عمان- بعد استهدافها مواقع للقوات الحكومية والمليشيات المساندة لها في شمال غرب سوريا، رداً على مقتل 34 جندياً تركياً بقصف جوي في إدلب، أعلنت أنقرة على لسان وزير الدفاع خلوصي آكار، في 1 آذار/مارس الحالي، إطلاق عملية "درع الربيع" في سوريا.

سبق ذلك، مطلع شباط/فبراير الماضي، إمهال تركيا لقوات دمشق حتى نهاية الشهر للانسحاب إلى ما بعد نقاط المراقبة التركية. لكن العملية بدأت فعلياً في 27 شباط/فبراير، على خلفية مقتل الجنود الأتراك.

وبحسب تصريحات الوزير آكار من داخل غرفة القيادة العسكرية في ولاية هطاي الحدودية مع سوريا، أسفرت العملية التركية التي وثق جوانب منها فيديو نشرته وزارة الدفاع التركية، عن مقتل "2,212 عنصراً تابعاً للنظام السوري، وتدمير طائرة مسيرة و8 مروحيات، و103 دبابات، و72 مدفعية وراجمة صواريخ". 

وجاءت العملية العسكرية التركية الأخيرة بعد أسابيع من التصعيد العسكري من قبل القوات الحكومية السورية والمليشيات المساندة لها، والذي أفضى إلى سيطرتها على عدد من المدن والبلدات في ريفي إدلب وحلب، تنتشر على جانبي الطريقين الدوليين اللاذقية-حلب (M4) ودمشق حلب (M5)، بما في ذلك مدينة سراقب التي تعد عقدة الوصل بين الطريقين. كما نتج عن ذلك نزوح نحو مليون سوري، منذ منتصف كانون الأول/ديسمبر2019، إلى المناطق الحدودية مع تركيا.

ورغم تزامن الإعلان التركي عن إطلاق "درع الربيع" مع إعلان دمشق إغلاق مجالها الجوي في شمال غرب سوريا، محذرة من أنه "سيتم التعامل مع أي طيران يخترق مجالنا الجوي على أنه طيران معاد يجب إسقاطه"، فإن الواقع يُظهر عجز دمشق عن منع الطائرات التركية من شن غارات جوية، لاسيما مع إسقاط المقاتلات التركية، يوم أمس، طائرتي سوخوي 24 للقوات الحكومية.

وفيما تبدو القوات الحكومية قريبة من السيطرة مجدداً على سراقب، فإن الدعم الجوي التركي مكّن فصائل المعارضة في المقابل من السيطرة، حتى يوم أمس، على 31 منطقة في محافظتي إدلب وحماه كانت قد تقدمت إليها القوات الحكومية مؤخراً، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

أين روسيا من المواجهة؟

بينما أثار استياء وغضب المدنيين في مناطق المعارضة السورية غياب الدور التركي في وقف تقدم القوات الحكومية والمليشيات التابعة لها خلال الأشهر الماضية، وبما أدى إلى محاصرة معظم نقاط المراقبة العسكرية التركية في شمال غرب سوريا، فإن غياب روسيا في مواجهة العملية العسكرية التركية الأخيرة أعاد ملف الاتفاقيات بين البلدين إلى الواجهة، والتي تبدو أكثر تعقيداً بموجب التطورات الحالية.

ويبدو أن أنقرة وموسكو لا ترغبان في مواجهة مباشرة في سوريا. إذ في الوقت الذي تداول فيه ناشطون استهداف روسيا لنقاط تركية أواخر الشهر الماضي، نفت مصادر تركية لـ"سوريا على طول" تعرض قوات بلادهم لقصف روسي، مؤكدة أن القصف مصدره القوات الحكومية السورية. وبحسب آيدن سيزر، المحلل السياسي التركي المستقل، فإن أنقرة "أعلنت رسمياً أن طائرات النظام هي من قتلت جنودنا". وهو ما يؤيده عمر أوزكيزيليك، الباحث في مؤسسة "سيتا" للدراسات البحثية المقربة من الحكومة التركية.

على الطرف الآخر أيضاً، فإن "العلاقات مع تركيا بالنسبة لروسيا أكثر أهمية من سوريا"، برأي سيزر. معتبراً أن هناك "درجة عالية من الترابط بين أنقرة وموسكو، ولا يمكن لأي منهما أن يخاطر بتدهور العلاقات بينهما".

ورداً على آراء محليين ومراقبين بتصاعد المواجهة بين تركيا وروسيا، وهما أحد الضامنين الثلاثة إلى جانب إيران لمحادثات أستانة، قال أوزكيزيليك: "يخطئ العديد من المحللين في اعتبار أن التصعيد في إدلب مع الروس، لأن الحقيقة تقول إن إدلب أكثر أهمية لتركيا من أهميتها للروس. لذا فإن روسيا لا تريد المجابهة المباشرة مع تركيا بشأن إدلب"، مرجحاً اتفاق الطرفين بشأن هذا الملف.

يضاف إلى ذلك نشر روسيا أعداداً قليلة نسبياً من الجنود في سوريا، تقدر بحوالي 500 جندي، بحسب تقرير الميزان العسكري للعام 2020. ما يعني تعرض روسيا لضغوط شديدة إذا ما حاولت نقل أعداد كبيرة من الجنود إلى سوريا، يتعين نقلهم عبر مضيق البوسفور الذي تسيطر عليه تركيا. علماً أن سفينتين حربييتن روسيتين عبرتا المضيق يوم الجمعة الماضي، باتجاه سوريا غالباً، من دون عوائق.

موقف الغرب من العملية التركية

في 14 شباط/فبراير الماضي، عبّر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، عن دعم الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) للقوات التركية في "حقها الدفاع عن نفسها" بمحافظة إدلب. مع ذلك، ما يزال غير واضحاً مدى رغبة هذين الفريقين في مساعدة تركيا في عملية "درع الربيع".

إذ امتنعت الولايات المتحدة عن الرد على الطلب التركي تزويدها بصواريخ باتريوت لنشرها على حدودها الجنوبية مع سوريا، لكنها أكد في المقابل سماحها للدول الأوروبية بنقل منظوماتها من تلك الصواريخ إلى تركيا، إذا ما أرادت ذلك.

في السياق ذاته، وفيما يبدو أنه محاولة لزيادة الضغط على الاتحاد الأوروبي ودول "الناتو"، لدعم الموقف التركي في، فتحت تركيا حدودها مع اليونان أمام اللاجئين السوريين الذين يعيشون على أراضيها،. وبحسب وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، بلغ عدد المهاجرين الذين غادروا أدرنة باتجاه أورووبا، حتى أمس الخميس، نحو 76,358 ألف مهاجر، لكن الأمم المتحدة تقدر العدد بنحو 13,000 شخص.

الأيام القادمة، كما يبدو، ستكون حاسمة في تحديد مستقبل شمال غرب سوريا التي ما تزال تشهد قتالاً عنيفاً، كما مسار العلاقة بين أنقرة وموسكو. إذ فيما دعا الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، أمس الأحد، إلى وقف إطلاق النار في سوريا، وأعاد التأكيد على أن هناك "فقط حلّ سياسي للأزمة"، من دون إعطاء أي إشارات عن مزيد من الدعم لأنقرة في إدلب، فإن من المقرر أن يلتقي أردوغان بنظيره بوتين في 5 آذار/ مارس الحالي لمناقشة التطورات في إدلب.