عمّان - مرة أخرى تعود محافظة درعا، جنوب سوريا، إلى الواجهة؛ تظاهرات شعبية تندد بالتواجد الإيراني، وترفض أي تصعيد عسكري قد تقدم عليه القوات الحكومية مدعومة بالمليشيات الأجنبية.

إذ خرج، مساء أمس الأربعاء، العشرات من أهالي مدينة طفس، بريف المحافظة الغربي، بتظاهرة شعبية نددوا خلالها بوجود المليشيات الإيرانية في المنطقة، كما الحشود العسكرية للقوات الحكومية التي وصلت إلى أطراف المدينة خلال الأيام الأخيرة. كما تظاهر العشرات من أهالي مدينة درعا (البلد)، في الوقت ذاته، في ساحة المسجد العمري، تضامناً مع طفس.

ومنذ منتصف الأسبوع الماضي، شرعت دمشق بإرسال حشود عسكرية إلى ريف درعا الغربي، مهددة باقتحام المنطقة، على خلفية مقتل 9 عناصر من قوات الأمن الداخلي (الشرطة) في بلدة المزيريب بداية الشهر الحالي، على يد أحد قادة المجموعات العسكرية الموجودة في البلدة، والذي كان ضمن فصائل المعارضة التي سيطرت على المنطقة حتى صيف 2018.

وقد دفعت الحادثة "اللجنة المركزية في درعا" -والتي تشكلت عقب سيطرة القوات الحكومية على المحافظة لمتابعة المفاوضات مع دمشق واستكمال إجراءات "التسوية" جنوب البلاد- وفعاليات مدنية أخرى إلى إدانة مقتل رجال الشرطة و"هدر دم" منفذها، والدخول في مفاوضات مع أجهزة الحكومة الأمنية والعسكرية في المنطقة لاحتواء الموقف.

وقال مصدر مفاوض من ريف درعا الغربي، الثلاثاء الماضي، لـ"سوريا على طول" إن "لجان التفاوض جلست على مدار الأيام الماضية مع العميد لؤي العلي [رئيس فرع الأمن العسكري في محافظة السويداء]، واللواء حسام لوقا [رئيس المجموعة الأمنية في جنوب سوريا]، وعدد من قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية لحل المشكلة". مضيفاً: "أخبرونا أن قرار الاقتحام جاء من السلطات العليا، وأنهم جادون في عمل عسكري، وينبغي علينا عند وصول قادة الحملة العسكرية الجلوس والتفاوض معهم".

المصدر ذاته، كشف لـ"سوريا على طول" اليوم الخميس، عن أن "تعزيزات عسكرية جديدة وصلت إلى محيط ريف درعا الغربي أمس الأربعاء. إضافة إلى تعزيزات أخرى وصلت إلى أطراف مدينة درعا، وقسم آخر وصل إلى اللواء 52 شرق درعا، مسلحة بمدافع ورشاشات وعتاد ثقيل، وتضم عناصر من الفرقة الرابعة والفرقة التاسعة والفرقة الخامسة والفرقة الخامسة عشر قوات خاصة".

وأكد المصدر أن "وصول تعزيزات عسكرية إلى ثلاث جبهات يعني أن الاقتحام ربما يكون لمناطق أخرى في المحافظة، وليس فقط ريف درعا الغربي، كون أن هناك العديد من المناطق التي يعتبرها النظام خارج سيطرته". 

ما هو المتوقع؟

بحسب المفاوض من ريف درعا الغربي، فإن هدف النظام من "الحشود العسكرية الحالية، والحملة [المتوقعة] هو الحصول على مكاسب إضافية لما تضمنه اتفاق التسوية" في العام 2018. إذ يسعى النظام إلى "سحب السلاح من أيدي فصائل التسوية في المنطقة. كما إن لديه قائمة بأسماء أشخاص يريد اعتقالهم لأنهم يشكلون حجر عثرة في طريق [سياسته] في المنطقة، وفرض قبضته الأمنية. وربما هناك أهداف أخرى تتعلق بالإيرانيين".

لأجل ذلك، أضاف المفاوض، "اعتقد أن يكرر النظام سيناريو حزيران 2018، حينما عرض علينا اتفاق تسوية وعندما رفضنا بدأ بحملة عسكرية عنيفة جداً، ومن ثم جلسنا للتفاوض تحت نيران المقاتلات الروسية". لافتاً إلى أن "عدم جلوس قادة الحملة العسكرية حتى الآن معنا يشير إلى أن النظام قد يلجأ إلى عمل عسكري محدود، تعقبه جولة مفاوضات وفرض مطالبه".

السيناريو المتوقع ذاته أشار إليه عضو في "اللجنة المركزية في درعا"، تحدث إلى "سوريا على طول" شريطة عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، معتبراً أن "استعمال الحل العسكري يبدو حتى الآن هو الغالب. ومن حيث المبدأ نستطيع القول إن النظام عزز قواته لفرض واقع جديد وتحصيل مكاسب أكبر في الجنوب".

لكن مسؤولاً عسكرياً رفيعاً ضمن فصائل المعارضة السابقة في ريف درعا الغربي، قال لـ"سوريا على طول"، اليوم الخميس، إن "سيناريو الصنمين أصبح الاحتمال الأكبر وقوعه في طفس"، في إشارة إلى اقتحام القوات الحكومية والمليشيات المساندة لها لأحياء المدينة الشمالية التي كانت خاضعة لسيطرة مجموعات مسلحة من المعارضة، والذي أفضى إلى سيطرة النظام على الأحياء الشمالية وتهجير مجموعة من المقاتلين الرافضين للتسوية نحو شمال حلب، في أواخر شباط/فبراير الماضي.

ردة الفعل!

لجوء دمشق إلى الحل العسكري "لن يخيفنا ولن يثنينا عن مطالبنا وحقوقنا في قضيتنا وثورتنا"، كما قال عضو "اللجنة المركزية في درعا". مضيفاً أنه "في مقابل الحشود العسكرية، فإننا نقوم بحشد الطاقات الثورية ونعزز موقفنا في الشارع وتهيئته لما هو قادم". معتبراً أن "من اتخذ قرار التدخل العسكري مخطئ، وسيكون لذلك تداعيات في كل حوران. وأي قوات ستدخل سنعتبرها قوات معادية، وحوران لن تقبل استباحة أي منطقة فيها".

هذا الموقف أكد عليه مصدر عسكري من الفيلق الخامس في مدينة بصرى الشام، شرق درعا، والمدعوم روسياً. إذ قال لـ"سوريا على طول" أن مقاتليهم "مع أهلنا في طفس، وضد أي مجرم يسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار بالمحافظة، وضد أي اجتياح لأي منطقة، كما نرفض أي عمل قد يعطي مبرراَ للنظام لاجتياح أي مدينة".

في السياق ذاته، رأى المفاوض من ريف درعا الغربي أن "أي تهور من قبل النظام سيعيدنا إلى المربع الأول". كاشفاً عن أنهم اتصلوا، أمس الأربعاء، بالضامن الروسي لاتفاق المصالحة المبرم صيف 2018 "للوقوف على مسؤولياته"، لاسيما وأن "النظام جاد بحملة عسكرية ويجب عليهم تنفيذ وعودهم والتزاماتهم". مضيفاً أن "من المفترض عقد جلسة مع الروس اليوم [الخميس] يتم فيها عرض الملفات". 

العامل الإيراني 

وفقاً لأربعة مصادر تحدثوا إلى "سوريا على طول" لإعداد هذا التقرير، فإن الفريق المدعوم من إيران في القوات الحكومية والأجهزة الأمنية هو من "يدفع" باتجاه عملية عسكرية واسعة جنوب سوريا. إذ تعتبر الفرق الرابعة التي يقودها ماهر الأسد شقيق بشار الأسد، والفرقة الخامس عشرة قوات خاصة، والفرقة الخامسة، والمخابرات الجوية، الذراع الإيرانية داخل المنظومة العسكرية والأمنية للنظام.

وترجع المصادر أهداف إيران من ذلك إلى محاولة التوغل في ريف درعا الغربي الاستراتيجي لقربه من الحدود الإسرائيلية، والحدود الشمالية الغربية للأردن.

وأصدرت فعاليات مدنية وعشائرية اليوم الخميس بياناً يؤكد أن "أبناء حوران وعشائرها" يقفون "يداً واحدة وقلباً واحد ضد ما يجري"، وأنهم يرفضون "استقدام الجيش وانتشاره خارج ثكناته بغية الترهيب والتهديد وخلق أعمال عدائية، ونحذّر كل من يهدد ويتوعد باقتحام الجنوب".

وأضاف البيان أن "القرارات ذات التبعية الحاقدة التي تنفذها أجندات طائفية سيئة الصيت ونخص بذلك المليشيات الإيرانية ومن يدور في فلكها، لن تجد لمبرراتها وحججها الواهية سبيلاً للسيطرة على الجنوب وزعزعة أمنه واستقراره وتمزيق نسيجه الاجتماعي بإثارة الفتن والنزاعات".

مستقبل التسويات

في آذار/ مارس الماضي، استهدف مجهولون حاجزاً عسكرياً للقوات الحكومية في محيط مدينة جاسم غرب درعا، هددت الأجهزة الأمنية على إثره باقتحام المدينة وتنفيذ حملة عسكرية وأمنية واسعة فيها، ووصلت فعلاً تعزيزات عسكرية إلى محيط المدينة. لكن "الأمور هدأت بعد عمليات تفاوض مع الأجهزة الأمنية"، بحسب مصدر عسكري سابق في المعارضة متواجد في جاسم.

وأضاف المصدر في حديثه إلى "سوريا على طول"، شريطة عدم الكشف عن اسمه، أن "مستقبل التسويات مربوط بمستقبل سوريا"، معتبراً أنه في "المدى المنظور، أعتقد أن الأمور ستكون جيدة. لكن إذا لم يحصل حل سياسي فإن الوضع سيصبح سيئاً حتماً، لأن منطق الثأر لدى النظام موجود".

وأشار المصدر إلى أن "الموقف الروسي حالياً في الجنوب غير واضح، والاتصال معهم حالياً يتم غالباً عبر الهاتف وبشكل محدود، ويكون في إطار سؤالهم عن الوضع العام في المنطقة".