سيطرة هيئة تحرير الشام تلقي بظلالها على المجتمع المدني بعد تعليق تمويل الرعاية الصحية في الشمال الغربي

 

بنك الدم في كفرنبل، جنوب إدلب لعلاج مرضى الثلاسيميا. صورة من مديرية صحة إدلب.

تستعد منظمات المجتمع المدني والهيئات الحكومية المحلية شمال غربي سوريا، الواقع تحت سيطرة المعارضة، لخفض التمويل، حيث علّقت عدة مديريات صحية في المنطقة رواتب عمالتها، استجابة لسحب إحدى الجهات المانحة الرئيسية تمويلها، بحسب ما ورد في أواخر الأسبوع الماضي.

وأوقفت الجهات المانحة تمويلها استجابة للتطورات الأخيرة التي حققتها هيئة تحرير الشام، التحالف الإسلامي المتشدد، في جميع أنحاء الشمال الغربي الواقع تحت سيطرة المعارضة، حيث كانت المنظمات الدولية غير الحكومية فضلاً عن المنظمات المحلية ومقدمي الخدمات يعملون سابقاً إلى جانب السلطات التابعة للمعارضة.

وفي أواخر الأسبوع الماضي، أصدرت مديريات الصحة في المناطق الخاضعة للمعارضة في كل من محافظات إدلب وحماة وحلب بيانات منفصلة أعلنوا فيها أن العمل في مرافقها الصحية، التي تتعدى ال50 مرفقاً، سيكون "تطوعياً" حتى إشعار آخر وذلك ابتداءاً من كانون الثاني.

وجاء في بيان صدر عن مديرية صحة محافظة حماة في 16 كانون الثاني "لا يترتب على مديرية الصحة أي تبعيات أو التزامات مالية تجاه أي موظف أو منشأة".

وتدير المديريات الصحية، التي تمولها في المقام الأول وكالة التنمية الألمانية GIZ، مجموعة من المرافق الطبية في الشمال الغربي الذي تسيطر عليه المعارضة، بما في ذلك المستشفيات وبنوك الدم والعيادات المتنقلة.

وتشكلت مديريات الصحة في البداية من شبكة من العاملين الطبيين، الذين عملوا في ظل غياب المؤسسات الحكومية السورية المرتبطة بوزارة الصحة، بعد أن بدأت مناطق الشمال الغربي بالانتقال إلى سيطرة المعارضة بعد عام 2011.

وجاء القرار بعد أيام فقط من تعليق وكالة التنمية الألمانية (GIZ) مشاريعها في الأجزاء التي تسيطر عليها المعارضة في إدلب وحماة وحلب، وفقاً لما قاله متحدث رسمي من الوزارة الاتحادية للتعاون الاقتصادي والتنمية (BMZ)، الجهة المانحة الرئيسية لوكالة التنمية الألمانية (GIZ)، "بأثر فوري" في 11 كانون الثاني، وذلك بعد أن سيطر مقاتلو هيئة تحرير الشام على الكثير من المناطق الشمالية الغربية التي تسيطر عليها المعارضة في الأيام العشرة الماضية.

وشكل تنامي سيطرة هيئة تحرير الشام على آخر معقل للمعارضة في البلاد تهديداً لهيكلة الحكم القائم، بما في ذلك المجالس المحلية، واستمرار منظمات المجتمع المدني على المدى الطويل.

وبدأت آخر موجة من الاقتتال الداخلي بين فصائل المعارضة في الأول من كانون الثاني، عندما شنت هيئة تحرير الشام هجوماً على حركة نور الدين الزنكي، وهو فصيل إسلامي معارض تابع للجبهة الوطنية للتحرير، وهو تجمع معارض مدعوم من تركيا موجود في مناطق المعارضة في الشمال الغربي.

وهُزم الزنكي في غضون أيام، قبل أن تتحرك هيئة تحرير الشام ضد أحرار الشام والفصائل المعارضة الأخرى التابعة للجبهة الوطنية للتحرير في منطقة سهل الغاب من محافظة حماة القريبة.

"المانحون يشعرون بالقلق إزاء التطورات الأخيرة"

ويذكر أن التحالف الإسلامي المتشدد، التابع لتنظيم القاعدة سابقاً، يسيطر الآن على نحو 80 في المائة من الأراضي الواقعة تحت سيطرة المعارضة في شمال غرب سوريا.

وقال المتحدث باسم الوزارة الاتحادية للتعاون الاقتصادي والتنمية لسوريا على طول عبر البريد الإلكتروني يوم الجمعة "نحن قلقون للغاية بشأن التطورات الأخيرة" مشيراً إلى حقيقة أن هيئة تحرير الشام مدرجة كمنظمة إرهابية من قبل الأمم المتحدة.

وأكد المتحدث أن المشاريع التي تم تمويلها من قبل الوزارة في المنطقة قد "تم تعليقها وليس انهائها" بينما "تراقب الوكالة تطورات الوضع السياسي عن كثب".

ولا يزال من غير الواضح كيف ستنتقل المناطق التي سيطرت عليها هيئة تحرير الشام في التطورات الأخيرة من إدارة الحكومة السورية المؤقتة التي تديرها المعارضة، ومقرها جنوب شرق تركيا، إلى حكومة الإنقاذ السورية التابعة لهيئة تحرير الشام.

وشكلت حكومة الإنقاذ السورية من قبل هيئة تحرير الشام في أواخر عام 2017 كبديل للحكومة السورية المؤقتة المدعومة من الغرب، وتوسعت في الشمال الغربي مع التقدم العسكري لهيئة تحرير الشام. ورغم أن هيئة تحرير الشام ادّعت بشكل متكرر أن حكومة الإنقاذ السورية مستقلة، إلا أن الحكومة حلت المجالس المحلية التابعة للمعارضة وتسير في إيديولوجيا تتناسب مع تعاليم الجماعة المتشددة .

ونصّ اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في 10 كانون الثاني، بين هيئة تحرير الشام والجبهة الوطنية للتحرير، شروطاً على المجالس المحلية للانتقال إلى حكم حكومة الإنقاذ السورية التابعة لهيئة تحرير الشام.

ومع ذلك لم يتم تحديد جدول زمني لهذا الانتقال، على الرغم من أن الجبهة الوطنية للتحرير وهيئة تحرير الشام اتفقتا على تقاسم الإدارة في منطقتي أريحا ومعرة النعمان في محافظة إدلب اللتان كانتا تحت سيطرة الجبهة الوطنية للتحرير.

وبحسب عضو في مجلس محافظة حلب الحرة التابع للحكومة المؤقتة، والذي طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، لا تزال المفاوضات بين الأطراف المعنية مستمرة.

في غضون ذلك، تواصل المجالس التابعة للحكومة المؤقتة عملها رغم التهديدات المتزايدة للتمويل واستقلاليتها كمؤسسات.

وقال أحد أعضاء المجلس المحلي في عنجارة بريف حلب الغربي لسوريا على طول، يوم الجمعة، طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن المجلس يواصل عمله كالمعتاد، رغم تعليق معظم المنظمات غير الحكومية عملها "إلى أن تصبح الأمور في المنطقة واضحة".

وأكد عضو مجلس محافظة حلب أيضاً أن المجالس المحلية في المحافظة لا تزال تعمل، رغم أن "نشاطاتها محدودة للغاية".

وعلقت GIZ العمل في عدة قطاعات - من التعليم إلى الزراعة إلى توفير المياه وتمكين المجتمع المدني- لكن في الوقت الحالي يبدو أن التأثيرات الملموسة للقرار قد ظهرت في القطاع الصحي.

ووفقاً لإبراهيم الشمالي، مدير المكتب الإعلامي في مديرية صحة حماة، فإن ٧٠٪ من المرافق الطبية المحلية تحت إدارة المديرية قد تأثرت بالفعل بخفض التمويل، والوضع أسوأ في إدلب، مضيفاً أن رئيس المديرية موجود حالياً في تركيا للتفاوض بشأن استئناف التمويل أو وجود خيارات تمويل بديلة.

وقال مصطفى العيدو، معاون في مديرية الصحة يعمل في جنوب إدلب، إن المديرية أطلقت "حملة مناصرة واسعة النطاق" بهدف المطالبة باستعادة التمويل.

وقال لسوريا على طول، يوم الخميس "نأمل في المستقبل القريب أن تستأنف المديرية والمنشآت التابعة لها عملها".

وبحسب البيانات المنشورة على صفحات الفيسبوك الخاصة بمديريات الصحة الثلاث، لن يحصل موظفو مديريات الصحة، في الوقت الحالي، على المال مقابل العمل الذي يقومون به، وتوقع الشمالي بأن يستمر هذا الوضع خلال الأشهر الثلاث القادمة كحد أقصى.

ويعتمد محمود الشمالي، وهو موظف إداري في إحدى المراكز الصحية التابعة لمديرية إدلب، على دخله في إعالة أسرته، ونظراً للظروف المعيشية الصعبة في إدلب، فإنه يشعر بالقلق من عواقب خسارة راتبه.

وقال محمود "إن لم تتغير الأوضاع، سأبحث بالتأكيد عن فرصة عمل جديدة".

ووفقا للدكتور زيدون الزعبي، الرئيس التنفيذي لمنظمة اتحاد الرعاية الطبية والإغاثة ومقرها سويسرا- وهي شبكة من المنظمات غير الحكومية والمنظمات الطبية من أوروبا والولايات المتحدة- فإن حوالي ١٠٠ طبيب وعامل إداري في المناطق الشمالية الغربية التابعة للمعارضة يعتمدون حالياً على صلاتهم مع مديريات الصحة.

وحذّر من أنه "إذا استمر هذا الوضع، فإن الجميع يتوقع حدوث كارثة إنسانية ضخمة في سوريا".

الشمال الغربي " كارثة بالفعل"

تعاني المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في إدلب وشمال حماة وغرب حلب، والتي يقطنها نحو ثلاثة ملايين شخص، نصفهم تقريبا نزحوا من مناطق مختلفة عقب سلسلة من عمليات التهجير منذ عام ٢٠١٦، من ضغوطات وتحديات كثيرة.

وقال ابراهيم الشمالي، مدير المكتب الإعلامي لمديرية الصحة في حماة "هذه المنطقة هي بالفعل كارثة"، كما عبّر عضو المجلس المحلي في عنجارة عن قلقه أيضاً إزاء تعليق التمويل، مشيراً أن التأثير سينعكس على المدنيين بشكل كبير بدلاً من الفصائل أو هيئات الحكم التابعة لهيئة تحرير الشام.

وقال "إن الأطراف المسيطرة لن تتأثر بوقف الدعم"، مضيفاً أن "من سيتأثر هم المدنيون- المحتاجون والفقراء- الذين يكافحون بالفعل".

في الوقت ذاته، أكد المتحدث باسم BMZ أنهم يريدون "تقليل الأثر الإنساني" لتعليق التمويل، مضيفاً أن الحكومة الألمانية تواصل دعم المساعدات الإغاثية المقدمة من الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية.

ويشكل خفض التمويل للمنظمات المحلية في شمال غرب سوريا آخر التحديات التي تواجه المدنيين في جزء غير مستقر من البلاد.

وفي أعقاب التطورات الأخيرة التي حققتها الهيئة، ما يزال مصير آخر معقل للمعارضة في سوريا موضع شك- وهو ما يهدد الاتفاقية الروسية- التركية التي تم التوصل إليها في أيلول الماضي، والتي ساهمت في منع هجوم محتمل لقوات الحكومة على محافظة إدلب.

وأقر المسؤولون الروس والأتراك بالتغييرات على الأرض خلال عطلة نهاية الأسبوع، لكنهم تعهدوا الالتزام بالاتفاق القائم.

وقالت وزارة الدفاع التركية في بيان صدر في ١٩ كانون الثاني "إن تنفيذ بنود اتفاقية سوتشي في إدلب مستمر بنجاح، رغم التحركات المستفزة التي تحدث في المنطقة".

محمد عبدالستار إبراهيم

من محافظة الحسكة، مدينة عامودا، انتقل محمد إلى الأردن في عام 2004 بعد الأنتفاضة الكردية آنذاك ضد نظام البعث. مع بداية الثورة في الداخل السوري عمل ناشطاً مع تنسيقية الثورة السورية في الأردن. وانتقل فيما بعد إلى النشاط الإغاثي والتعليمي والدعم النفسي. ويسعى إلى تعلم الصحافة لنقل الحقيقة كما هي. ومحمد كاتب قصصي وروائي.

عمار حمو

عمار من مدينة دوما، في غوطة دمشق الشرقية، درس الصحافة في جامعة دمشق. بدأ عمله الصحفي مع "سوريا على طول" عام 2014، ويعمل حالياً كمحرر ومراسل. شارك في عدد من الدورات الإعلامية في الأردن وإسبانيا، أشرف على مشروع "الصوت السوري" وهو موقع شريك لـ"سوريا على طول".

أليس المالح، مراسلة ومترجمة

تحمل أليس شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كوبنهاجن. درست اللغة العربية بشكل مستقل منذ عام 2013، ومؤخرا مع معهد سيجال في 2017-2018.

أيفري أدلمان، مراسل ومترجم

تخرج أيفري من جامعة تفتس عام 2014، وحصل على شهادة البكالوريوس بتخصص العلاقات الدولية واللغة العربية.