عمّان- هي آخر معاقل المعارضة السورية التي شكلت، لذلك، الوجهة الوحيدة المتبقية للفارين من قصف قوات الحكومة السورية وحلفائها، كما الرافضين لما يسمى "التسويات" و"اتفاقات المصالحة" في المناطق الأخرى التي كانت تسيطر عليها المعارضة السورية، في وسط وجنوب سوريا، قبل أن تسيطر عليها القوات الحكومية. لكن محافظة إدلب، بسبب كل ذلك، صارت "سوريا الصغيرة" كما يقول الشاب الإدلبي أحمد جبارة، حيث يتجسد التنوع المعبّر عن أغلب المناطق السورية على الصعد كافة.

ويوضح جبارة: "عندما تسير في أي من حارات إدلب، تسمع لهجات متعددة، وتشاهد أناساً يشتغلون بمهن لم تكن موجودة في المحافظة سابقاً. كما تلاحظ التنوع الثقافي في المأكولات والمشروبات".

وإذا كان التنوع عموماً، وضمنه الثقافي، واحداً من العناصر المهمة في تعزيز قدرة أي مجتمع على صعيد الإنتاج والإبداع والمنافسة البناءة، فإنه في حالة إدلب يكتسب أهمية خاصة على صعيد سوريا ككل، من خلال تقديم نموذج فريد، وإن محدود، على صعيد التكامل الاجتماعي القائم على تقوية الروابط المجتمعية الضرورية لإعادة تماسك الدولة ككل.

وكان البنك الدولي قد حذر مبكراً في تقرير صادر في العام 2017، من أن الحرب وإضافة إلى تدميرها جزءاً كبيراً من الموارد المادية، قد "تركت أثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي والثقافة والذاكرة الجمعية" في سوريا، بما يعيق إعادة الإعمار حتى مع انتهاء العمليات العسكرية.

إذ اليوم يعيش في إدلب، إضافة إلى قسم من ريف حماة الشمالي، نحو 4 ملايين سوري، نصفهم تقريباً مهجرون من محافظات سورية أخرى.

ويؤكد أيمن نابو، مدير مركز آثار إدلب، لـ"سوريا على طول" أن "التنوع الثقافي أغنى المجتمع في إدلب فعلاً، حيث نلاحظ تنوعا في الموارد، وتنوعا في الثقافات، كما اختلافا في طريقة التفكير، [بما أدى] إلى انفتاح أكبر يشهده المجتمع". مضيفاً: "على المستوى الحرفي (التراث المادي)، انتقلت بعض الحرف الشامية والحلبية إلى إدلب، الأمر الذي أدى إلى تنوع هذه الحرف، وإضافة أعمال ومهن جديدة في الوسط الإدلبي، باعتبار أن المحافظة كان يغلب عليها الطابع الزراعي".

ويصف الناشط جبارة مشهد الحياة اليومية العفوية بوجود "جو فريد من الألفة والأخوة؛ الشامي بصبّح عالادلبي وهو واقف على البسطة ينادي ويبيع. والإدلبي عم يشرب قهوة عند جاره الحمصي".

غوطة إدلب

لطالما اشتهرت غوطة دمشق بصناعة "قمر الدين"؛ وهو عبارة رقائق مصنعة من المشمش المجفف، تستخدم بدورها في صناعة عصير عرف يوماً بـ"عصير الملوك".

وقد ورث محروس منينة، المهجر إلى إدلب من مدينة عربين بالغوطة الشرقية، مهنة صناعة قمر الدين عن والده وأجداده. وتمكن من نقلها اليوم إلى الشمال، بمعدات بسيطة استطاع من خلالها، بداية، صناعة مربى المشمش العام الماضي. لكن هذا العام، ومع بدء موسم قطاف المشمش، تعرف محروس العربيني على شاب إدلبي من معرة حرمة يعمل في المهنة ذاتها، فاتفقا على أن يتشاركا في مشروع لإنتاج قمر الدين. ويقول: "وضعنا خبراتنا مع خبراتهم، وجمّعنا أدوات التصنيع لنزيد الإنتاج ونحسّن الجودة. وفعلاً، كان لمنتجنا المشترك جودة [تضاهي] جودة منتجاتنا من في عربين، [بحيث] لاقى استحسان الناس، [الأمر الذي] منحني شعوراً رائعاً".

وتفاعل أصدقاء محروس العربيني بشكل كبير مع الصورة التي نشرها على صفحته في "فيسبوك" معلنا عودته إلى العمل في صناعة قمر الدين الدمشقي في إدلب، بعد انقطاع دام لسنوات نتيجة الحصار الذي فرضته القوات الحكومية على الغوطة، ومن ثم التهجير في العام 2018.

ألواح تجفيف مادة "قمر الدين" في محافظة إدلب، 4/7/2019 (محروس عربين)

تجربة شبيهة خاضها ابن دوما عماد الدين، المقيم حالياً في سرمدا، حيث يمتلك مطعماً يقدم "المنسف الدمشقي" الذي يتميز بحضوره في المناسبات والأعراس، ويختلف عن المنسف المعروف في إدلب، في كون الأول عبارة عن رز وبازيلاء، بينما يتكون المنسف الإدلبي من رز وفريكة. 

لكن عماد الدين، كما يذكر، صار يقدم كلا النوعين من المنسف، استجابة لأذواق الزبائن المختلفة. مضيفاً: "حتى المندي لم يكن معروفا هنا في إدلب، أنا من أدخلته إلى المنطقة وحاولت نشره والترويج له". وبعد أربع سنوات على الشروع في المشروع، "أصبح لي زبائن كثر وعلاقات قوية في إدلب".

ولا تقتصر ثقافة الطعام الجديدة على المطبخ الدمشقي، بل ثمة تنوع أكبر، كما يؤكد عماد الدين، إذ دخل أيضاً المطبخ "لحلبي والحمصي ومطبخ المنطقة الشرقية، فتعددت الأكلات". الامر الذي يؤيده علاء فطراوي، ابن مدينة سرمدا، بقوله: "أكثر الثقافات الدخيلة على مجتمعنا الإدلبي هي ثقافة الأكل؛ وقد انتشرت بشكل كبير منذ دخول المهجرين".

جماليات حرفية عابرة للمناطق 

المطاعم والمقاهي، على سبيل المثال، أدخلت أيضاً بعض التعديلات والتطويرات على الطرز المعمارية، كما يقول بانو، لها علاقة بالبيئة الشامية أو الحلبية، من قبيل النوافير وشكل الأبواب وسواها من اللمسات الفنية التي تم إدخالها على إدلب.  

وقد استطاع العديد من المهجرين من مختلف المحافظات السورية نقل حرفهم إلى إدلب، منها فن الرسم على الرمل وفن النحت على الرخام والحجر، وغيرها من الحرف التي تعد جديدة على ثقافة المجتمع المحلي.

إذ بعد انقطاع لسنوات، عاد أبو ماهر صالح، المقيم حالياً في سرمدا، إلى العمل في حرفته؛ النحت على الرخام والحجر(الزخرفة النباتية)، والتي تحمل طابع مدينته دوما وثقافتها.

من داخل مشغل أبو ماهر صالح في مدينة سرمدا بريف إدلب، 23/6/2019 (أبو ماهر صالح)

ويقول: "بعد قدومي إلى الشمال فكرت بإحياء مهنتي وإعادة العمل فيها لتأمين مصاريفي المعيشية. لم أكن أتوقع أن يأخذ عملي رواجاً واسعاً، رغم قلة من يعملون بها هنا. إلا أن التفاصيل التي أرسمها على الحجر بطابع دمشقي، مثل البحرات الشامية والرسم بالخط العربي على الحجر، لم يقدمها أحد قبلي، إذ حتى أصحاب المناشر ممن يشترون مني يخبروني أنهم لم يشاهدوا قطعا مشابهة للتي أقدمها".

ويكشف تركي السويد من مدينة كفرنبل بالمحافظة عن تطور الصناعة في إدلب "بشكل كبير، لأن أكثر الصناعيين كانوا متجمعين في حلب ودمشق، وأغلبهم أتى إلى إدلب وأعادوا فتح مصانعهم ومهنهم، فتطورت المدن والأسواق [في المحافظة] وريفها".

في هذا السياق، يلفت نابو إلى أن "أكثر المناطق التي تشهد عمرانا ملحوظاً هي المناطق الحدودية، كونها أكثر أمنا فلا تصلها راجمات الصواريخ. وغالبية أصحاب المهن جعلوا مكان إقامتهم هناك لأن أهم الشروط لنجاح عملهم هو عامل الأمان".

وأدت العمليات العسكرية التي تنفذها القوات الحكومية بدعم روسي على محافظة إدلب وريف حماه الشمالي، إلى مقتل 912 شخصا بينهم 258 طفلا، خلال الفترة من 2 شباط/فبراير إلى 8 تموز/يوليو 2019، إضافة إلى نزوح أكثر من 600 ألف شخص، بحسب التقرير الأسبوعي الصادر عن "منسقي استجابة سوريا" يوم الاثنين الماضي.

مجتمع متنوع.. متماسك

نحن "بالأساس أبناء بلد واحد ولو تعددت الثقافات"، كما يؤكد الناشط أحمد جبارة.

على الرغم من ذلك، تعي مؤسسات مجتمع مدني في محافظة إدلب أهمية إدارة هذا التعدد واستثماره بشكل يعزز التلاحم والتماسك بين المهجرين وأبناء المجتمع المحلي، من خلال برامج واضحة الأهداف.

غالية الرحال، 44 عاما، مديرة مركز مزايا (المختص بشؤون المرأة) في إدلب، كانت إحدى الناشطات اللواتي أخذن على عاتقهن تنظيم دورات يومية ومنتديات نسائية تجمع بين نساء مهجرات وأخريات من المجتمع المضيف للتعرف على السمات الحياتية المميزة لكل من الفئتين، بهدف تعزيز الاندماج الاجتماعي في إدلب. 

وتوضح الرحال: "هذه الدورات تساعد على الانفتاح ونبذ التفرقة بين المهجرين وأهالي المنطقة. نحن شعرنا أنهم إخوتنا. والآن بعد الحملة العسكرية على مناطقنا، نزحنا من كفرنبل وأصبحنا نرى التعامل الإنساني في المناطق التي نزحنا إليها".

مضيفة: "استفدنا كثيرا من خبرة الناشطات المهجرات والمؤثرات في مجتمعاتهن، وخصوصا ممن عملن في المنظمات. وأذكر منهن بيان ريحان التي هُجرت من الغوطة، وعملت معنا بعد أن انتقلت إلى إدلب في معرة النعمان ومركز مزايا ومنظمة "أيادينا". ومثلها سيدات أخريات أيضا كانت لديهن خبرات إضافية في المناصرة والقانون والإعلام، وقدمنا لهم عقود عمل معنا".

ويرى نابو أن "اكتساب المهارات من المجتمعات [القادمة] إلى المجتمع الإدلبي خلق نوعاً من الألفة لم تكن موجودة سابقاً. [فقد] أصبح هناك انفتاح في المجتمع، ولم نعد نسمع حديثاً، كان موجوداً سابقاً، عن المناطقية. وهذا خلق نوعاً ما مجتمعاً متجانسا من النواحي كافة، وأعتقد أنه سيكون واضحا جلياً في السنوات المقبلة، لا سيما وأن أطفال المهجّرين يتعلمون في المدارس مع أبناء [المضيفين] ويتأثرون ببعضهم". مؤكداً أن ذلك سيؤدي إلى تشكل "مجتمع متجانس أكثر، مشبع بثقافات متتنوعة، ومؤمن بالثورة واستمراريتها وتعدديتها".

وهو ما يتفق معه جبارة، إذ يروي كيف أنه مع "بداية دخول المهجرين إلى إدلب، شكّلوا تكتلات على أساس مناطقي نتيجة عنصرية بعض الناس وتمييزهم بين المهجر والمقيم. لكن سرعان ما تبددت هذه التكتلات واندمجت في المجتمع، [إذ] يتزوجون منا ونتزوج منهم، وتجمعنا أرض واحدة ونسب وقضية".

ويعبر عن اعتقاده "أنه مع مرور السنوات، سينشأ جيل جديد بثقافة جديدة، أساسها المتين هو نبذ التفرقة والعنصرية".