لم يكد يهدأ الجدل بين السوريين المعارضين لحكومة دمشق بشأن "اللجنة الدستورية" التي أعلن عن تشكيلها في 23 أيلول/سبتمبر الحالي، حتى ثار جدل آخر، أشد خطورة، حول عملية "نبع السلام" العسكرية التي أطلقتها تركيا، ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شرق الفرات، معتمدة على فصائل من المعارضة السورية منضوية في "الجيش الوطني السوري". لاسيما مع ما يبدو من تعزيز  العملية العسكرية التركية للانقسام والصراع العرقيين بين المكونين السوريين العربي والكردي.

بالنتيجة، يبدو المستفيد من الحدثين "هو النظام السوري"، كما قال الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري، السياسي الكردي د. عبد الباسط سيدا، لمراسل "سوريا على طول" عمار حمو. خصوصاً أن تشكيل اللجنة الدستورية، وتنفيذ عملية "نبع السلام"، كانا بالاستناد إلى موافقة روسيا التي تقدم دعماً متواصلاً للنظام منذ انطلاق الثورة السوري في العام 2011. 

هذا الأمر، يفرض على السوريين، بحسب سيدا، التركيز "على المصلحة السورية أولاً، وأن يكون هناك تواصل مع مختلف الأطراف على أساس الصداقة والندية وتبادل المصالح، وليس على أساس التبعية التي لن تؤدي سوى إلى مزيد من التفكك والانقسامات بين السوريين". كما يوجب على النخب العربية والكردية، والشخصيات المجتمعية، التدخل سريعاً للتشديد على الخطاب الوطني الجامع.

بعد فترة قصيرة من الإعلان عن تشكيل "اللجنة الدستورية"، أطلقت تركيا عملية "نبع السلام" شرق الفرات. هل ثمة رابط بين الحدثين، ومن المستفيد منهما؟

لا يخفى وجود علاقة واضحة بين الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية [لوضع دستور سوري جديد، والتي عقدت أول اجتماعاتها اليوم في مدينة جنيف السويسرية] وبين عملية "نبع السلام". ويمكن لكل من يتابع الخط البياني لكل ما حصل ويحصل منذ بدء مسار "مباحثات أستانة" ملاحظة ذلك، لا سيما أن التغيرات التي تحدث على الأرض هي جزء من التصور الروسي لما يجب أن تكون عليه الأمور. والنتيجة تؤكد وجود تفاهم أو تنسيق روسي-تركي-إيراني تحت مظلة "أستانة".

في الوقت ذاته، أعتقد بوجود توافق تام أميركي-روسي حول الحل المقبل في سوريا، مع حرص كل جانب أو طرف على استخدام أوراقه، مع مراعاة حسابات الطرف الآخر ومصالحه في الآن ذاته.

المستفيد من العمليتين هو، بلا شك، النظام. فالجميع يعلم أن الضغط على "قسد" بهذا الشكل، بدلاً من اتباع صيغة من صيغ المفاوضات أو الاتصالات الدبلوماسية عن طريق طرف ثالث، معناه توجه "قسد" إلى النظام، خصوصاً وأن علاقتها بالنظام لم تنقطع في يوم من الأيام.

كنا نأمل أن يتمكن الجانب الأميركي من إبعاد "قسد" عن النظام، في سبيل أن يكون جزءاً من عملية مستقبلية تكون لمصلحة الشعب السوري وليس النظام. لكن الطريقة التي دخلت بها القوات التركية [إلى منطقة شرق الفرات]، إلى جانب الانتهاكات التي حصلت من قبل عناصر الجيش الوطني السوري [المشارك في عملية "نبع السلام"]، أرهبت الناس وروّعتهم، عدا عن تهديد مصائرهم، ما أدى إلى دفعهم إلى النظام. ويمكن قراءة ذلك من خلال ردة فعل الناس تجاه زيارة مفتي سوريا أحمد بدر الدين حسون إلى الحسكة.

أيضاً، يبدو أنه ستكون هناك عملية عسكرية قريبة في إدلب، بعد أن ضبط الروس الأوضاع في شمال شرق سوريا؛ فهم يمهدون للجنة الدستورية التي لن تقدم المطلوب منها طالما أن النظام استعاد قوته، وحصل على الضوء الأخضر، حتى من الولايات المتحدة، للإسهام في محاربة الإرهاب. وهذا كله يصب في صالح تأهيل النظام، ما لم تحصل تطورات مستقبلية تقلب الطاولة. إذ إن المنطقة تعيش حالياً زلزالاً سياسياً كبيراً، وما يحدث في لبنان والعراق اليوم سيؤثر، من دون شك، على الملف السوري.

في مقال نشرته صحيفة "القدس العربي" اللندنية، قبل أيام، اعتبرت أن "الكرد أكثر المتضررين" من التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة. هل تعتقد أن هناك إقصاء متعمداً للأكراد من اللجنة الدستورية، واستهداف أي مشروع سياسي خاص بهم بذريعة الحرب على حزب الاتحاد الديمقراطي؟

الملف الكردي معقد للغاية. وهناك حرص لدى كل الأطراف على الربط بين الأكراد في سوريا وبين حزب الاتحاد الديمقراطي الذي هو فرعٌ سوري لحزب العمال الكردستاني [التركي، والمدرج على قوائم إرهاب دولة عدة بينها الولايات المتحدة إضافة إلى تركيا]. فالكل يعلم ذلك، ولكن يتجاهله. عدا عن أن الجميع يعلم أن القضية الكردية سبقت وجود "الاتحاد الديمقراطي" بوقت طويل، وستستمر.

النظام دعم حزب الاتحاد الديمقراطي. ومن ثم دخل الروس على الخط، ومن ثم الأميركيون. وكل ذلك دفع بهذا الحزب إلى الواجهة، وهمّش المجلس الوطني الكردي [المكون من ثلاثة عشر حزباً كردياً] الذي انشغل بخلافاته وانقساماته. وهناك من يوحي بأن الأكراد بعيدون عن اللجنة الدستورية، لكن الحقيقة أنهم مشاركون فيها؛ إذ يوجد ممثلان عن المجلس الوطني في اللجنة، لكن وجودهم لا يرتقي ربما إلى حجمهم ودورهم.

من ناحية أخرى، يبدو أن لدى الجانب التركي "فيتو" على "الاتحاد الديمقراطي". وهنا نقول إنه كان على الجانب التركي طمأنة الأكراد، وإعطاء انطباع بأن لديه مشروعاً لحل القضية الكردية حتى في تركيا نفسها، ليقطع الطريق على حزب العمال الكردستاني في استغلال القضية الكردية في سوريا. إذ إن الأخير استغلها فعلاً في حساباته وأجنداته.

أعتقد أن المرحلة المقبلة تستدعي وجود جهود تركز على فتح ملف المفاوضات بين الحكومة التركية وكل القوى الكردية في تركيا، بما في ذلك حزب العمال الكردستاني، وذلك بهدف إيجاد حل للقضية الكردية هناك، لأن مثل هذا الحل سيخفف [العبء] عن تركيا أولاً، كما سينعكس إيجاباً على أكراد سوريا خصوصاً والسوريين عموماً، بما يسهم في تعزيز الاستقرار في المنطقة كلها.

لا خلاف على تأثر الأكراد، لكن ألا تعتقد أن المعارضة السورية تأثرت سلباً أيضاً من عمليتي تشكيل اللجنة الدستورية ونبع السلام، لصالح تقوية حظوظ النظام؟

المعارضة السورية تدفع ثمناً أيضاً [نتيجة التطورات الأخيرة]، عدا دخولها في مشاريع لا تخصّها ولا تطمئن السوريين. فما حصل في عفرين [عقب سيطرة فصائل من المعارضة السورية عليها بدعم تركي في آذار/مارس 2018]، ومن ثم الجزيرة السورية أو شرق الفرات، وما قد يحصل في مناطق أخرى، كلّ ذلك يحدث بناء على توافقات مع الجانب التركي، فيما كانت أحداث جنوب سوريا بتوافقات مع الجانب الروسي. هذه التوافقات تمت بعيداً عن إرادة السوريين وإرادة مؤسساتهم. لذلك لا بد من مشروع وطني، كما أقول دائما، يكون "لكل السوريين وبكل السوريين".

تركيا دولة جارة، لها تداخل جغرافي وديموغرافي مع السوريين، وهناك مصالح مشتركة معها. وهي أيضاً قدمت الكثير في سبيل استقبال اللاجئين، وقدمت دعماً لهم على أراضيها. لكن هذه المسائل لا تمنع من التفكير في المصلحة السورية التي تتقاطع، في أوجه كثيرة، مع المصلحة التركية. أما أن يحول بعض السوريين قضيتهم إلى جزء من السياسة التركية المبنية على حسابات داخلية أو إقليمية تركية، فهذا يعني أننا أدخلنا قضيتنا في بازارات الدول على الصعيد الإقليمي والدولي، وبالتالي نفقد المصداقية أمام شعبنا، ونتحول إلى جزء من الأجندات الإقليمية التي تنفذ في سوريا.

ما يحتاج إليه السوريون راهناً هو أن يركزوا على المصلحة السورية أولاً، وأن يكون هناك تواصل مع مختلف الأطراف التي لديها استعداد في مساعدة السوريين، لكن على أساس الصداقة والندية وتبادل المصالح، وليس على أساس التبعية التي اثبتت الأحداث أنها لن تؤدي سوى إلى مزيد من التفكك والانقسامات بين السوريين بكل أسف.

مع ما حدث ويحدث، ما هو استشرافكم لمستقبل شرق الفرات، وتحديداً مناطق "قسد"؟

بناء على المعطيات الحالية، يبدو أن النظام سيعود إلى المنطقة. وهو أصلاً موجود في الحسكة والقامشلي وبعض أرياف دير الزور، لكنه سيعود الآن بتغطية روسية، وربما بتوافق تركي. ولعل الاتفاق الروسي- التركي الذي عقد مؤخراً في منتجع سوتشي الروسي يؤكد هذا المنحى.

في هذا السياق، فإن الولايات المتحدة، من خلال تصريحات الرئيس دونالد ترامب، ليس لديها اعتراض على ما يحدث شرق الفرات، على أن تبقى [القوات الأميركية] في بعض المناطق، خصوصاً التي تحتوي حقولاً نفطية وتلك الحدودية مع العراق، وبما لا يضعها في مواجهة دبلوماسية أو مناكفة مع تركيا. فالولايات المتحدة تراهن كثيراً على تركيا التي هي عضو في الناتو، كما إن تركيا بحاجة إلى الولايات المتحدة. وبالتالي، قد تكون هناك صيغة تفاهم للتواجد الأميركي في المنطقة.

بالعودة إلى الأكراد، ما هو الحل المتاح بالنسبة لهم لتحصيل حقوقهم المدنية والسياسية في سوريا، وسط هذه التغيرات؟

القضية الكردية هي قضية وطنية عامة على مستوى سوريا، فلا يمكن فصلها عن القضية الوطنية العامة. أما الحديث عن توجه انفصالي لدى الأكراد، فيستخدم لتمرير مشاريع، أو للتهويل والتخويف. إذ هناك تصريحات عديدة من أطراف سياسية كردية تنفي نية الأكراد الانفصال. وأضيف إلى تلك التصريحات أنه لا توجد إمكانية لمثل هذا الانفصال. فالشريط الحدودي يفتقر إلى الكثير من العوامل التي لا بدّ من توافرها إذا ما تم التفكير في الانفصال.

من هذا المنطلق، أؤكد أن المسألة الكردية يجب أن تُحل ضمن إطار المشروع الوطني الذي يكون لكل السوريين وبكل السوريين، لذا، نتمنى أن يعود السوريون إلى رشدهم، ويعملوا على مشروع سوري يكون للجميع وبالجميع، ويطمئن الجميع.

سوريا كانت دائما ضحية مشاريع عابرة للحدود، بما في ذلك المشاريع القوموية العربية والكردية، والاسلاموية، وحتى الأممية الشيوعية في يوم ما. لذلك، نحن بحاجة إلى مشروع وطني يقوم على قاعدة احترام الخصوصيات، واحترام الحقوق، وإفساح المجال أمام الجميع للمشاركة والاستفادة من موارد الدولة، وبذلك تكون سوريا ركناً أساسياً من أركان الاستقرار في المنطقة.

بعد التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا، كيف تنظر إلى مستقبل العلاقة بين الشارع الكردي والعربي؟

رغم الاضطهاد الذي تعرض له الأكراد على يد النظام منذ عقود، والسياسة الرسمية التي تتعامل مع الأكراد على أنهم خطر يجب اتخاذ التدابير حياله، فإن العلاقات التاريخية بين العرب والأكراد في الجزيرة السورية وكوباني خصوصاً، بل على مستوى سوريا عموماً، كانت علاقات ود وتوافق. إذ كنا نلاحظ على الصعيد الشعبي أن الناس لا يأبهون بمثل هذه السياسات. لكن هذه العلاقة، وبلا شك، تأثرت سلباً اليوم.

أعتقد أنه منذ اندلاع الثورة السورية كنا أمام أطراف تسعى إلى تفجير العلاقة العربية-الكردية بمختلف الوسائل. على سبيل المثال، عندما اتجهت قوات حزب الاتحاد الديمقراطي إلى بلدات "تل حميس" و"تل براك"، وبعض المناطق في الحسكة، أدركنا أن هناك مشروعاً يهدف إلى إحداث حالة من القطيعة بين العرب والأكراد. في المقابل أيضاً، أكد الهجوم أواخر عام 2012 وبداية العام 2013 على مدينة رأس العين من قبل فصائل تدعي أنها من "الجيش الحر"، على وجود جهود تعمل على تعكير صفو هذه العلاقة.

وفي وقت مبكر شددنا على ضرورة الخطاب الوطني الجامع. لكن دخول تنظيم "داعش" إلى مدينة كوباني، ومن ثم اعتماد الولايات المتحدة على قوات "قسد" في معركتها ضد التنظيم في الرقة، كل ذلك أدى إلى بروز خطاب شعبوي قوموي مقيت من قبل المتطرفين من الجانبين.

اليوم، يتوجب على النخب العربية والكردية، والشخصيات المجتمعية، سواء الثقافية أو الأكاديمية أو الفنية أو السياسية، التدخل والعمل على تهدئة الأمور، وأن تشدد على الخطاب الوطني الجامع. إذ أعتقد أن العلاقات بين العرب والأكراد مستمرة، والأمور ستهدأ، لكن نحن بحاجة إلى تدخل سريع لتقليل الخسائر.