيلاً غير التظاهر لرفع الحصار، فمنذ الأسبوع الماضي وأهالي مضايا وبلدة بقين المجاورة يخرجون في مظاهرات يومية تقريباً. 

ويوم الخميس الماضي، ذكر حسام أن اطفال مضايا وبقين خرجوا في مسيرة طالبت بفك الحصار الذي يقاسونه منذ خمسة شهور.

وقبل بدء المظاهرة، قال حسام "قمنا بكتابة كلمة انا جائع باجساد الطلاب، كخطوة للتعبير عن الجوع الذي يعاني منه اطفال المنطقة، التي تعيش حصاراً مطبقاً منذ شهور".

ووصفت جريدة البعث اليومية، الناطقة باسم حزب البعث، سلسلة التظاهرات في الأسبوع الماضي، في مضايا وبقين بـ"التظاهرات الشعبية العفوية ضد الإرهابيين وتجار الدم من المحتكرين المدعومين من بعض التكفيرين"، واستغلت احتكارها الخاص للروايات الحكومية بالإدعاء بأن "أهالي البلدتين طالبوا بدخول الجيش العربي السوري إليهما وتطهيرهما من الإرهاب، وإعادة الحياة الطبيعية إليهما، وتأمين المواد الغذائية والخدمات التي تسبب الإرهابيون بفقدها".