عمان- بعد جدل واستياء واسعين أثارهما قرار حكومة دمشق، ممثلة بوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، رفع السعر المدعوم من خلال "البطاقة الإلكترونية" لمادتي السكر والأرز بأكثر من 100%، عادت الوزارة إلى تحديد سعر المادتين بزيادة عن السعر الأصلي لكن أقل مما نص عليه قرار تعديل الأسعار السابق في 1 تموز/يوليو الحالي.

واعتباراً من يوم أمس، السبت، بدأ العمل بالتسعيرة الجديدة التي حددتها الوزارة، بحيث صار سعر كيلو السكر 500 ليرة سورية (0.20 دولار أميركي، بحسب سعر الصرف في السوق السوداء المقدر بحوالي 2,500 ليرة للدولار) بعد أن كان 350 ليرة (0.14 دولار)، فيما أصبح سعر كيلو الأرز 600 ليرة (0.24 دولار) مقارنة بـ400 ليرة (0.16 دولار) سابقاً. وكان يفترض بحسب القرار الأسبق برفع  الأسعار بيع كيلو السكر بـ800 ليرة (0.32 دولار) والأرز بـ900 ليرة (0.36 دولار).

لكن هذا الرفع لا يعدو أن "يكون أولياً"، بحيث "سيستمر، كما سيطال أصنافاً أخرى"، بحسب ما يرى خالد تركاوي، الباحث في مركز جسور للدراسات بتركيا. 

ويضيف تركاوي في حديثه إلى "سوريا على طول"، أن تغير الأسعار، رفعاً ثم تخفيضا، مسألة "غير ثابتة أيضاً، لأن [النظام] ربما استفاد من الكميات القديمة المخزنة لديه، لكنه سيرفع الأسعار بمجرد نفاد المخزون ووصول كميات مستوردة بحسب أسعار الصرف الجديدة".

في هذا السياق أيضاً، يلاحظ أن قرار وزارة التجارة المحلية وحماية المستهلك "المتوقع"، كما وصفه خبراء اقتصاديون لـ"سوريا على طول"، جاء مناقضاً لتوصيات رئيس مجلس الوزراء، حسين عرنوس، خلال اجتماعه مع غرف التجارة، الأربعاء الماضي، بضرورة تخفيض أسعار المواد الأساسية. وهو ما يفسر الغضب الذي عبر عنه سوريون في مناطق سيطرة النظام عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ عدا عن أن رفع الأسعار يعمق معاناة المواطنين، فإنه يتنافى مع وعود الحكومة وتوصياتها.

ويمثل رفع سعر كل من السكر والأرز أول تداعيات دخول قانون "قيصر" للعقوبات الأميركية على المتعاملين مع الحكومة السورية حيز النفاذ، والذي استدعى إجراء مصرف سورية المركزي تعديلاً على سعر الصرف الرسمي لليرة بحيث تم رفعه من 700 ليرة إلى 1250 ليرة للدولار، وبما يعني "توحيد جميع أسعار نشرات سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية الصادرة عن [المركزي] يومياً وتستخدمها الفعاليات الاقتصادية في إتمام معاملاتها المالية"، بحسب ما جاء في بيان المصرف بهذا الشأن. 

وكان "المصرف المركزي" سمح في شباط/فبراير الماضي للمؤسسة السورية للتجارة باستيراد 11 سلعة أساسية، من بينها السكر والأرز، بسعر الصرف الرسمي المحدد آنذاك بـ435 ليرة للدولار، فيما سمح للبنوك العامة والخاصة بتمويل 41 سلعة من قبيل القمح وحليب الأطفال بالسعر التفضيلي المحدد آنذاك بـ700 ليرة. وفيما كانت "البطاقة الذكية" مخصصة لدعم المحروقات وإسطوانات الغاز، وسعت وزارة "التجارة الداخلية"، في الشهر ذاته، الدعم عبر البطاقة ذاتها لسلع أساسية أخرى هي السكر والأرز والشاي، لكن بكميات محدودة؛ إذ يُسمح لكل عائلة بشراء ثلاثة كيلوغرامات من الأرز شهرياً، وأربعة كيلوغرامات من السكر، وكيلوغرام واحد من الشاي، بأسعار مدعومة.

اقتصاد ضد المواطن

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، أصدر بشار الأسد مرسوماً تشريعياً يقضي بدفع علاوة للعاملين المدنيين والعسكريين في المؤسسات الحكومية بقيمة 20,000 ليرة. وقد جاء المرسوم بالتزامن مع تسجيل العملة السورية أدنى مستوياتها آنذاك بحوالي 750 ليرة للدولار. لكن فيما كانت تلك العلاوة تعادل 26.5 دولار عند إقرارها، فإنها اليوم لا تزيد عن ثمانية دولارات.

فوق ذلك، "اتخذ المصرف المركزي إجراءين من شأنهما تقليل سرعة استنزاف الكميات المتوفرة لديه من القطع الأجنبي، أولها رفع سعر الصرف لغالبية التعاملات المالية من 700 ليرة إلى 1,250 ليرة للدولار، أما الثاني فتقليص المواد الأساسية التي يشملها سعر الصرف الجديد المحدد بـ1,250 ليرة، ما يضطر المستوردين لهذه السلع إلى شراء الدولار من السوق السوداء بسعر أعلى"، كما يقول الباحث الاقتصادي كرم الشعار. موضحاً أنه فيما من شأن ذلك "تقليص حاجة المصرف المركزي للقطع الأجنبي، فإنه سيؤدي إلى زيادة التضخم بسبب أسعار المستوردات"، وتالياً تفاقم تردي أوضاع المواطنين السوريين. 

وبالنتيجة، يعني ذلك أن النظام، بطريقة أو بأخرى، قدم المواطنين قرابين لقانون "قيصر" الذي "يستثني مواداً غذائية ودوائية من العقوبات، لكنه يؤثر على المدنيين" بحسب الشعار، إذ إن "العقوبات تؤثر على سعر صرف الليرة، وسعر صرفها ينعكس على أسعار المواد الأساسية".

وكان بشار الأسد شدد، خلال اجتماعه مع "المجموعة الحكومية المعنية بمواجهة جائحة كورونا وتداعياتها" في أيار/مايو الماضي، على دور التجار في تفاقم غلاء الأسعار، متجاهلاً تأثير تواصل انهيار العملة الوطنية. لكن استمرار هبوط قيمة الليرة، ما يعني رفع أسعار السلع الأساسية أو تخفيض دعمها، من شأنه تقليل الفجوة بين أسعار تلك السلع في الأسواق العامة ومنافذ المؤسسة السورية للتجارة التي توفر السلع المدعومة، وبحيث تفقد الأخيرة ميزتها الوحيدة التي كانت تدفع الناس إلى الشراء من خلالها، علماً أن كثيراً من السلع، بما في ذلك المخصصات الأساسية المدعومة للمواطنين، لا تتوافر في المؤسسة غالباً.

واستمرار رفع أسعار السلع الأساسية، بما في ذلك تلك المدعومة من الحكومة، يعني وقوع السوريين بين فكي كماشة "الصمود" الذي دعت إليه بثينة شعبان، المستشارة الإعلامية لبشار الأسد، وعجز نظام لا يفكر إلا ببقائه في السلطة والحصول على مكتسباته منها.