عمان- في أحدث تجليات معركة البقاء التي تخوضها غالبية السوريين منذ أكثر من ثماني سنوات، يبدو هؤلاء اليوم أقرب إلى اقتصاديين وهم يراقبون سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي. ذلك أنه مع كل هبوط في قيمة الليرة السورية، تتعمق معاناة الجزء الأكبر من السوريين على صعيد تأمين أساسيات الحياة.

وفي خضم الانهيار المتسارع لقيمة الليرة، فقد بلغ سعر صرف الدولار الأميركي، اليوم الثلاثاء، 940 ليرة، بحسب موقع "الليرة اليوم". يقابل ذلك تواصل ارتفاع الأسعار في عموم سوريا، بما في ذلك العاصمة دمشق، على نحو لم يعد المواطن قادراً على تحمله، كما عبرت عن ذلك راما محمد (اسم مستعار)، في حديثها إلى "سوريا على طول"، بقولها: "أنا لم أترك دمشق في ذروة الأعمال العسكرية والحرب، ولكن حالياً بتنا في دمشق نفكر بالهجرة لو تسنت الفرصة". 

بشار الأسد كان أصدر مرسوماً رئاسياً في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، يقضي "بإضافة مبلغ 20,000 ليرة سورية [21,27 دولار] إلى الرواتب والأجور الشهرية المقطوعة لكل من العاملين المدنيين والعسكريين"، في ظل تدهور الليرة وارتفاع الأسعار. وأشار بحث سابق أجراه (المركز السوري لبحوث السياسات) وبالتعاون مع (الجامعة الأميركية في بيروت) أن أجور الموظفين في المؤسسات الحكومية يتراوح بين 30 - 40 ألف ليرة سورية [31,91 - 42,55 دولار]. بينما لا يتعدى متوسط رواتب القطاع الخاص على 65 ألف ليرة سورية [69,14 دولار].

كما وضح البحث أن أكثر من 93% من السوريين يعيشون في حالة فقر من بينهم 60 % في حالة [فقر مدقع].

لكن المرسوم لم يكد يلقى أي صدى إيجابي بين سكان دمشق ومناطق حاضنة النظام، كون رفع الرواتب "لم يساهم في خفض أعباء المعيشة على المواطنين" بحسب راما التي تعمل في أحد متاجر بيع الألبسة". مضيفة أن "كل المواد الأساسية ارتفعت [أسعارها] بين 50 و100 ليرة [0,05 و 0,10] دولار".

أكدت على ذلك عبير الدمشقي، التي طلبت أيضاً عدم الكشف عن هويتها الحقيقية لأسباب أمنية، بأن "الغلاء في دمشق فاحش أساساً، وتحديداً إيجارات المنازل. والآن أصبح الوضع أبشع، ورفع الرواتب لم يقدم شيئاً لأن الليرة غير مستقرة. إذ هبط سعرها وارتفعت الأسعار ولم يعد هناك أي قيمة لرفع الرواتب". 

وشرحت عبير لـ"سوريا على طول" القيمة الشرائية لمبلغ الزيادة التي تضمنها المرسوم الرئاسي الأخير. إذ يعني، بالأسعار الحالية، شراء "أسطوانة غاز [منزلي]، و20 لتر بنزين حكومي [مدعوم] وليس حر، و4 كيلوغرامات سكر، وعلبة زيت، وفروج [دجاجة] واحد، و4 كيلو بطاطا، و4 كيلو أرز، و2 كيلو طحين، و4 كيلو بندورة، و2 كيلو حليب".

إضافة إلى ذلك، يتزامن التراجع الحاد الحالي في القدرة الشرائية للسوريين عموماً، مع دخول فصل الشتاء الذي يضع عليهم أعباء إضافية، لاسيما تأمين الوقود الضروري للتدفئة.

 

شتاء يستعيد أزمة عام مضى

يتذكر الدمشقيون الشتاء المنصرم الذي شهد أزمة على صعيد تأمين مواد البنزين والمازوت (السولار) والغاز المنزلي، لأسباب ما تزال قائمة، ولاسيما فقدان حكومة دمشق السيطرة على آبار النفط والغاز في شرق سوريا، والتي تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إضافة إلى العقوبات الأميركية والأوروبية على دمشق. 

وقد ابتكرت الحكومة العام الماضي نظام "البطاقة الذكية" لتوزيع المحروقات على السوريين بنسب معينة. لكن ذلك لم يخفف أزمة المحروقات، خصوصاً وأن النسب المحددة غير كافية لحوائج المواطنين.

"الحكومة عادت إلى تقنين ساعات الكهرباء. إذ تقوم بقطعها لمدة ساعتين مقابل توصيلها 4 ساعات"، بحسب عبير. وقد بدأ المواطنون "يتهيؤون لأزمة تلوح في الأفق. وتداركاً لذلك أصبحنا نشتري بطاريات من الآن لشحن الكهرباء". 

وإذ اعتبرت أن نظام البطاقة الذكية خطوة جيدة، إلا أنها غير كافية وغير عادلة، كونها "توزع على جميع العوائل بنفس المقدار بغض النظر عن حجم أفراد العائلة. بمعنى أن العائلة المكونة من 3 أشخاص تحصل على القدر نفسه الذي تحصل عليه عائلة من 10 أفراد".

بموجب نظام البطاقة الذكية، تحصل كل عائلة على أسطوانة غاز كل 20 يوم بسعر 2700 ليرة [  2,87 دولار]، و100 لتر من البنزين كل خمسة أيام بسعر 225 ليرة [0,23 دولار] للتر، و200 لتر من المازوت كل 6 أشهر بسعر 180 ليرة [0,19 دولار] للتر. ولا يخفف ذلك من "الوقوف لنصف ساعة إلى ساعة أحياناً أمام مراكز البيع"، كما قالت عبير. لافتة في الوقت ذاته إلى التفاوت في توفر المحروقات بحسب المنطقة. إذ إن "كل شيء متوفر في أحياء المزة والمالكي والمهاجرين وأبو رمانة، وتعتبر أسعارها أعلى طبعاً كونها منطقة الاغنياء والمسؤولين. بينما أبناء الأحياء الأخرى كدمشق القديمة وباب سريجة والميدان وغيرها، يقفون في الدور، وأحياناً نعاني من انعدام المحروقات. وفي الشتاء تزداد معاناتنا بشكل فظيع".

وإلى جانب الأسعار الحكومية بموجب نظام البطاقة الذكية، يعرف السوريون في مناطق سيطرة القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها أسعار "الحر"، أي خارج نظام البطاقة الذكية أو من السوق السوداء. وتبلغ أسعار الحر، كما ذكرت مصادر لـ"سوريا على طول": 3000-4000 ليرة [3,19 - 4,25 دولار] لأسطوانة الغاز، و450 ليرة [0,47 دولار] للتر البنزين، و300 ليرة [0,31 دولار] للتر السولار. 

إضافة إلى ذلك، شمل ارتفاع الأسعار سوق الألبسة، بحيث يبلغ "سعر الحذاء ذو الجودة الرديئة 5,000 ليرة [5,31 دولار]"، بحسب راما. فيما تباع "الجاكيتات الشتوية والمانطو [المعطف] النسوي بـ25 ألف ليرة [26,59 دولار]".

كما تضررت وسائل النقل في دمشق بهبوط الليرة. إذ ترتفع أجرة المواصلات بشكل لم تعد حتى حكومة دمشق قادرة على احتوائها وضبطها، كون سائقي التكسي يضطرون، بسبب عدم كفاية مخصصاتهم بموجب البطاقة الذكية، إلى اللجوء إلى السوق السوداء لشراء حاجتهم من المحروقات بأسعار مضاعفة، وتحميل المواطن فرق الأسعار. 

توقف إنتاج وارتفاع البطالة

يبدو التأثير مضاعفاً لعدم استقرار الليرة أمام الدولار، في حالة المصانع والمشاريع الأخرى، ولاسيما الصغيرة منها. إذ قد يضطر العديد من أصحاب العمل إلى وقف عجلة الإنتاج، وربما تسريح العاملين لديهم أو جزء منهم، بما يعني انقطاع سبل العيش لهؤلاء وأسرهم نهائياً لفترة غير معروفة.

"بحسب علاقاتنا مع موظفين في البنك المركزي، يتوقع الجميع هبوط [قيمة] الليرة أكثر، بحيث يصل الدولار الواحد إلى 1000 ليرة"، كما قال أحد التجار من دمشق لـ"سوريا على طول"، شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية. مضيفاً أنه في ظل الظروف الراهنة "أوقفت الإنتاج مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية. إذ لدي مصنع عصير للأطفال، كنت أبيع العبوة الواحدة بـ50 ليرة[0,05 دولار] . الآن لو بعتها بـ 75 ليرة [0,07 دولار] سأبقى خاسراً". 

وأشار التاجر إلى أن "العديد من التجار قاموا بتقديم طلبات إلى مؤسسة حماية المستهلك الحكومية لرفع أسعار بضاعتهم. وما تزال هذه الطلبات قيد الدراسة". وأن "جميع التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة متفقون على توقف الإنتاج إلى حين وصول إلى حل يحد من الخسارة ويعوضهم، مع تحملهم في هذه المرحلة أعباء صرف رواتب العمال". 

بالنتيجة، كما قالت راما، فإن " المواطن في دمشق لا يمكنه الصمود أمام هذا الغلاء الفاحش من دون الاعتماد على أحد أقاربه في الخارج مالياً".