سكان مدينة الرقة: انتشار"غير مسبوق" للمخدرات بعد الخلاص من حكم تنظيم الدولة

لافتة تحذر من خطورة تعاطي المخدرات في الرقة في 4 آب. الصورة من بلدية الشعب في الرقة.

عندما يتجول محمد منير، المقيم في الرقة، في شوارع مدينته المدمرة غالباً مايشاهد لافتات مزعجة، لا تحذر من وجود ركام أبنية أو ألغام غير متفجرة تحت الأنقاض، بل لافتات تحذير من تعاطي المخدرات المتزايدة في العاصمة السابقة لتنظيم الدولة.

وقال المنير "أرى يومياً شباب من مختلف الأعمار مستلقين في الشوارع دون وعي أو اتزان وأشعر بحرقة وغصة مما أراه".

وأضاف، الشاب البالغ من العمر 30 عاماً "حتى أثناء حكم داعش لم نكن نرى شبابنا في هذه الحالة".

وانتهى حكم تنظيم الدولة في الرقة في أواخر العام الماضي بعد أشهر من الهجوم الجوي والبري الذي شنته القوات التي يقودها الأكراد والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

وبالرغم من عدم توفر إحصاءات رسمية تشير إلى مدى انتشار تعاطي المخدرات أو حالات الإدمان في المحافظة الشمالية الشرقية، إلا أن العديد من السكان والمسؤولين المحليين أكدوا لسوريا على طول أن الرقة تشهد سوقاً متنامياً من المواد الغير مشروعة، بدءاً من الأدوية الموصوفة إلى الحبوب والحشيش، والتي أصبحت شائعة خصوصاً بين شباب المدينة.

وفي منطقة كان انتهاك الحظر المفروض من قبل تنظيم الدولة على المخدرات والكحول والسجائر، قبل بضعة أشهر فقط، يؤدي إلى عقوبات صارمة بما في ذلك الجلد والغرامات والإعدام، فإن انتشار المخدرات يسلط الضوء على مدى الصعوبات والتحديات، الإجتماعية وكذلك السياسية، التي يواجهها السكان خلال الفترة الانتقالية بعد سنوات من حكم تنظيم الدولة.

"يبيعونها علناً في الشوارع والبسطات والمحلات التجارية"

انصدم تامر عندما دعاه ابن جيرانه، وهو طفل في سن المراهقة، إلى تدخين الحشيش وشرب العرق على ضفاف نهر الفرات في الربيع الماضي.

وقال تامر، البالغ من العمر 23عاماً والذي عاد إلى الرقة في تشرين الثاني، لسوريا على طول "هذا الطفل مكانه المدرسة وبين الكتب وليس تحت الجسر يشرب العرق والحشيش"، مضيفاً "بصراحة انصدمت وبدأت أتساءل في نفسي، هل يعقل أن نكون قد وصلنا إلى هنا".

وتشير الشهادات التي أدلى بها السكان المحليون إلى أن تعاطي المخدرات أصبح قضية بارزة منذ هزيمة التنظيم، وهي مسألة لم يتم علاجها بشكل كبير إلى الآن من قبل السلطات الحكومية. وطلب جميع السكان الذين تحدثوا مع سوريا على طول عدم الكشف عن أسمائهم الحقيقية بسبب حساسية الموضوع.

وذكر عبد الكريم البالغ من العمر 33 عاماً "انتشرت المخدرات بشكل غير طبيعي في الآونة الأخيرة".

وأشار ورد، وهو عامل في المجتمع المدني يبلغ من العمر 20 عاماً، إلى أن "مستوى تعاطي المخدرات لم يسبق له مثيل أبداً".

ضبط كمية من الكبتاجون والحشيش في الرقة في تموز. الصورة من قوى الأمن الداخلي في الرقة.

وأشار معظم السكان الذين تحدثوا مع سوريا على طول إلى الحشيش والحبوب بالتحديد باعتبارها مخدرات مفضلة، بما في ذلك الأدوية التي تستلزم وصفة طبية والمنشطات المحظورة. كما ذكروا أسماء مجموعة من الأدوية المألوفة مثل ترامادول (مسكن للألم)، زولام (دواء مضاد للقلق)، سودافيد (مضاد احتقان)، والكبتاجون أيضاً، وهو أحد الأمفيتامين المحظور عالمياً والذي يعرف بأنه يهدئ الحواس ويبقي الشخص مستيقظاً لفترات طويلة. يُعرف الكبتاغون باسم "حبوب الجهاد" إشارةً إلى شعبيتها المعلنة بين الجماعات المتشددة بما في ذلك تنظيم الدولة.

وقال أبو حسين، البالغ من العمر 40 عاماً وهو أب لأربعة أطفال وصاحب بقالة، أن " الحبوب المخدرة منتشرة بالمدينة بشكل كبير، وإنهم يبيعونها في الشوارع والبسطات والمحلات التجارية".

وكان سوء استخدام وصفات الأدوية المخدرة موجوداً في سوريا قبل وقت طويل من اندلاع النزاع عام 2011، وكانت البلاد منذ زمن طويل نقطة عبور للمخدرات المتجهة إلى الأسواق في أماكن أخرى من المنطقة. لكن الحرب وفرت غطاء واسعاً للجماعات المسلحة والسلطات الحاكمة التي تسعى إلى تحقيق ربح سهل من تجارة المخدرات، كما وازدهر بيع وإنتاج المنشطات نتيجة لذلك.

وفي الوقت نفسه، أدى ارتفاع عدد الإصابات على نطاق واسع بسبب الحرب المستعرة ونقص الضوابط في الصيدليات إلى تسهل انتشار إدمان مسكن الألم في مناطق مثل شمال حمص الذي كان يخضع سابقاً لسيطرة المعارضة.

وأصبحت قضية تعاطي المخدرات بارزة الآن في الرقة بعد طرد التنظيم، حيث أن الأنشطة والمحادثات التي كانت تحدث سابقا خلف الأبواب المغلقة قد خرجت إلى العلن.

وقال عبد الكريم الذي فوجئ بمشاهدة شابين يتبادلان الحبوب علانية مؤخرا "لم يكن هناك من يتحدث عن هذه الأشياء عندما كانت المنطقة تحت سيطرة داعش. حتى السجائر كان من الصعب الحصول عليها".

واعترف فادي، الذي يعمل في منظمة مجتمع مدني محلية، أن "المخدرات ليست جديدة على الرقة"، فإنه منذ سقوط التنظيم "أصبحت منتشرة بين الشباب وخاصة المراهقين بشكل كبير".

"نريد إعادة الإعمار ... لكن من سيبقى؟"

على الرغم من انتشار تعاطي المخدرات في الرقة، قال الأهالي والمسؤولون إن الاستجابة المحلية لم تكن بالشكل المطلوب، الأمر الذي يعكس القدرات المحدودة للإدارة المحلية في مدينة ما زالت تعيش المراحل الأولى من التعافي. كما يلقي الضوء على نطاق الاحتياجات النفسية- الاجتماعية بين أهالي الرقة .

وقال المتحدث باسم بلدية الرقة محمد العبد الله "في هذه الفترة العسكرية ... لا يوجد سلطة قانونية تضبط مشكلة التعاطي وتحمي الأفراد من إيذاء أنفسهم، ولا توجد هيئة مدنية مكرسة للمسألة ذاتها أيضا"، مشيرا إلى أن دور البلدية ما زال محصورا في نشر الوعي لدى شباب الرقة، الذين عاش العديد منهم لسنوات دون تلقي تعليم رسمي.

سوق مدينة الرقة في ٢ آب. تصوير: بلدية الشعب في الرقة.

وبدأت لافتات تحمل صور المخدرات  والتحذيرات المرضية، مثل "المخدرات طريقك للهلاك" و "لا تجعل حياتك بدون ألوان" ، في الظهور داخل المدينة. ويقول العبد الله إن هذه الجهود جزء من الجهود الواسعة التي تبذلها البلدية لمعالجة هذه القضية، مضيفا أن المسؤولين قد اتصلوا أيضا بالقادة الدينيين لمناقشة مخاطر إساءة استخدام المخدرات في خطبهم الأسبوعية.

لكن العبد الله أقر بأن هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهود- على وجه التحديد، من خلال فتح مراكز صحية تركز على تعاطي المخدرات والإدمان، بالإضافة إلى تعزيز دور قوات الأمن في إيقاف طرق الحصول عليها.

وقال جوان الذخيرة، وهو عضو في لجنة الصحة في مجلس الرقة المدني، إن الجهود المبذولة في هذا المجال جارية بالفعل وأن المسؤولين المحليين "يعملون حاليا مع أجهزة الأمن لمحاربة هذه القضية".

ولجنة الصحة في الرقة هي واحدة من أكثر من ١٢ لجنة تابعة لمجلس الرقة المدني، وهو هيئة أنشأتها قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة في نيسان ٢٠١٧، وكُلفت بحكم المدينة وإدارة شؤونها بعد هزيمة التنظيم.

ومع ذلك، فإن العديد من سكان الرقة الذين تحدثوا إلى سوريا على طول يتهمون المقاتلين في قسد التي يقودها الأكراد- والتي تسيطر على المنطقة من الناحية العسكرية وتربطها علاقات وثيقة مع الهيئات الإدارية في المدينة- بتسهيل تجارة المخدرات في المنطقة.

وقال أبو حسين صاحب أحد المتاجر في الرقة "القياديون الأكراد جميعهم يعملون بتجارة المخدرات".

وتواصلت سوريا على طول مع متحدث رسمي باسم قسد للتعليق حول الموضوع ولم نتلق أي رد منه، إلا أن قياديا في قسد، تحدث بشرط عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول بالتحدث إلى الصحافة، ونفى تلك الاتهامات وقال إن قواته ملتزمة بـ "الانضباط والعمل على حظر تجارة المخدرات وتعاطيها".

وأضاف "إذا كان أحد المسؤولين أو الضباط قد تورط في الأمر، فإن ذلك لا يعني تورط كامل القوات".

من جهته، قلل أسامة الخلف، المتحدث باسم مجلس الرقة المدني، من أهمية قضية تعاطي المخدرات في الرقة "نحن لا نمتلك عقاقير مثل الكوكايين والهيروين"، بحسب ما قاله، مشيراً إلى خروج "دوريات منتظمة على الصيدليات من أجل الإشراف على عملها" من قبل ممثلي لجنة الصحة، فضلاً عن الاستعدادات لـ "خطة منع بيع الأدوية دون وصفة طبية رسمية".

لكن على الرغم من التزام المسؤولين على ما يبدو بنشر الوعي والإشراف على الصيدليات، إلا أن أحد المدنيين، منير البالغ من العمر ٣٠ عاماً، قال "لا أحد يأخذ مسألة تعاطي المخدرات على محمل الجد".

"نريد إعادة إعمار الرقة بعد أن دمرتها داعش، لكن من سيبقى لفعل ذلك إذا كان الجميع مدمنا؟"

 

ساهم عبد الله اسماعيل ومحمد عثمان في الرقة في إعداد هذا التقرير.

هذا التقرير هو جزء من تغطية سوريا على طول الإخبارية، لمدة شهر كامل، للأراضي التي كانت تحت سيطرة التنظيم في سوريا بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور والمراسلين على الأرض في سوريا. اقرأ تقريرنا التمهيدي هنا.

آلاء نصار

آلاء من سكان وادي بردى في دمشق ، درست اللغة العربية في جامعة دمشق ولكنها لم تستطع إكمال دراستها بسبب الثورة، غادرت آلاء سوريا إلى الأردن ،وهي تأمل بإيجاد حلول جذرية للحرب ا.

محمد عبدالستار إبراهيم

من محافظة الحسكة، مدينة عامودا، انتقل محمد إلى الأردن في عام 2004 بعد الأنتفاضة الكردية آنذاك ضد نظام البعث. مع بداية الثورة في الداخل السوري عمل ناشطاً مع تنسيقية الثورة السورية في الأردن. وانتقل فيما بعد إلى النشاط الإغاثي والتعليمي والدعم النفسي. ويسعى إلى تعلم الصحافة لنقل الحقيقة كما هي. ومحمد كاتب قصصي وروائي.

أيفري أدلمان، مراسل ومترجم

تخرج أيفري من جامعة تفتس عام 2014، وحصل على شهادة البكالوريوس بتخصص العلاقات الدولية واللغة العربية.