عمّان- بعد أزمة شهدتها فروع المؤسسة السورية للتجارة على صعيد القيام بمهمتها الأساس، وهي توفير المواد الأساسية للمواطنين بأسعار مدعومة، خرج مسؤولو حكومة دمشق بتصريحات متضاربة، في آب/أغسطس الماضي، حول مدى توفر السلع الأساسية، كما إتمام صفقات استيراد مواد مدعومة من مصرف سورية المركزي.

إذ قال وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، طلال البرازي، إن عودة أصناف رئيسة هي مسألة وقت، مؤكداً، في 6 آب/أغسطس الماضي، أن "لا داعي للخوف"، كون "الطحين متوفر"، فيما "الزيت في مرحلة التوريد، وكمية 30 مليون عبوة زيت قيد الوصول". مضيفاً أن العمل جار لتأمين الشاي والسكر أيضاً، "لتكون المواد الأربع مؤمنة وبالسعر المقنن للجميع". 

نقيضاً لذلك جاءت تصريحات مدير "السورية للتجارة"، أحمد نجم، الذي كشف في حديثه إلى صحيفة "الوطن" الموالية، في 22 آب/أغسطس الماضي، عن "صعوبات تعرقل عمل الشركات المستوردة" للمواد المدعومة، من دون أن يبين الأسباب وراء ذلك. مكتفياً بالقول إن "العقود المبرمة لم تسر على ما يرام، وإن المواد لم تصل بعد". وهو ما أكدته وسائل إعلام موالية، اتجهت إلى تحميل قانون العقوبات الأميركي "قيصر" المسؤولية عن الأزمة.

أزمة خبز مستمرة

خلال افتتاحه صالتين جديدتين لـ"السورية للتجارة" في محافظة طرطوس غربي البلاد، جدد البرازي تصريحاته بأن "لا خوف على مستقبل الطحين". وهو ما تفنده عشرات الصور المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر طوابير مواطنين يتزاحمون أمام المخابز في كل مناطق سيطرة الحكومة السورية.

ومنذ اندلاع الثورة السورية ربيع العام 2011، انخفض إنتاج سوريا من القمح إلى النصف، إذ بلغ نحو 2.2 مليون طن في العام 2019، مقارنة بمعدل 4.1 مليون طن سنوياً قبل 2011. ومع استمرار أزمة توفير الخبز للمواطنين، أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية السورية، في 29 آذار/مارس الماضي، قراراً ينهي حصر استيراد مادة الطحين بفئة معينة، بحيث يمكن لجميع المستوردين من تجار وصناعيين استيرادها، و"بغضّ النظر عن المنشأ".

سبق القرار إخفاق المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب، في منتصف شباط/فبراير الماضي، في إتمام صفقة استيراد 200 ألف طن قمح من روسيا، بسبب مشاكل تتعلق بالوصول إلى الدولارات الأميركية العالقة في النظام المصرفي اللبناني، بحسب ما ذكر موقع "تقرير سوريا" المتخصص بالاقتصاد السوري. لذلك، لجأت دمشق إلى القمح المحلي، معلنة في أيار/مايو الماضي عن تخصيص نحو 450 مليار ليرة لشراء حصاد القمح المحلي. لكن المنافسة المحلية على القمح مع الإدارة الذاتية، شمال شرق سوريا، والمعارضة السورية، شمال غرب البلاد، أجبرت دمشق على خيار الاستيراد لتلبية احتياجاتها المحلية التي تقدر بنحو 4.3 مليون طن سنوياً.

تالياً، أعلنت المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب، في أواخر حزيران/يونيو الماضي، عن مناقصة لشراء 200 ألف طن قمح من روسيا، على أن يكون تقديم العرض بالدولار الأميركي. وحددت المؤسسة الموعد النهائي لاستلام العروض بـ28 تموز/يوليو اللاحق، على أن يتم شحن القمح في مدة أقصاها 60 يوماً.

ويتوقع أن مصير المناقصة الأخيرة كان الفشل أيضاً، إذ أعلن الشهر الماضي عن مناقصتين جديدتين، وبحيث تبقى حكومة دمشق معتمدة بشكل رئيس على عقود استيراد القمح التي أبرمتها في العام 2019، إضافة إلى اتفاقية المساعدات الإنسانية مع روسيا التي تعهدت فيها الأخيرة بتسليم 100,000طن من القمح. 

فقدان مواد أخرى

على نحو لا يقل أهمية عن تأثير أزمة القمح على المواطنين، تشهد مناطق سيطرة دمشق أزمة في توفر مواد أساسية أخرى من قبيل السكر والرز. وقد سعت المؤسسة العامة للسكر، منذ مطلع العام الحالي، إلى التعاقد ثلاث مرات مع تجار لاستيراد 25 ألف طن من السكر الخام للتكرير، من دون نجاح.

وحددت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك سعر بيع كيلو السكر في صالات "السورية للتجارة" بـ500 ليرة (0.23 دولار أميركي، بحسب سعر الصرف البالغ 2,190 ليرة للدولار). لكن السكر المدعوم غير متوفر في تلك الصالات، ما يضطر المواطنين إلى شرائه من السوق الحرة (غير المدعومة أسعارها) بثلاث أضعاف السعره السابق، أو حوالي 1,500 ليرة للكيلو. 

الأمر ذاته ينطبق على الأرز. إذ يفترض أن يباع في صالات "السورية للتجارة"، في حال توافره، بـ600 ليرة للكيلو (0.27 دولار)، مقارنة بـ2,000 ليرة في السوق الحرة.

تداعيات "قيصر"

مع تفاقم الأزمة المالية في لبنان منذ نهاية العام الماضي، والتي تسببت في صعوبة الوصول إلى الأرصدة المالية في البنوك اللبنانية، بدأ يتضح التعثر المالي في عمليات الاستيراد لحساب حكومة دمشق، كون لبنان واحد من البلدان التي يعتمد عليها التجار السوريون والنظام السوري في تنفيذ الصفقات التجارية، لاستيراد القمح والشعير والأرز والسكر وغيرها من المواد الأساسية.

إذ "منذ الأزمة المالية اللبنانية وحتى 17 حزيران/يونيو الماضي [تاريخ دخول قانون قيصر حيز النفاذ]، لم تكن الأمور تجري كما يجب بالنسبة للنظام؛ فعمليات الاستيراد محدودة"، كما قال الباحث الاقتصادي السوري في مركز عمران للدراسات، مناف قومان، لـ"سوريا على طول". لكن "مع دخول قانون قيصر حيز النفاد، وتشديد الرقابة على العمليات المصرفية للنظام ورجالاته وأزلامه والبنك المركزي، صار كل تاجر أو متعامل مع النظام يخشى إدراج اسمه على لائحة عقوبات قيصر"، بحسب قومان.

أي "تسبب "قيصر" في وقف تحريك دولارات التجار وإجبارهم على التأني ووقف عقد الصفقات خارج سوريا"، كما أوضح قومان، كون قانون "قيصر" يتميز عن العقوبات السابقة بأنه يطال "الطرف الثالث؛ المتعامل مع النظام وحتى من يفكر في التعامل معه، وهؤلاء كانوا سابقاً في منأى عن العقوبات التي تستهدف النظام وبعض الأفراد المتعاملين معه". 

انفجار بيروت

بعد أيام من انفجار مرفأ بيروت، نفت حكومة دمشق، على لسان مدير عام المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب، يوسف قاسم، أن يكون للانفجار أي تأثير على حركة استيراد القمح إلى سوريا. لكن وزيرة الاقتصاد السابقة، لمياء عاصي، اعتبرت في 8 آب/أغسطس الماضي، أن "الاقتصاد السوري حتماً سيتأثر بشكل مضاعف" بتداعيات الانفجار"، لأنه "من خلال هذا المرفأ الحيوي كان يمكن استيراد البضائع إلى لبنان وإعادة تصديرها براً إلى سوريا، فكان بمثابة الرئة في ظل حصار خانق".

إضافة إلى ذلك، يقدر حجم الخسارة التي لحقت بتجار سوريين نتيجة تضرر بضائعهم في مرفأ بيروت، وصعوبة تحويل الأموال، بأكثر من مليار دولار أميركي، بحسب ما ورد في تقرير لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، ومقره أبو ظبي، نقلاً عن خبراء سوريين لم يسمهم. 

أما على صعيد المساعدات الإنسانية المقدمة لسوريا، فيعد مرفأ بيروت ممراً أساسياً لهذه المساعدات، لاسيما المساعدات الغذائية المقدمة من برنامج الغذاء العالمي، والتي يتم توفير 30% منها عبر المرفأ، بحسب مسؤولة الاتصالات في برنامج الغذاء العالمي في سوريا، جيسيكا لاوسون. مع ذلك، فقد نجت هذه المساعدات من الانفجار، كما "أبلغت خطوط الشحن برنامج الغذاء العالمي باستئنافها عملياتها العادية إلى ميناء بيروت، وبحيث لا يتوقع وجود تداعيات "على توفير المساعدات الغذائية في سوريا"، كما قالت لاوسون لـ"سوريا على طول".

الاعتماد على قطاع خاص عاجز

للتغلب على الأزمات المتولدة عن عجزه في اتمام صفقات الاستيراد لسلع أساسية خصوصاً، فتحت حكومة دمشق باب الاستيراد أمام الجميع. بدأ ذلك بالسماح باستيراد الغاز، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، عندما أعلنت الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية "محروقات"، عن إبرام القطاع الخاص خمسة عقود لاستيراد الغاز مع مكتب تسويق النفط.

وعلى خلفية انفجار أزمة الوقود في الربع الأول من العام الحالي، أصدر رئيس الوزراء آنذاك، عماد خميس، في 4 آذار/مارس الماضي، قراراً سمح بموجبه لغرف الصناعة والصناعيين باستيراد مادتي الفيول والمازوت براً وبحراً لمدة ثلاثة أشهر.

لاحقاً، ولمواجهة أزمة الخبز في البلاد، أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، في 29 آذار/مارس الماضي، قراراً يسمح باستيراد مادة "الطحين" لجميع الراغبين في ذلك.

لكن القطاع الخاص السوري لا يمكنه تلبية احتياجات السوق المحلية من السلع الاساسية. فإضافة إلى "جفاف القطع الأجنبي، والذي دفع النظام إلى الاعتماد على شبكة التجار الموجودين لديه على اعتبار أنهم حاضنته"، فإن انفجار مرفأ بيروت، وقبله تقييد حركة الأرصدة في البنوك اللبنانية، زادا "الوضع سوءاً"، كما أوضح قومان.

تداعيات أزمة الاستيراد

إضافة إلى ارتفاع أسعار السلع، لاسيما الأساسية منها، في السوق المحلية، أدت أزمة الاستيراد إلى "زيادة عمليات الاحتكار والاستغلال والنصب والاحتيال"، وفقاً لقومان، بحيث أصبحت البلاد "بيئة خصبة جداً لنشاط تجار الأزمات والحروب بشكل عام". وينتهي عجز الحكومة والتجار عن الاستيراد، كما أضاف، إلى "زيادة الأعباء المعيشية على المواطن، والضغط على القوة الشرائية لدخله"، محذراً من أن المواطن قد يصل إلى مرحلة "بالكاد قادر على شراء المواد الأساسية من سكر وأرز وأشياء أخرى بسيطة".

في المقابل، فإن النظام قادر على التأقلم مع الواقع الحالي، برأي قومان، مستدلاً على ذلك بأن "النظام مر بمراحل عصيبة كثيرة خلال السنوات الماضية، وأعتقد أنه قادر على التأقلم مع مشاكل الاستيراد، كونه نظام مليشيوي ومافيوي، وبنيته قائمة على ذلك", وهذا لا ينعكس، طبعاً، بشكل إيجابي على المواطن، إذ "لا يقوم [النظام] على الاهتمام بالمواطن بالدرجة الأولى وتأمين المواد الأساسية له".

إذ إن "النظام مستعد أن يعوّم الليرة السورية ويترك مسؤولية تأمين المواد الأساسية وتحمل الأعباء المعيشية على التجار، وبالتالي التحول لسوق حرة،  عدا عن أنه سوف يضع -وهو يفعل ذلك- قانون قيصر والحصار الاقتصادي والعقوبات الدولية، كشماعة خيط، يعلق عليها فشله في الاستحقاقات المعيشة"، كما شدد قومان.