عمان - من حافلة قديمة لا يكاد يُرى غيرها في المنطقة الواقعة في ريف دمشق الغربي، يترجل بضعة مدنيين، قبل أن يتابعوا طريقهم مشياً على الأقدام نحو أطلال داريا التي أتى على جزء كبير منها قصف القوات الحكومية، قبل أن تصبح المدينة ذاتها ضحية أول جريمة تهجير جماعي مكتملة الأركان أنتجه حصار مديد.

آب/أغسطس من كل عام يستدعي ذكريات أليمة لأهالي داريا. إذ فيه وقعت واحدة من أكبر المجازر منذ اندلاع الثورة في العام 2011، حين قتلت القوات والمليشيات الحكومية نحو 500 مدني في العام 2012، بعد أن قُطعت الكهرباء ووسائل الاتصال عن المدينة، وأغلقت مداخلها ومخارجها.

أيضاً، في السادس والعشرين من آب/أغسطس 2016 هجّرت الحكومة السورية آلاف السوريين القاطنين في داريا إلى شمال غرب سوريا. ومنذئذ صارت الحافلات الخضراء التي حملت أهالي داريا رمزاً لكل عمليات التهجير اللاحقة؛ من جنوب سوريا ووسطها، إلى مناطق المعارضة في الشمال.

استثنائية داريا في زمن الموت والحصار والتهجير، تظل تطاردها إلى زمن "سلام" سيطرة النظام على المدينة. فمع بؤس الأوضاع المعيشية والمخاوف الأمنية التي تسيطر على أغلب المناطق التي شهدت عمليات "تهجير قسري"، تعود مظاهر الحياة تدريجياً إلى هذه المناطق، وقد سمحت حكومة دمشق بعودة مهجرين من أبنائها، كما حدث مع أهالي الغوطة الشرقية وجنوب سوريا، على النقيض تماماً من واقع داريا.

في داريا، بحسب ما ذكرت مصادر لـ"سوريا على طول"، يُمنع الأهالي من الدخول إلا إلى أحياء محددة، بعد تقديم قوائم بأسمائهم إلى مجلس المدينة، الذي يرفعها بدوره إلى الأجهزة الأمنية، وصولاً إلى إصدار قائمة بأسماء الموافق على دخولهم، تسلم نسخة منها إلى حاجز المدينة المسؤول عن تنظيم عملية الدخول، 

وفيما يصدر المكتب التنفيذي لبلدية داريا تباعاً لوائح بأسماء الموافق على زيارة مدينتهم، فإن "أضعافهم يتم تأجيل موافقاتهم أو رفضها لأسباب غير معروفة"، بحسب ما ذكر عمر الأحمد، المهجر من المدينة. مفسراً ذلك باحتمالية وجود أسباب أمنية متعلقة بمقدمي طلب الزيارة، أو بالأحياء المراد زيارتها.

وتسلط قصة الأخوين أحمد ومعاذ، اللذين يعملان في صيانة السيارات، الضوء على غموض سياسة الأجهزة الأمنية بشأن إعطاء الموافقات لمدنيي داريا لزيارة مدينتهم. 

فكما روى أحمد لـ"سوريا على طول، غادر الشقيقان مدينتهم داريا في العام 2012. لاحقاً "مع بدء السماح للأهالي بالتسجيل في مجلس المدينة"، قاما بذلك سوية. "لكن حصلت على الموافقة فيما رُفض أخي".

ورغم أن كليهما كانا يعيشان في منطقة ذاتها من المدينة، فقد تم رفض زيارة معاذ بذريعة أن "أعمال إزالة الركام والأنقاض لم تنته من المنطقة"

وبحسب ابن المدينة عبدالله الديراني، فإن "المنطقة المسموح الدخول إليها في داريا لا تتجاوز 10 بالمائة من إجمالي مساحة المدينة. ولا تُعطى الموافقة قبل أن تعرض الأسماء على الفرقة الرابعة التابعة لجيش النظام السوري".

عودة الحياة ليوم واحد

في آب/أغسطس من العام الماضي، روّجت حكومة دمشق لبدء عودة أهالي داريا إلى منازلهم بعد تأمين الظروف المناسبة لذلك، وضمنها توفير الخدمات الأساسية الضرورية لاستئناف حياتهم الطبيعية بعد سنوات من التهجير، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء الرسمية "سانا" آنذاك. لكن ما لبث أن أفرغت المدينة من أهلها "العائدين" مرة أخرى.

إذ كما روى عمر الأحمد، لم تتجاوز تلك العودة التي روج لها الإعلام الرسمي يوماً واحداً "لتنظيم مسيرات مؤيدة ورفع علم النظام على أحد الساحات الرئيسية في المدينة"، أعقبه منع من دخول المدينة لثلاثة أشهر.

وبعد عام على إعلان الحكومة عودة الحياة إلى داريا، ما تزال المدينة تستقبل أهلها كزائرين، يدخلون إلى بعض أحيائها في ساعات النهار ويغادرونها ليلاً، إذ "لا يبقى فيها إلا أصحاب الطبقة المسحوقة الذين لا يجدون مكاناً يؤويهم وأرهقهم إيجار المنازل" في مناطق النزوح، كما قال الناشط الإعلامي كريم عبدالحق، عضو تنسيقية مدينة داريا، لـ"سوريا على طول". 

فأحياء المدينة التي تسمح الحكومة بزيارتها، تدخل في ظلام دامس مع غياب الشمس نتيجة غياب الكهرباء عنها تماماً، فيما الأحياء التي ما تزال محرمة على أهلها نهاراً تتحول إلى مدينة أشباح ليلاً، إذ "لا يمكن الوصول إليها حتى من أصحاب النفوذ والمقربين من السلطة"، بحسب الأحمد.

ويزيد من عزلة المدينة عدم وجود شبكة مواصلات تخدمها. إذ يُسمح لحافلة واحدة، تتسع لأربعة وعشرين راكباً، بالوصول إلى منطقة اللوان الواقعة بين داريا وحي كفرسوسة الدمشقي، فيما "يدخل أصحاب النفوذ والعلاقات مع النظام بمركباتهم الخاصة، [إلا أن] أعدادهم قليلة"، كما أوضح عبد الحق.

مدينة محرمة على أهلها

قسمت حكومة دمشق، على ما أبلغ مدنيون من داريا "سوريا على طول"، المدينة إلى عدة قطاعات، لا يُسمح للأهالي بدخول سوى اثنين منها فقط.

وذكر عضو تنسيقية داريا، كريم عبد الحق، أن المدينة قسمت إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، فيما أجزاء أخرى بقيت من دون تسمية. لافتاً إلى أن "المنطقة (أ) هي الأقل دماراً، إذ لم تتعرض لقصف النظام الذي دخلها فوراً، وتمتد من مدخل دمشق إلى منطقة الشاميات". مشدداً على أن كلّ ما يتم الحديث عنه في وسائل الإعلام عن إعادة تأهيل وترميم في داريا إنما تُقصد به هذه المنطقة.

وأضاف: "المنطقة (ب) هي التي تكمّل المنطقة (أ)، وتصل إلى ساحة الشريدي وشارع الثورة. هذه المنطقة كانت منطقة تماس مباشر بين النظام والمعارضة، وفيها نسبة دمار كبيرة، لكن ما تزال فيها أيضاً أبنية قابلة للسكن".

أما المنطقة (ج)، فقد كانت خاضعة لسيطرة المعارضة السورية، ما أدى إلى تدميرها كلياً، بحيث لا تصلح حالياً للسكن ولا حتى الترميم، بل تحتاج لهدم كامل وإعادة إعمار جديد، ولا يُسمح بدخولها، بحسب عبدالحق، إلا باستثناءات من كبار المسؤولين.

إضافة إلى المناطق الثلاثة، توجد منطقتان متباعدان، لكنهما تشتركان في كونهما محط أطماع شركات مقربة من حكومة دمشق، بحسب الناشط الإعلامي. الأولى هي "منطقة الخليج" المطلة على مطار المزة العسكري، وتدخل في نطاق أهداف مشروع ماروتا السياحي، ولا يسمح بالتالي بدخول مالكيها الأصليين إليها.

أما المنطقة الثانية، فتمتد من ما يسمى مقام سكينة، إلى أوتستراد دمشق- درعا. وفيما يزعم أن المقام لسكينة ابنة علي، وقد تم إغلاق المنطقة المحيطة أمام أهالي المدينة، وفتحها للسياحة الدينية أمام الوفود الشيعية، فإن الأراضي المطلة على الأوتستراد، والتي كانت مرخصة قبل اندلاع العام 2011 لبناء أبراج سكنية وتجارية، تقع ضمن أهداف شبكة شام القابضة، بحسب عبد الحق.

وكانت داريا قد شهدت، عقب سيطرة القوات الحكومية عليها، جولات تفقدية لمسؤولين في الوزارات المعنية بإعادة التأهيل، كوزارة الأشغال العامة والإسكان والكهرباء وغيرها، بدعوى وضع خطط إعادة الخدمات إليها.

وصرّح وزير الإدارة المحلية في حكومة دمشق، المهندس حسين مخلوف، في أيلول/سبتمبر 2016 بأن العمل في المدينة سيتم على ثلاثة مسارات "بدءاً من إزالة الأنقاض والركام من الشوارع وفتح الطرقات وتقييم الأضرار بالمنشآت الحكومية وتقدير مستوى الأعمال ومتطلبات إعادة التأهيل إضافة إلى تشكيل لجان بمختلف الاختصاصات ولجان للسلامة الإنشائية لتقييم كل المباني وتقدير إمكانية الإبقاء عليها أو إزالتها نظرا لوجود مبان كثيرة غير محققة للسلامة الإنشائية".

وبيّن الوزير أن "جزءاً من داريا لا يمكن إعادة تأهيله نظراً للدمار والخراب الكبير الذي لحق به، وسيتم التعامل معه على غرار المشروع التنظيمي 66 لمنطقة بساتين خلف الرازي". 

ويقضي المرسوم التشريعي رقم (66) للعام 2012 ببناء منطقتين تنظيميتين، الأولى جنوب شرق المزة خلف بساتين الرازي، أو مشروع "ماروتا سيتي". فيما الثانية إلى الجنوب من  المتحلق الجنوبي.

نهب في زمن "السلام"

روت سلام، وهي سيدة من مدينة داريا، قصة قريب لها يخدم في صفوف القوات الحكومية، كان واحداً من العناصر الذين دخلوا المدينة بعد تهجير أهلها. 

إذ سارع زوج اختها، كما قالت لـ"سوريا على طول"، إلى تفقد منزله في المدينة، حيث فوجئ بأن "المنزل لم يُصب بقذيفة، ولم يُسرق منه شيء... حتى الملابس كانت ما تزال معلقة في الخزانة".

المنزل الذي بقي على حاله وبكامل أثاثه، رغم أنه مهجور لأربع سنوات، غادره العنصر بعد "إعلان الانتصار". إذ "تم إخراج عناصر الجيش من المدينة وأغلقت بشكل كامل بذريعة تمشيط المنطقة وإزالة الألغام منها"، بحسب سلام.

بعد أسبوعين من ذلك، سمح لبعض الأشخاص التابعين للحكومة بدخول المدينة، فذهب زوج أخت سلام ليفاجأ أن "البيت صار خالياً من كامل محتوياته. حتى أسلاك الكهرباء مسحوبة من الجدران". 

وعند مراجعته للحاجز العسكري القريب، تم إخباره أن "الإرهابيين عفّشوه [سلبوا محتوياته]"، مهددينه بأن "فتح الموضوع مرة أخرى يعرضه للمساءلة أو التصفية".

رواية سلام يؤكدها الأحمد، الذي وصف المدينة بقوله: "في داريا لا يوجد بيت على حاله. ومحال أن تعود عائلة إلى بيتها وتجده كما كان"، موضحاً أن "ما لم تدمره آلة الحرب تم سلبه ونهبه".

وأضاف: "تفقّد أهلي منزلنا في المدينة عدة مرات، وإلى اليوم لم يحصلوا على موافقة لترميمه. لكن في كل زيارة يجدونه بحالة أسوأ؛ إما حائط مهدّم، أو أثاث مفقود".

وإذ يتذرع مجلس المدينة "بضعف إمكاناته لإعادة التأهيل والإصلاح"، اعتبر عبد الله الديري أن جزءاً من "الإهمال" على هذا الصعيد سببه "الإمعان في معاقبة أهالي داريا على خلفية مشاركتهم في الثورة السورية".