عمان- في منزل صغير على أطراف مدينة خان شيخون، تهزّ الانفجارات أركانه، تنتظر خديجة أم محمد إمكانية نقلها إلى مركز غسيل للكلى، لاستئناف جلساتها لهذا الأسبوع.

عادة، تتلقى أم محمد، 70 عاماً، العلاج في مشفى المعرّة الوطني، ولكنها هربت من المشفى قبل أن تحصل على جلستها العلاجية، يوم الأحد، خوفاً من استهداف المشفى بغارات جوية، كما حصل في مراكز ومشافٍ طبية أخرى في المنطقة.

واستهدفت غارات جوية مشفى نبض الحياة وكفرنبل الجراحي في ريف إدلب الجنوبي، والوحدة الجراحية في مشفى كفرزيتا بريف حماة الشمالي، أمس الأحد، ما أدى إلى خروجهما عن الخدمة، بحسب بيانين منفصلين لمديرتي صحة إدلب وحماة.

وأعلنت مديرية صحة إدلب، التابعة للحكومة السورية المؤقتة، اليوم الإثنين، عن بدء العمل بنظام الطوارئ في مشافي محافظة إدلب، وبحسب البيان "يتم التركيز خلال هذه الفترة على الحالات الإسعافية والاستشفاء ويتم جدولة العمليات الباردة لفترات لاحقة".

وفي أعقاب استهداف المراكز الطبية، والتصعيد المستمر، على شمالي غرب سوريا، تتضاءل فرص علاج أم محمد في المنطقة، وعليها التوجه شمالاً وتحمّل مشقة السفر للحصول على علاج في المشافي القريبة من الحدود التركية – السورية.

وقال عبد الرحمن، ابن أم محمد لسوريا على طول، عبر تسجيل صوتي على تطبيق واتساب "إذا جاء موعد الجلسة القادمة والقصف مستمر على حاله، يجب أن نأخذها إلى مركز غسيل كلى في منطقة أخرى بعيدة عن القصف".

وفي التسجيل الصوتي الذي حصلت عليه سوريا على طول توقف عبد الرحمن عن الكلام للحظات، وكانت أصوات الانفجارات مسموعة، وفيما يبدو أنها قريبة من مكان تواجده.

وتواصل القوات الحكومة السورية، مدعومة بالطيران الحربي، تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، على شمالي غرب سوريا، لليوم العاشر على التوالي، ما أدى إلى مقتل وإصابة عشرات المدنيين، واستهداف منشآت حيوية.

ونشر اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية UOSSM بياناً، يوم الأحد، أشار فيه إلى زيادة كبيرة في الغارات الجوية والقصف على إدلب وحماة خلال الـ72 ساعة الماضية.

وبحسب البيان "قتل ما لا يقل عن 77 مدنياً في السبعة أيام الماضية، ويتم إخلاء معظم المدن في شمالي حماة بالكامل"، وفي ظل ضعف الاستجابة الإنسانية للنازحين وافتقار المناطق المستهدفة للمخيمات والمساكن للنازحين الجدد "يُترك أعداداً كبيرة بلا مأوى".

واتهم عماد زهران، رئيس شعبة الإعلام بمديرية صحة إدلب، في حديثه لسوريا على طول، القوات الحكومية بالاستهداف المتعمد للنقاط الطبية.

وقال زهران "أبرز الصعوبات التي تواجهنا الاستهداف المباشر للنقاط الطبية، وهذا جلي باستهداف 3 مراكز ومشافٍ طبية في يوم واحد وبشكل مباشر، وتدميرها تدميراً كلياً".

وقال محمد حلاج، المدير المسؤول لفريق "منسقو الاستجابة"، وهو فريق توثيق وتنسيق محلي، لسوريا على طول، أمس الأحد "وثقت فرقنا 43 ألف نازح في الفترة بين 29 نيسان و 4 أيار الجاري".

ويشكّل استهداف المراكز الطبية في شمالي غرب سوريا تحدّ للقطاع الطبي، ويسهم في زيادة أعداد النازحين إلى المناطق الهادئة على الشريط الحدودي مع تركيا.

وقال إبراهيم الشمالي، عضو المكتب الإعلامي في مديرية صحة حماة لسوريا على طول، أن استهداف المراكز الطبية وخروجها عن الخدمة يسهم في موجة نزوح كبيرة من المناطق المستهدفة.

"أعداد من النازحين الذين غادروا منازلهم في ريف حماة الشمالي، بسبب خلو المنطقة من مركز صحي أو نقطة إسعافية تقدم العلاج لهم"، بحسب ما ذكر الشمالي لسوريا على طول.

وأمام موجات النزوح الكبيرة، وتردّي أوضاع النازحين، قرّر حسان الحموي، 40 عاماً، من مدينة كفرزيتا بريف حماة الشمالي، البقاء في منزله رغم القصف الشديد.

ويبعد أقرب مشفى عن الحموي نحو 50 كيلومتر.

وقال إبراهيم الشمالي لسوريا على طول "أقرب مشفى يقدم خدمات إسعافية لأهالي ريف حماة الشمالي، في هذه الحملة، هو مشفى معرة الوطني، ويبعد نحو 50 كيلومتراً".

ويشهد شمالي غرب سوريا، تصعيداً عسكرياً واسعاً، للأسبوع الثاني، بعد ختام الجولة 12 من محادثات أستانة، التي انتهت في أواخر نيسان/ أبريل، دون التوصل إلى اتفاق بشأن اللجنة الدستورية الخاصة بسوريا.

وتضع التطورات الميدانية في شمالي غرب سوريا الاتفاق التركي – الروسي على المحك، وقد يهدد التصعيد العسكري مستقبل الاتفاق، إلا أن عمر أوزكيزيليك، المحلل في مؤسسة "سيتا" في العاصمة التركية أنقرة لا يتوقع انتهاء العمل باتفاق أستانة.

ويرى أوزكيزيليك أن ما يجري في إدلب هو ضغط إضافي من الجانب الروسي على تركيا، ولكن "طالما نقاط المراقبة التركية موجودة في المنطقة، فلن يكون هناك عملية واسعة النطاق في إدلب".

وقال أوزكيزيليك لسوريا على طول، اليوم الإثنين، "تكلفة هجوم النظام على إدلب مرتفعة للغاية بالنسبة لتركيا.. تركيا لن تتراجع".

وكان جنديان تركيان قد أصيبا، يوم السبت، جراء استهداف موقع قريب من نقطة مراقبة تركية في منطقة "خفض التصعيد" بإدلب، وادّعت وزارة الدفاع التركية بأن مصدر القصف أراضٍ تسيطر عليها الحكومة السورية.

وتعدّ الحملة الأخيرة على شمالي غرب سوريا هي الأعنف، منذ توقيع اتفاق موسكو – أنقرة في أيلول/ سبتمبر الماضي، وقال حسان الحموي لسوريا على طول "منذ أربعة شهور ونحن نتعرض للقصف بالقذائف والطيران، ولكن هذه الأيام هي الأعنف".

وختم قائلاً "وين نروح؟!".