خبير بشؤون اللاجئين: المزيد من النزوح ينتظر السوريين.. وعقبات كثيرة تواجه عودة اللاجئين لبلدهم

لاجئون سوريون في بيروت يستعدون للمغادرة إلى دمشق في أيلول. أنور عمرو/ AFP.

 

تركت سنوات الحرب الكثير من المناطق السورية في حالة خراب، حيث تم تهجير خمسة ملايين سوري داخلياً و٦ ملايين آخرين يعيشون في الخارج، أي أنّ عدد السوريين النازحين هو الأكبر في العالم.

الآن، ومع تراجع القتال بين الحكومة السورية وفصائل المعارضة في بعض المناطق، دعت دمشق - إلى جانب الدول المجاورة ودول أخرى - اللاجئين السوريين للعودة إلى الوطن.

وقال السفير السوري في لبنان، علي عبد الكريم، للصحفيين في وقت سابق من هذا الشهر، عقب اجتماع مع وزير الخارجية اللبناني أن "سوريا الآن بحاجة لأبنائها وبناتها، وترحب بهم من خلال تسهيل عودتهم".

وأضاف "سوريا بحاجة لأيديهم".

ولكن مع تشجيع الحكومة وحلفائها لعودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، فإن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية - بما في ذلك المفوضية السامية لشؤون اللاجئين - تشير إلى أن هناك "مخاطر كبيرة" تنتظر من يفكر بالعودة.

ويواجه العائدون السوريون "العديد من العقبات"، بحسب ما قاله علي علي، خبير في شؤون اللاجئين ومحاضر في مركز دراسات اللاجئين بجامعة أكسفورد، "ببساطة، الوضع ليس آمناً بالنسبة لعودة اللاجئين".

ووفقاً لما قاله علي، فإن السنوات القادمة قد تشهد زيادة في نسبة النزوح بدلاً من الانخفاض، حيث تعيد الحكومة السورية فرض سيطرتها على أجزاء كاملة من المدن المهدمة كجزء من خطة تجديد حضري غامضة.

كما أن عودة اللاجئين هي قضية جغرافيا سياسية بطبيعتها، قضية متجذرة في اهتمام الحكومة السورية باقتصاد ما بعد النزاع والشرعية الدولية، بحسب ما قاله علي، مضيفاً أن السوريين العائدين سيحملون رأس المال الذي يمكن استخدامه لإعادة بناء سوريا على مستوى المجتمع المحلي.

وأوضح علي لمراسل سوريا على طول، جستن كلارك "إذا عاد جميع هؤلاء اللاجئين، عندها يمكن للحكومة أن تتجه إلى المجتمع الدولي وتقول: انظروا، الحرب انتهت.. عودوا إلى سوريا وساعدونا في إعادة بناء البلاد".

ومن غير المرجح أن تتحمل الحكومة السورية عبء إعادة الإعمار وحدها، كما أنه من غير المرجح أن يعوض حلفاؤها هذا النقص، بحسب علي، وقال علي لسوريا على طول "إن المنظمات الإغاثية هي في كثير من الأحيان مصدر لأموال الحكومة من المجتمع الدولي، لذا فإن الحكومة السورية ترغب في عودة هذه المنظمات إلى سوريا".

وإذا عاد السوريون ليجدوا منازلهم قد هدمت وأن خيارات البقاء محدودة، فإن الحكومة السورية قد تجد مصدر ضغط جديد للتعامل مع الدول الغربية غير الراغبة في استقبال اللاجئين السوريين، بحسب توقعات علي.

وتابع قائلاً "كلما زاد عدد العائدين، تزداد المطالب التي يمكن أن تقدمها الحكومة السورية للمجتمع الدولي".

تصدرت أنباء عودة اللاجئين السوريين عناوين الأخبار في الأشهر الأخيرة، والتي تركزت في الغالب على فكرة أنه في الوقت الذي يتراجع فيه القتال، فإن سوريا والبلدان المجاورة ستبدأ بتسهيل عودة اللاجئين.

وفي الوقت ذاته، فإن معظم المنظمات الإنسانية الدولية - ومنها المفوضية -  تنصح اللاجئين السوريين بعدم العودة، محذرة من أن العودة قد تشكل "مخاطر كبيرة"، هل تعتقد أن البنية التحتية موجودة بالفعل لتسهيل تلك العودة؟

أول شيء يجب أن تأخذه بالحسبان هو أن فكرة العودة هذه ترتكز على الجغرافيا السياسية، يبدو أن روسيا والأسد، وربما الولايات المتحدة، يرغبون في أن يظن العالم بأن الحرب انتهت وأن بإمكان السوريين العودة إلى ديارهم والعودة إلى سوريا.

لكن الأمر ليس كذلك، إن المنظمات الإغاثية محقة في قولها، أنه من الناحية السياسية الوضع ليس آمناً بالنسبة لعودة اللاجئين، والعديد من الأشخاص الذين غادروا سوريا سيخضعون لنوع من التدقيق الأمني أو العقاب الجماعي عند عودتهم.

القضية الأخرى هي البنية التحتية، ما يجب تذكره هو أنه منذ الأيام الأولى للثورة - منذ سقوط المدن الكبيرة - تراجعت القوات الحكومية بشكل استراتيجي، وأصبحت مناطق واسعة من البلاد خاضعة لسيطرة المعارضة، وتعمّد الجيش السوري مهاجمة البنية التحتية في هذه المناطق كطريقة لإزالة الشرعية، وكذلك معاقبة المعارضة.

حيث أجبر القصف، بالإضافة إلى نقص الخدمات العامة وإمدادات المياه والغذاء وغير ذلك من احتياجات الحياة الأساسية، الملايين على مغادرة سوريا.

لذلك لديك هذا العدد الكبير من العقبات، إذا عاد اللاجئون السوريون إلى مناطق غير خاضعة لسيطرة الحكومة، فسوف يعودون إلى البنية التحتية المدمرة والمشاكل الصحية العامة التي تلوح في الأفق.

نقل الإعلام الرسمي السوري مؤخراً عن وزير الخارجية السوري قوله إنه يدعو اللاجئين للعودة إلى ديارهم ليساهموا في إعادة بناء مجتمعاتهم.

يبدو أن جزءاً من دافع الحكومة السورية لدعوة اللاجئين للعودة هو أنها ترغب في أن يعود السوريون إلى الوطن، وأن يجلبوا أموالهم ومواردهم معهم، ثم يساهمون في إعادة بناء المجتمعات المدمرة التي فروا منها منذ سنوات.

أعتقد أن عودة اللاجئين هي قضية أساسية بالنسبة للحكومة السورية، فبالنسبة للحكومة، إن الوضع المثالي، أو النتيجة المثالية، هي أن يرى العالم أن الأسد قد فاز، وأن يعود المزيد من الناس إلى سوريا حتى يتمكنوا من الحصول على الموارد منهم، بهذه الطريقة، يمكن للحكومة أيضاً إعادة إضفاء الشرعية على نفسها في نظر المجتمع الدولي.

وما يرغبون به أيضاً هو أن تعود المنظمات الإنسانية التي تعمل في مناطق المعارضة - لأن الحكومة السورية أجبرت العديد من المنظمات الإنسانية على الاختيار بين العمل في مناطق المعارضة أو المناطق الحكومية- وتبدأ بالعمل في جميع أنحاء سوريا وجلب الموارد إلى البلاد من المجتمع الدولي.

الحكومة السورية لا تملك المال، وروسيا لا تريد أن تدفع تكاليف إعادة الإعمار- وربما لا تستطيع- ولا ترغب إيران في دفع تكاليف إعادة الإعمار من تلقاء نفسها.

إذا عاد جميع هؤلاء اللاجئين، عندها يمكن للحكومة أن تتجه إلى المجتمع الدولي وتقول " انظروا، الحرب انتهت- عودوا إلى سوريا وساعدونا في إعادة بناء البلاد".

وأعتقد أن معظم السوريين يودون أن يصدقوا أن الأمور ستكون أفضل إذا عادوا، لكنهم بحاجة إلى أن يروا ذلك فعلياً، خاصة أولئك الذين هم من المناطق التي دمرتها الحرب، يحتاجون لرؤية بعض النتائج.

والمنظمات الإغاثية هي في كثير من الأحيان مصدر لأموال الحكومة من المجتمع الدولي، سواء لإعادة الإعمار أو تقديم المساعدات الإنسانية أو التنمية أو أي شيء آخر، لذا فإن الحكومة السورية ترغب في عودة هذه المنظمات إلى سوريا.

وإذا كانت الحكومة هي المصدر الوحيد، أو هي المصدر الرئيسي للمساعدات الدولية، فإن هذا سيعطيها طابع من القوة لتفرضه على السكان، لأنها هي من سيقرر المناطق التي ستحصل على المساعدات.

وكلما زاد عاد العائدين، كلما زادت المطالب التي يمكن أن تقدمها الحكومة السورية للمجتمع الدولي.

لقد رأينا ذلك بالفعل إلى حد ما في قانون رقم 10 وبموجب المرسوم رقم 66، وهما تشريعان أعلن عنهما بعد عام 2011 تمكّن السلطات في سوريا من بدء مشاريع إعادة الإعمار، والتي من خلالها من المحتمل أن يتم تدمير أحياء بأكملها وإعادة بنائها.

وأنت كشخص سوري إذا كنت تخطط بالعودة إلى وطنك، فكيف ستؤثر مبادرات إعادة البناء هذه على خططك؟

أعتقد أنه يجب علينا مراقبة القانون 10 وكيف غيّر الأمور، قبل الثورة كان للمباني ثلاثة أنواع من الحالات.

[قانون 10 لعام 2018 يسمح للحكومة السورية بتحديد مناطق لإعادة الإعمار، ويسمح القانون للسلطات المحلية بمنح أصحاب الأملاك مهلة زمنية مدتها 30 يوماً لتقديم إثبات ملكيتهم الشخصية وإلا فقدوا ممتلكاتهم].

الحالة المثالية للمباني هي بناء موجود على الأرض يملكه الشخص الذي بنى ذلك البناء، ومعه تصريح لاستخدامه لأغراض أخرى غير الزراعة وهذا يسمى بالوضع "الأخضر"  وهو أقل شيوعًا من الحالات الأخرى، وأصعب بكثير بالنسبة للحكومة التعامل معه بشكل قانوني.

وهناك مبان بنيت على الأرض المخصصة للزراعة والمالك ليس لديه تصريحاً للبناء على تلك الأرض، ولكنها أرضه، ومن المحتمل أن يكون هذا النوع هو الأكثر شيوعاً، ومن الناحية القانونية [تلك المباني] يصعب على الدولة أن تهدمها لأنهم بحاجة إلى تعويض المالك أولاً.

النوع الثالث هو مبنى موجود على أرض تابع للدولة دون أي نوع من أنواع التصاريح على الإطلاق، هذا النوع أسهل [للحكومة السورية] التعامل معه، حيث يمكن هدمه في أي وقت دون تعويض، وربما هذه هي الأماكن التي ستشهد معظم عمليات الهدم والتجريف من أجل إنشاء هذه الأنواع من المدن، ولا يعطى من تلك الأرض أي شيء للمالك.

وأعتقد أننا سنشهد مزيداً من النزوح، لأنه سيتم بناء الكثير من المساكن في سوريا على الأراضي التي تملكها الحكومة دون تصاريح، وفي هذه الحالات أعتقد أن المناطق حيث تسكن فصائل المعارضة، أي المنطقة التي تم بناء المساكن فيها على أراض حكومية بدون تصاريح، ستشهد نوعاً من عمليات الهدم الجماعي.

إن الوضع غير مستقر فعلياً، ولا أعتقد أن السوريين العائدين سيكونون قادرين على العودة إلى ممتلكاتهم أو الحفاظ على ممتلكاتهم خاصة في مناطق المعارضة.

إذا لم يتمكن السوريون من العودة إلى هذه الأحياء، أو إذا لم يتمكنوا على الأقل من العيش في أنقاض هذه المناطق المدمرة، فماذا سيحدث لهذه المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة سابقاً على المدى الطويل؟

من الممكن أن تقنع الحكومة السورية المنظمات الإنسانية بالعودة إلى سوريا والعمل مع الحكومة، ومن المحتمل أن تقرر الحكومة أنه من مصلحتها العليا إعادة البنية التحتية العامة الأساسية على الأقل إلى العمل لتمنع اندلاع أزمة صحية عامة مفاجئة.

ومن الممكن أيضاً أن لا تفعل الحكومة ذلك بل ستترك مناطق المعارضة مهدمة، وتنظر إليها كنوع من "الأراضي المهدمة التي لاقيمة لها"، سيركزون على المناطق التي يستطيعون التحكم بها بسهولة وبشكل مريح  لدرجة أنهم لن يقصفوا أراضي مفيدة يمكنهم التحكم بها.

وماذا يعني ذلك بالنسبة للاجئين الذين يريدون العودة، والذين من الممكن أن يصبحوا نازحين بعد عودتهم؟

إذا كان هناك عدد كبير من السوريين، ممن يريدون العودة، وجدوا مناطقهم الأصلية غير صالحة للعيش، يجب عليهم الذهاب إلى دمشق أو إلى حلب أو المناطق الساحلية، وهذه المناطق تخضع لسيطرة الحكومة وبشكل مريح أكثر من غيرها، كما أن شبكة للمخابرات القديمة (فروع المخابرات والأفرع الأمنية سيئة السمعة) موجودة في تلك الأماكن، إلى جانب شبكة من الميليشيات التابعة للحكومة التي يصعب السيطرة عليها، لكنها لا تزال على الأقل تابعة لها.

وكان يجب على النظام، أي الحكومة السورية، بمجرد استعادته منطقة ما أن يسارع في سكب الموارد من أجل إعادة إعمارها، إلا أنه في الواقع لم يفعل ذلك، والوضع بقي كما هو: قصف ودمار، ولا يوجد أي دليل على أن السلطات السورية مهتمة بإعادة بناء هذه المناطق.

 

هذه المقابلة هي جزء من تغطية سوريا على طول لأوضاع النازحين في سوريا بالتعاون مع منظمة كونراد أديناور والمراسلين على الأرض في سوريا. اقرأ تقريرنا التمهيدي هنا.

جستن كلارك، مراسل ومترجم

درس اللغة العربية في جامعة غرب ميشيغان وأكمل دراسته في جامعة بيت لحم في فلسطين. الدراسة والعمل قادتا جستن إلى الأردن، فلسطين، مصر واليونان.