عمان- قبيل أيام على مرور الذكرى السنوية الأربعين لمجزرة سجن تدمر الصحراوي، والتي وقعت أحداثها في 27 حزيران/يونيو 1980، وشكلت واحدة فقط من المجازر التي ارتكبتها "سرايا الدفاع" بإمرة رفعت الأسد في سوريا، أصدر القضاء الفرنسي، الأربعاء الماضي، 17 حزيران/تموز، حكماً بالسجن أربع سنوات على رفعت الأسد، ومصادرة جميع ممتلكاته في فرنسا، البالغة قيمتها 90 مليون يورو، على خلفية اتهامه بالإثراء غير المشروع واختلاس أموال عامة من سوريا قبل نفيه منها في ثمانينات القرن الماضي.

وربما من قبيل المصادفة التي قد تحمل، رغم ذلك، رسائل سياسية لعائلة الأسد عموماً، جاء الحكم على عم بشار الأسد في يوم دخول قانون "قيصر" الأميركي الذي يفرض عقوبات على المتعاملين مع الحكومة السورية، حيز التنفيذ. وتضمنت القائمة الأولى للمعاقبين بموجب "قيصر" 39 شخصاً وكياناً، أبرزهم بشار الأسد وزوجته أسماء الأخرس، وشقيقه ماهر الذي يقود الفرقة الرابعة والتي أدرجت بدورها على قائمة العقوبات. علماً أن هذه الفرقة كان قد ترأسها في ثمانينات القرن الماضي رفعت الأسد تحت مسمى "سرايا الدفاع"، إلى أن يتم تحويل الاسم إلى الفرقة "الرابعة"، مستعيدة ذات السمعة السيئة والوحشية لسرايا الدفاع مع اندلاع الثورة السورية تحديداً، في آذار/مارس 2011.

عقود من الصمت والحماية

لم تبدأ محاكمة رفعت الأسد في فرنسا إلا في نيسان/أبريل 2014، أي بعد أكثر من ثلاثة عقود على مغادرته سوريا محملاً بأموال لا ينافس حجمها إلا بشاعة الجرائم التي ارتكبها في سوريا منذ انقلاب شقيقه الأكبر حافظ الأسد، وتوليه السلطة في العام 1970.

وقد جاءت المحاكمة بفضل شكاوى تقدمت بها منظمتان غير حكوميتان متخصصتان في ملاحقة الفساد، هما منظمة شيربا (Sherpa) في باريس، والفرع الفرنسي لمنظمة "الشفافية الدولية" التي يتواجد مقرها الرئيس في العاصمة الألمانية برلين. في الأثناء، صودرت، في آذار/مارس 2018، ممتلكات رفعت الأسد، المعروف بـ"ذئب العقارات"، في إسبانيا، وقدرت قيمتها بنحو 600 مليون يورو، بعد أن أمرت المحكمة الإسبانية العليا، في نيسان/أبريل 2017، بفتح تحقيق مع رفعت بتهمة غسيل أموال. كما جمدت بريطانيا، في أيلول/سبتمبر 2017، أصول رفعت بموجب أمر قضائي.

وفيما تركزت التحقيقات الأوروبية في بلدان إقامة رفعت الثلاثة خصوصاً، وهي إسبانيا وبريطانيا وفرنسا، على فساده المالي، فقد غابت بشكل شبه كامل التحقيقات بشأن ارتكابه جرائم في سوريا، ربما باستثناء تحقيق فتحه القضاء السويسري في العام 2013 للنظر في تلك الجرائم.

وبحسب منظمة "شيربا"، تقدّر ثروة رفعت الأسد بنحو 160 مليون يورو، الأمر الذي لا يمكن تفسيره من خلال رواتبه المستحقة وعائداته المالية المتأتية من أنشطته السياسية والمهنية المعروفة حتى الآن. ولتكون كل هذه الأصول أو جزء منها، بالتالي، نتاج أفعال فساد أو جرائم اختلاس في ظل النظام الذي عاش فيه (حكم شقيقه حافظ الأسد) قبل نفيه العام 1984.

وبحسب عبد الحليم خدام، نائب حافظ الأسد وابنه بشار، حتى انشقاقه عن الأخير في العام 2005، فقد تلقى رفعت قبل مغادرته سوريا في العام 1984، مبلغ 400 مليون دولار أميركي من خزينة الدولة، منها 300 مليون دولار كانت قرضاً من ليبيا وتم تسديده من خزينة الدولة فيما بعد.

كذلك، لا تقتصر الشبهات بشأن مصدر ثروة رفعت الأسد على أنها أموال منهوبة من سوريا والسوريين، بل تشمل أيضاً، كما جاء في شهادة للباحث دينس أيزنبيرغ أمام مجلس النواب الأميركي، إتجاره بالمخدرات، واستخدامه طائرات الجيش السوري العمودية (هليكوبتر) لتسريع توزيع المخدرات على مستوى دولي.

"جزار حماة"

بدأ ظهور رفعت الأسد، المولود في بلدة القرداحة بريف اللاذقية، في 22 آب/أغسطس 1937، بعد استيلاء حزب البعث العربي الاشتراكي على الحكم في سوريا عبر انقلاب عسكري في 8 آذار/مارس 1963، كان شقيقه حافظ أحد قادته، إلى جانب أربعة ضباط آخرين عُرفوا باسم اللجنة العسكرية. إذ بعد نجاح الانقلاب، نُظمت دورة للضباط باسم "دورة البعث الأولى"، ضمت عدداً من أقارب أعضاء تلك اللجنة، من بينهم رفعت الأسد، لتعويض النقص الحاصل في مناصب أمنية وعسكرية حساسة نتيجة تسريح الانقلابيين لعدد من الضباط غير الموثوق بولائهم.

في حرب حزيران 1967 التي احتلت إسرائيل بنتيجتها مرتفعات الجولان السورية -إضافة إلى الضفة الغربية التي كانت جزءاً من الأردن، وقطاع غزة، وصحراء سيناء المصرية- واتهم حافظ الأسد، الذي كان وزيراً للدفاع آنذاك، بالمسؤولية عن الهزيمة لأنه تعجل على الأقل في إعلان الانسحاب من الجولان، كان رفعت قائد كتيبة دبابات. وقد كانت هذه الكتيبة، إلى جانب اللواء 70 مدرعات بقيادة العقيد عزت جديد، من أولى التشكيلات العسكرية السورية المنسحبة من الجولان. 

رغم ذلك، تقلد رفعت مناصب عدة لاحقاً، من قبيل رئاسة المحكمة الدستورية، وعضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، وصولاً إلى نائب رئيس الجمهورية. لكن يبقى أبرز مناصبه العالقة في أذهان السوريين إلى الآن، نتيجة دمويتها ووحشيتها، هو قيادة "سرايا الدفاع"، أقوى فرق الجيش السوري آنذاك، وأكثرها تلقياً للدعم.

إذ بعد انقلاب حافظ الأسد على رفاق الحزب في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1970، وإعلان نفسه تالياً رئيساً للجمهورية، أعاد هيكلة الجيش وتنظيم أقسامه التسعة في ثلاث فرق مرتبطة بهيئة الأركان العامة، فيما أوكلت قيادة سرايا الدفاع لرفعت، وبحيث لا تخضع لإمرة هيئة الأركان. وقد تشكلت الفرقة من ثمانية ألوية للمشاة والمظليين، وامتلك طائرات مروحية وآليات عسكرية ثقيلة بما في ذلك دبابات، إضافة إلى تمتع عناصرها الذين اشتهروا بإجرامهم، بامتيازات خاصة.

وفيما لا يزال يرتبط اسم رفعت الأسد بـ"سرايا الدفاع"، يرتبط ذكر الأخيرة ببعض من أبشع المجازر في تاريخ سوريا الحديث. من ذلك، مجزرة سجن تدمر، في 27 حزيران/يونيو 1980، بحق 1,000 سجين سياسي، غالبيتهم من الإسلاميين، رداً على تعرض حافظ الأسد لمحاولة اغتيال. وليعقب ذلك بسنتين المجزرة الأكبر في سجل رفعت وسرايا الدفاع، وهي مجزرة حماه التي استمرت على امتداد شهر شباط/فبراير 1982، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 30 ألف إنسان، بحسب ما ذكرت اللجنة السورية لحقوق الإنسان، إضافة إلى آلاف المعتقلين الذين لا يعرف مصير غالبيتهم حتى اليوم. وأضيف لهم أكثر من 100 ألف معتقل منذ انطلاق ثورة 2011.

محاولة الانقلاب على حافظ

بقي رفعت الأسد الذراع الأمنية الأشد بطشاً التي استخدمها شقيقه حافظ في مواجهة السوريين، إلى أن تعرض الأخير لوعكة صحية أواخر العام 1983، أدخل على إثرها إلى المستشفى، واستدعت تشكيل حافظ لجنة سداسية لإدارة البلاد، ضمت رئيس الوزراء عبد الرؤوف الكسم، ووزير الدفاع مصطفى طلاس، ووزير الخارجية عبد الحليم خدام، ورئيس الأركان حكمت الشهابي، والأمين المساعد للقيادة القومية لحزب البعث عبد الله الأحمر، والأمين المساعد للقيادة القطرية لحزب البعث زهير مشارقة. لكن رفعت، الذي كان برتبة لواء وعضواً في القيادة القطرية لحزب البعث، رفض اللجنة لعدم وجود علويين فيها، بحسب ما يذكر د. بشير زين العابدين في كتابه "الجيش والسياسة في سوريا"، مستفيداً في ذلك من قاعدته القوية في الجيش، ليعبّر مع ضباط علويين آخرين عن رفض الانصياع لأوامر اللجنة. وبحيث دعا هؤلاء إلى عقد اجتماع طارئ لتحل قيادة عسكرية محل اللجنة السداسية.

وقد شكلت هذه الحادثة منعطفاً في العلاقة بين الشقيقين. إذ فور خروج حافظ الأسد من المستشفى، استعاد ولاء الضباط المشاركين مع أخيه، بحسب زين العابدين، وعيّن ثلاثة نواب لرئيس الجمهورية من بينهم رفعت الأسد، إلى جانب كل من زهير المشارقة وعبد الحليم خدام. فيما الأهم كان انتزاع قيادة سرايا الدفاع التي كان قد بلغ تعداد المنضوين نحو 55 ألف مقاتل. وهو ما دفع رفعت إلى إعلان تمرد جديد أواخر آذار/مارس 1984.

رداً على ذلك، أمر حافظ الأسد بنشر الجيش في دمشق، في أكبر حشد عسكري تشهده العاصمة خلال حكمه. لكن لتجنب المواجهة، أجرى حافظ الأسد اتصالات سرية مع قيادات في سرايا الدفاع، من بينهم اللواء بهجت سليمان الذي سيتولى لاحقاً منصب مدير المخابرات العامة، ونجح في منع تحرك آليات وعناصر رفعت.

وبحسب رواية زين العابدين، والتي يؤكد بعض تفاصيلها دريد رفعت الأسد، أرسل حافظ الأسد 70 ضابطاً من سرايا الدفاع إلى الاتحاد السوفيتي، على رأسهم رفعت الأسد، ثم استدعى الأسد الضباط من دون شقيقه الذي بقي، مع ذلك، محتفظاً بمسمى نائب رئيس الجمهورية حتى العام 1996، وكان قد عاد إلى سوريا في العام 1992، للمشاركة في مراسم دفن والدته. 

توق لوراثة رئاسة سوريا

بعد سنوات من استقراره في أوروبا، أعاد رفعت الأسد تفعيل دوره العام. إذ أنشأ في العام 1997 حزب "الشعب السوري"، وأصدر مجلة أسبوعية بالاسم نفسه. كما أطلق، في العام ذاته، محطة "شبكة الأخبار العربية (ANN)" الفضائية التي تبث من لندن. 

قوبل هذا النشاط المتزامن مع تدهور صحة حافظ الأسد ومقتل ابنه الأكبر باسل بحادث سيارة في العام 1994 بعد سنوات من إعداده لوراثة رئاسة سوريا، بإقالة رفعت من منصب نائب رئيس الجمهورية في العام 1998. تبع ذلك، في العام 1999، اندلاع ما يسمى "حادثة الميناء"، عقب مداهمة قوات الأمن حاجز ميناء في اللاذقية يعود لرفعت، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات في المدينة، لم تلبث أن انتهت بسيطرة الأجهزة الأمنية على الميناء، واعتقال نحو 1000 شخص من أنصار رفعت في دمشق واللاذقية.

لاحقاً أيضاً، أسس رفعت في باريس في العام 2005، "التجمع القومي الموحد". ثم في العام الأول الأول للثورة السورية، طالب ابن أخيه بالتنحي وتسليم الحكم لشخص من النظام، مستهجناً في تصريح متلفز لاحق، تمسك بشار بنزف الدماء. 

في العام 2011، أعلن رفعت تأسيس المجلس الوطني الديمقراطي السوري، باعتباره حزباً معارضاً. تلا ذلك في العام 2013 عقده اجتماعاً في موسكو، الأمر الذي فُسر على أنه محاولة لإيجاد بدلاء لبشار الأسد. 

وفي الخلاف الأخير بين زوجة بشار الأسد وابن خاله رامي مخلوف، عاد اسم رفعت إلى الواجهة عبر ابنه دريد. إذ رغم تأكيده على أن أباه نأى بنفسه عما يجري في الداخل السوري منذ 36 عاماً، فإنه أكد تطلع رفعت إلى "بناء سوريا التي تتشارك بها جميع القوى السياسية الوطنية، عبر عملية سياسية شاملة ترعى المشاركة الحقيقية في صنع مستقبل سوريا وأجيالها". 

هذه الرؤية لـ"جزار حماة"، عبر ابنه، تأتي على الرغم من أن "ما حصل في حماة في عام 1982، وما تبعه من صمت دولي مطبق، بل وفتح أبواب أوروبا لأحد أهم المشرفين على المجزرة، مجرم الحرب رفعت الأسد، ساعد في التأسيس لسنوات الدم التي عرفتها سورية منذ عام 2011 وحتى الآن"، كما جاء في بيان للجنة السورية لحقوق الإنسان.