عمان- "هل بمقدوري تطبيق قوانين الحكومة التركية فعلاً؟"، كان جواب مازن إبراهيم من مكان إقامته في اسطنبول، رداً على سؤال "سوريا على طول" عما إذا كان قد سجل بياناته للاستفادة من "رحلات النقل المجانية" التي تم إطلاقها لإعادة اللاجئين السوريين من اسطنبول إلى الولايات التي حصلوا منها على بطاقة الحماية المؤقتة (الكيملك).

إذ للتخفيف على اللاجئين السوريين، أعلن "منبر الجمعيات السورية"، الذي يضم مجموعة من  الجمعيات العاملة في تركيا لمساعدة اللاجئين، بالتنسيق مع ولاية اسطنبول، عن توفير ما يسمى "خدمة النقل المجاني للسوريين" المقيمين بشكل مخالف في اسطنبول إلى الولايات التي يُفترض بهم الإقامة فيها، بما يسهم في حل الصعوبات المادية التي تعتبر إحدى العقبات التي تواجه تصويب وضع مئات آلاف اللاجئين السوريين في اسطنبول.

وبحسب ما ذكر "المنبر" على صفحته على موقع "فيسبوك"، يمكن للسوريين تسجيل بياناتهم للاستفادة من المبادرة التي تشمل نقل الأفراد ومقتنياتهم، قبل 3 آب/ أغسطس 2019.

لكن إذ شجعت هذه الفرصة بعض السوريين الذين تقطعت بهم السبل على العودة إلى الولايات التركية الملزمين بالإقامة فيها قانونياً، فإنها لم تقدم حلاً لمازن ومثله كثيرون.

فالشاب العشريني المهجر من حي القابون الدمشقي منذ العام 2017، والمعيل الوحيد لوالديه وأخته الصغيرة، حاصل على "الكيملك" من ولاية أزمير، فيما يحمل "والدي "كيملك" من ولاية أضنة، وأختي من أنطاكيا" كما يقول. متسائلاً: "هل يعقل أن يعيش كل فرد من العائلة في ولاية؟".

في المقابل، يحمل أحمد الحسين وأفراد عائلته الخمسة المقيمين حالياً في اسطنبول، "الكيملك" من ولاية هاتاي. لكن المشكلة بالنسبة له "ليست تكاليف نقل مادية" كما يقول لـ"سوريا على طول". وإنما في أنه "بعد الاستقرار وتأسيس عمل، ليس من السهل أن تفرض عليك الحكومة الانتقال خلال عشرة أيام، لتبحث من جديد عن بيت وعمل وأثاث في ولايات لا يجد قاطنوها فرص عمل".

محاصرون في اسطنبول

رغم ما تثيره الحملة التركية على اللاجئين السوريين المقيمين بشكل مخالف في اسطنبول من جدل وانتقادات منذ إطلاقها في 13 تموز/ يوليو الماضي، لا يبدو أن الحكومة التركية بصدد التخفيف من الحملة، وإنما العكس.

ففيما كان وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، كشف الشهر الماضي عن "تشكيل 100 فريق أمني" لتنفيذ الحملة، أعلن والي اسطنبول، علي يرليكاي، في مؤتمر صحافي في 7 آب/ أغسطس الحالي، حجب العديد من الخدمات الطبية والتعليمية عن السوريين الذين لا يملكون "كيملك" صادر من اسطنبول.

وبحسب يرليكاي، يقدر عدد الطلبة السوريين المسجلين في المدارس اسطنبول والذين لا يملك والداهم وثيقة "الكيملك" من اسطنبول، بحوالي 2100 طالب وطالبة.

وفيما تعمل الحكومة التركية على دراسة أوضاع هؤلاء الطلبة، فقد تم وضع القيود على الخدمات الصحية موضع التنفيذ مباشرة.

فعدا عن "عدم منح وثيقة الحماية المؤقتة لأي رضيع يولد في اسطنبول ووالداه لا يملكان وثيقة صادرة عن الولاية" كما أعلن والي اسطنبول، نشرت مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لتعميم مركز صحة المهاجرين، في حي اسنيورت في اسطنبول، يعتذر فيه عن عدم تقديم الخدمات الطبية واللقاحات، ابتداءً من 5 آب/أغسطس الحالي، لكلّ من لا يحمل "كيملك اسطنبول". معللاً ذلك بالقرارات الأخيرة الصادرة عن دائرة الهجرة ومديرية الصحة العامة التركيتين.

هذا الأمر كان كارثياً بالنسبة لمازن إبراهيم الذي يقطن في اسنيورت و"لم يخرج منه منذ أكثر من شهرين"، كما يقول، بسبب الحملة الأمنية. إذ إن والدته "تحتاج مراقبة طبية دائمة وكانت تزور المركز كل فترة بسبب مرض في الأمعاء". مضيفاً: "هل يعقل أن تذهب إلى أضنة إذا حصل معها شيء طارئ؟".

في السياق ذاته، أصدرت وزارة العمل تحذيراً للشركات والمصانع التي تقوم بتشغل عمال أجانب لا يملكون إقامات أو أذونات عمل. وقالت الوزارة في تعميم مشترك مع مديرية أمن اسطنبول، الشهر الماضي، إنه ابتداء من 20 آب/ أغسطس "سيعمل المفتشون بشكل مكثف في المدينة للبحث عن العمال الأجانب المخالفين". محذرة من أن أي شركة أو مصنع يضبط لديه عامل مخالف سيتم تغريمهما مبلغ 17696 ليرة تركية (3,219 دولار أميركي)، بالإضافة إلى تكاليف ترحيل العامل إلى بلاده.

فوق ذلك، فإن الملامح السورية قد تكون خطراً على صاحبها، كما يروي الحسين. إذ "هناك دوريات منتظمة في المترو والطرقات، وأخرى لمداهمة البيوت، وأخرى بزي مدني، توقفك في الشارع فجأة لمجرد الاشتباه بشكلك". مشيراً إلى أنه يحتمي أحياناً "بأخي الصغير لأنه أشقر ذو عيون زرقاء".

شبح الترحيل

الحسين، محرر الأفلام الوثائقية، كان قد بحث عن فرصة عمل في ولاية هاتاي لمدة ثلاثة أشهر قبل الانتقال إلى اسطنبول. وكما يقول: "كنا نخاف من التفتيش في الشوارع. الآن تقوم البلدية مع عناصر شرطة بتفتيش جميع أماكن العمل. ومن يملك "كيملك" من غير اسطنبول سيرحل إلى سوريا مباشرة وليس إلى ولايته"، كما حصل مع آخرين فعلاً.

وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أيضاً قد ذكرت نهاية الشهر الماضي أن "السلطات التركية تحتجز السوريين وتُجبرهم على توقيع استمارات تُفيد برغبتهم في العودة إلى سوريا ثم ترحّلهم قسراً إلى هناك".

وكما يقول الحسين: "جربت كل أنواع الخوف، إلا أن الخوف من المجهول أقساهم. أنا في بلد لا أعرف لغته. لا أفهم ماذا يقول رجال الشرطة، لا أفهم على ماذا يجبرونني أن أوقع. هذا بحد ذاته رعب". 

وإذ نفى وزير الداخلية التركي الترحيل القسري للسوريين، فقد ذكر أن "هناك من يريد العودة طوعًا [إلى سوريا]. وقد طبقنا سياسات لضمان ذهابهم إلى المناطق الآمنة". 

وبحسب إحصائية صادرة عن إدارة عن معبر باب الهوى، نشرها في 3 آب/أغسطس الحالي عبر معرفاته الرسمية، بلغ عدد السوريين المرحلين من تركيا إلى الأراضي السورية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، 6,160 شخصاً في تموز/يوليو، و4,370 في حزيران/يونيو، و3,316 في أيار/ مايو.

بالنسبة إلى الحسين، فإن المشكلة ليست في اللاجئين، وإنما في "طريقة تعامل الحكومة مع اللاجئين منذ البداية، وعدم قوننة وضعهم، وتركهم تحت مظلة شعارات خلبية وهلامية، من قبيل الضيوف، والمهاجرين، والأنصار".

ويصف ابن حي برزة الدمشقي الذي لجأ إلى تركيا قبل حوالي السنة، تبعات سياسة الحكومة التركية الحالية، بقوله: "أشعر أنني أهجر مرة أخرى".