رغم الحديث المتزايد عن العائدين..لا يزال اللاجئون السوريون في مخيم الزعتري يخشون مخاطر العودة إلى ديارهم

سوري في مخيم الزعتري الأسبوع الماضي. تصوير وليد النوفل.

أخرج أبو أنور هاتفه المحمول من جيبه ليعرض صور منزله المدمر في مدينة درعا لمراسلي سوريا على طول، يقلب الصور محاولاً إيضاح حجم الدمار الذي لحق بمنزله، ثم يصف مقتل ابنه أمام عينيه بقذيفة صاروخية من قبل قوات الحكومة.

انهمرت دموعه فصّمت قليلاً ثم عاود الحديث بصعوبة بالغة بعد إغلاق فتحة القصبة الهوائية في رقبته والتي تساعده على التنفس (Tracheostomy) "مافي سكن، بيتنا مدمر ومدينتي كلها ركام، وين بدنا نروح". ساد الصمت في بيته الصغير المكون من كرفان من الصفيح الحديدي في مخيم الزعتري.

ويقع مخيم الزعتري للاجئين السوريين، الذي أنشأ عام 2012، في محافظة المفرق شمال الأردن، في منطقة صحراوية نائية ويبلغ عدد سكانه 78 ألف لاجئ بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

واليوم فإن القتال الذي دمر منزل أبو أنور-66 عاماً- ودفعه إلى الفرار من درعا في عام 2012 ، انتهى إلى حد كبير بعد أن شهدت المحافظة هجمات مسلحة واسعة النطاق على مناطق سيطرة المعارضة في وسط وجنوب سوريا، أدت إلى سيطرة الحكومة السورية على معظم أنحاء البلاد - بما في ذلك درعا - في الأشهر الأخيرة.

ولم يكن أبو أنور الوحيد الذي يشغل تفكيره حديث العودة إلى سوريا، ففي كل زاوية في المخيم الصحراوي الفقير، هناك حديث عن العودة والتجنيد الإجباري والاعتقال. وهناك تصبح للشائعات قدرة على الانتشار والتناقل بين السكان بشكل أسرع من المتوقع، نظراً للحياة الاجتماعية القوية بين سكان المخيم.

وزار مراسلا سوريا على طول مخيم الزعتري الأسبوع الماضي، وأقاما هناك خمسة أيام في محاولة لفهم الحياة وآراء الناس بالعودة إلى سوريا، وتنقّل المراسلان في الأسواق وملاعب كرة القدم والمساجد والمحال التجارية، حيث يشغل ملف "إعادة اللاجئين" معظم سكان المخيم، ويقول الناس هناك إنه "حديث الساعة".

وأثارت التطورات الكاسحة للحكومة، واستعادة دمشق السيطرة على غالبية البلاد تساؤلات حول مصير ما يقدر بـ 5.6 مليون لاجئ سوري نزحوا إلى الدول المجاورة وخارجها.

وفي الشهر الماضي، أعلنت الحكومة الروسية عن خطط لفتح مركز في سوريا لتسهيل عودة الآلاف من السوريين إلى وطنهم، حيث صرح جنرال روسي بأن حوالي 900،000 سوري سيمكّنهم العودة إلى سوريا في الأشهر المقبلة.

ورغم تأكيدات الحكومة الأردنية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بـ"العودة الطوعية"، إلا أن الأمر مازال يشكل هاجساً يؤرق تفكير اللاجئين السوريين في الأردن، ويأتي ذلك بعد تصريحات رسمية روسية وزيارات لدول الجوار السوري والاتحاد الأوروبي من أجل إقناع المجتمع الدولي بضرورة إعادة اللاجئين وأن الحرب وضعت أوزارها.

وكان المبعوث الروسي الخاص إلى سوريا، ألكسندر لافرينتييف، حثَّ في تموز الماضي اللاجئين السوريين على العودة إلى بلادهم، مؤكداً أنهم "لن يواجهوا أي تهديدات" من حكومة الرئيس بشار الأسد أو الأجهزة الأمنية السورية.

وجاء رد الحكومة الأردنية مباشراً على لسان وزير الخارجية أيمن الصفدي، أن بلاده لن تجبر اللاجئين السوريين على العودة إلى بلدهم، مشدداً في حديث لفضائية أردنية أن "المملكة تعمل مع شركائها من أجل إيجاد البيئة التي تسمح بالعودة الطوعية للاجئين".

وكانت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وضعت 21 شرطاً لعودة اللاجئين السوريين إلى منازلهم، أبرزها: "ضمان الأمن والاستقرار، وصدور العفو، والتعامل مع مسألة الفارين من التجنيد، ومسألة الملكيات، إضافة إلى مسألة القانون رقم 10"، حيث أصدر النظام السوري العام الحالي القانون رقم 10، الذي يطالب مالكي العقارات بالمناطق التي شهدت مواجهات وتدميرا كبيرا "بتقديم الوثائق التي تثبت ملكيتهم إن رغبوا في إعادة البناء أو المطالبة بتعويضات".

وتؤكد الأمم المتحدة أن الأوضاع في سوريا "لا تفي" بعد بالشروط الخاصة لعودة اللاجئين.

المنظر من حديقة أبو أنور الأمامية في مدينة درعا. الصورة بإذن من أبو أنور.

ويتخوف الكثير من اللاجئين من الاعتقال والسوق للتجنيد الإجباري، لاسيما الذين تعرضوا منهم لحوادث اعتقال وتعذيب في سجون الأجهزة الأمنية السورية.

وفي بعض المناطق التي استردتها القوات الحكومية مؤخراً، ظهرت تقارير عن عمليات اعتقال جماعي والتجنيد والاحتجاز، مما أدى إلى تفاقم مخاوفهم، ولأجل ذلك يرفض أبو أنور العودة، "مابرجع وهذا النظام يحكم سوريا" مستشهداً بحادّثتي اعتقال وتعذيب تعرض لهما خلال السنوات الأولى للثورة السورية على يد الأجهزة الأمنية.

وصرح أبو أنور "بلد مافيها قانون ولا دستور، عصابة تحكم مصير الناس، دمروا البلد، كيف بدي أرجع ولمين بدي أشتكي للشرطة الروسية، ما هي شريكة بالجريمة" ثم يمسك يد مراسل سوريا على طول ويضعها على رقبته وأضلاعه مبيناً آثار التعذيب والكسور التي ماتزال على جسده بعد مضي ست سنوات عليها.

"انتظار المعركة الأخيرة"

على الرغم من التفكير الطويل بالعودة إلا أن غالبية اللاجئين في مخيم الزعتري لم يحسموا بعد قرار العودة إلى سوريا، وينتظر خمسة من المصادر الذين التقى بهم مراسلا سوريا على طول إنتهاء المعارك في سوريا من أجل "حسم" القرار النهائي.

وقال نايف حمدان، 33 عاما، أب لثلاثة أطفال ويعيل والدّاه الطاعان في السن، "أفكر بالعودة، لأني أنهيت الخدمة الإلزامية بالجيش" إلا أن حمدان ينتظر حتى "تتضح الأمور" خوفاً أن يكون "مطلوبا للاحتياط"، ويتوقع أنه حتى تشرين الأول القادم قد تكون صورة الحياة والوضع الأمني جنوب سوريا بدت أكثر وضوحاً.

بينما ينتظر عبيدة سيف، 28 عاما، أب لطفل، ويعمل لدى منظمة دعم نفسي في مخيم الزعتري "إنتهاء المعارك في سوريا بشكل كامل"حتى يقرر العودة، ففي الوقت الحالي يخشى من التجنيد الإجباري أو أن يساق لـ"القتال في معركة إدلب".

ويبدو أن الحكومة وضعت نصب عينيها محافظة إدلب الشمالية الغربية، التي تسيطر عليها فصائل المعارضة، حيث ألمح مسؤولون في دمشق في الآونة الأخيرة إلى عملية عسكرية وشيكة تهدف إلى استعادة السيطرة على المحافظة.

ولا تزال القوات الحكومية والميليشيات المتحالفة معها تتبادل الإشتباكات مع فصائل المعارضة على مشارف محافظة إدلب، في حين أفادت وسائل الإعلام الموالية للحكومة بوجود حشود عسكرية ضخمة للقوات الحكومية في المنطقة.

"البحث عن ضمانات حقيقة"

يتابع فوزي سالم، 41 عاما، أب لسبعة أولاد ويقيم في مخيم الزعتري، الوضع في الجنوب بشكل دائم من خلال الحديث مع أقاربه في ريف درعا، ويحاول السؤال عن الحياة والوضع الأمني من أجل اتخاذ القرار المناسب.

ويرفض سالم العودة في الوقت الراهن، فـ"المصير مجهول وغامض جداً"، حيث يخشى على أولاده "غياب الآمان والاستقرار"، وينتظر كما كثير من الأشخاص الذين التقت بهم سوريا على طول في مخيم الزعتري وجود "ضمانات حقيقية، وأمان".

وقالت نداء ياسين، مسؤولة العلاقات الخارجية للمفوضية السامية للأمم المتحدة وشؤون اللاجئين، الثلاثاء، لسوريا على طول، أن المفوضية السامية "لا تشجع ولا تساعد أي قرار لعودة اللاجئين إلى أوطانهم خاصة في ظل الأوضاع الأمنية الغير مستقرة".

محمصة في مخيم الزعتري الأسبوع الماضي. تصوير وليد النوفل.

وأضافت المسؤولة أن المفوضية تقوم بـ"تقديم المشورة" للاجئين الراغبين بالعودة طوعاً وتنصحهم بـ"عدم العودة في الوقت الراهن".

ومع ذلك ، فقد بدأت بالفعل عمليات العودة في بعض البلدان المجاورة. وفي لبنان، حيث يقدر أن واحدا من كل ستة أشخاص هو لاجئ سوري، قال الرئيس ميشال عون لوفد الاتحاد الأوروبي في مايو أن بلاده سوف تسعى إلى "حل" لأزمة اللاجئين مع أو بدون دعم الأمم المتحدة.

وأكدت المسؤولة أنه خلال شهر تموز "لم يكن هناك أي عائد لسوريا"، بينما وثقت المفوضية 17 ألف عائد منذ عام 2016 حتى حزيران 2018.

ووفق ياسين فأنه "ليس هناك تنبؤ" لدى المفوضية بخصوص عودة اللاجئين لاعتماد القرار على الوضع السياسي والأمني في المنطقة.

"الخوف من الضغوطات"

يتخوف غالبية اللاجئين في مخيم الزعتري من ممارسة ضغوطات عليهم من أجل إجبارهم على العودة. ويربط الناس فكرة "الضغوطات" بقرار منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) فصل 675 مدرساً سورياً من المدارس التابعة لها داخل مخيم الزعتري في تموز الماضي.

وقال روبرت جانكنز، ممثل اليونيسف في الأردن لـ"Jordan Times" أن "يونيسف ستستمر في دعم الأطفال للحصول على فرصة التعليم، وتنسق بشكل وثيق مع وزارة التعليم وشركائها للتأكد من ضمان عودة المدارس بالوقت المحدد ونفس الجودة".

وأضاف جانكنز أن "ما يقارب 28 ألف طالب في مخيمي الأزرق والزعتري جاهزين للعام الجديد، رغم تقارير عن عدم وجود تمويل لمساعدي المدرسين في المخيمات".

وأشار جانكنز أن "يونيسف ليس لديها تمويل لمساعدي المدرسين، لكنها ستستمر بجمع الأموال، ونحن متفائلين بأننا سنكون قادرين على الاستمرار وإعادة المساعدين في شهر إيلول".

أبو تميم، 65 عاما، مدرس في مدرسة ريفير انترناشيونال الأمريكية داخل مخيم الزعتري، لديه ولد وبنت، فصل من عمله قبل 3 أشهر لـ"عدم وجود دعم" ويعتقد أن هذه القرارات هي "للضغط على اللاجئ حتى يتخذ قرار العودة بشكل طوعي". وأنها "طرق ملتوية للتضييق علينا".

ويتخوف أبو تميم من توقف المنحة الدراسية التي حصلت عليها ابنته في جامعة الزرقاء الأردنية في محاولة للضغط على اللاجئين، لاسيما أنه لا يستطيع تحمل مصاريف الجامعة "ما رح أصرف على الجامعة من نفقتي الخاصة لأنه أساساً مامعي".

وقالت نداء ياسين، مسؤولة العلاقات العامة في المفوضية السامية، لسوريا على طول، أن "إنقاص أو إيقاف الدعم المقدم من المفوضية للاجئين يعتمد كلياً على المانحين ودعم المجتمع الدولي لأزمة اللاجئين في الأردن"، لذا فإن المفوضية تقوم بـ"إعطاء الأولوية لكبار السن والأطفال الغير مصحوبين وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى والنساء المعيلات لأسرهن عند نقص الدعم والتمويل للمفوضية".

ويرفض أبو تميم العودة حتى في حال حصول ضغوطات "مابرجع حتى تنفذ كل الخيارات"، وأضاف "أنا هون كرمال ولادي بالدرجة الأولى".

 

وليد النوفل

من مدينة إنخل بريف درعا، عمل كناشط إعلامي وعضو في المكتب الإعلامي في مدينته، ثم عمل مع العديد من المؤسسات الإعلامية الثورية، يسعى إلى تسليط الضوء على القضايا التي تخدم السوريين عبر نشر تقارير عن الأحداث الجارية في سوريا.

محمد عبدالستار إبراهيم

من محافظة الحسكة، مدينة عامودا، انتقل محمد إلى الأردن في عام 2004 بعد الأنتفاضة الكردية آنذاك ضد نظام البعث. مع بداية الثورة في الداخل السوري عمل ناشطاً مع تنسيقية الثورة السورية في الأردن. وانتقل فيما بعد إلى النشاط الإغاثي والتعليمي والدعم النفسي. ويسعى إلى تعلم الصحافة لنقل الحقيقة كما هي. ومحمد كاتب قصصي وروائي.