ملعب الزعتري الرياضي الرئيسي في آب. تصوير: وليد النوفل. 

حطت الطائرة في مدينة ريو دي جينيرو البرازيلية الساحلية، يوم الأربعاء الماضي، ونزل لاعب كرة القدم السوري حافظ محمود المحمد ليجد عالما لم ير مثله من قبل. 

"كل شيء أخضر"، يقول الشاب البالغ من العمر ١٧ عاما عن البلد الذي سيستضيفه خلال السنوات الثلاث المقبلة، حيث انضم مع مجموعة من الشباب السوريين الآخرين إلى نادي بلاك بيرلز لكرة القدم والأكاديمية الرياضية التابعة له. 

وفي الأكاديمية الرياضية، يشارك حوالي ١٠٠ رياضي شاب- من بينهم برازيليون ولاجئون من هايتي- في برنامج يتضمن تدريبا رياضيا مكثفا ودراسات أكاديمية. 

وبالنسبة للمحمد فإن مكان إقامته الجديدة في البرازيل بعيد كل البعد عن المكان الذي قدم منه: مخيم الزعتري للاجئين في شمال الأردن، حيث يعيش حوالي ٨٠ ألف سوري-  ٦٠ ٪ منهم تحت سن الرابعة والعشرين- تحت شمس الصحراء الحارقة في كرفانات معدنية. 

وتعد أماكن ممارسة الرياضة والأنشطة الترفيهية لشباب الزعتري محدودة جدا، كما أن فرص العمل نادرة. ويعتمد الكثير من السكان على المنظمات الإغاثية للحصول على المساعدات وبرامج "المال مقابل العمل" المؤقتة لدعم أسرهم. كما يعتمد البعض على الأطفال لتوفير الدخل. وفي الوقت نفسه، فإن ما يقارب ال ٣ آلاف طفل من أطفال المخيم الذين يزيد عددهم عن ٢٤ ألف طفل لا يذهبون للمدرسة، وفقا لآخر إحصاءات الأمم المتحدة. 

ولم تكن الشوارع المعزولة في المخيم وملاعب كرة القدم المؤقتة البيئة الملائمة لتطوير مهارات المحمد، الذي وصل إلى الزعتري من بلدة الغارية الغربية في درعا في عام ٢٠١٢. إلا أنه وفي النهاية جذب انتباه الوفود الرياضية الدولية التي تجول في بعض الأحيان في المنطقة بحثا عن المواهب الشابة.

 المحمد، الثالث من اليسار، مع عائلته، في آب. تصوير وليد النوفل. 

وفي أحد الجولات في وقت سابق من هذا العام، قامت المنظمة البرازيلية غير الحكومية Viva Rio، التي تدعم نادي بلاك بيرلز، بترتيب زيارة إلى كرفان المحمد. الذي كان يعلم أن الزيارة تبشر بأخبار جيدة. 

وقال المحمد لمراسلي سوريا على طول وليد النوفل ومحمد عبد الستار إبراهيم في سلسلة من المحادثات التي أجريت في الزعتري، وخلال هذا الأسبوع عبر الفيسبوك، من مكان إقامته في البرازيل "لم أستطع أن أنام في تلك الليلة، لأنني شعرت بسعادة كبيرة". 

"إن شاء الله سأرفع رأس بلدي سوريا". 

متى وكيف بدأت تلعب كرة القدم؟ وهل كان هناك إمكانية للعب في المخيم؟ 

عندما جئت إلى مخيم الزعتري، لعبنا بشوارع المخيم. كانوا يقولون لي بأني لاعب جيد. ثم شكل صديقي فريق كرة قدم ودعاني لألعب معه في الفريق، ومنذ ذلك الوقت وأنا لاعب ظهير وسط ويسار. 

وأحب رقم ١٢ رقم اللاعب مارسيلو (لاعب المنتخب البرازيلي ونادي ريال مدريد الاسباني). 

وتميزت كلاعب ظهير، وأصبح الناس المهتمين بالرياضة في المخيم يعرفونني. وفي العام الماضي جاء وفد رياضي قطري إلى المخيم واختاروني مع ١٨ لاعب وسافرنا لمدة شهر إلى قطر. تلقينا تدريبات مكثفة باللياقة البدنية. وطبعا اختلف أدائي بشكل كبير، صرت أسرع وأعرف أين أتمركز، كان لزيارة قطر فائدة كبيرة حتى على المستوى الذهني بسبب تغيير الجو.

 ميداليات المحمد في الكرفان في الزعتري. تصوير وليد النوفل. 

كيف كان شعورك عندما غادرت الزعتري إلى قطر؟ 

كنت فخورا جدا وسعيدا، أحسست أنني ولدت اليوم. خرجنا من المخيم وكانت أول مرة أرى فيها عمان كان كل شيء مختلف عن حياة المخيم، الشوارع والعمارات، وما أسعدني أيضا هو أنني ذاهب مع أصدقائي، وأحلامنا تتحقق ونحن مع بعضنا. وعندما جاء القطريون والتقوا بنا لم أكن أتوقع أن يختاروني، مع أنني كنت تمنيت في نفسي أن يحدث ذلك. كنت أعلم أنه سيأتي يوم يتحقق فيه حلمي ويكون لي مستقبل بكرة القدم. بعد عودتي من قطر صارت طموحاتي أكبر وبأنني يجب أن ألعب في دول وفرق خارج الأردن، فمستوى لعبي اختلف وصار أفضل بكثير. 

كيف شعرت عندما جاء الوفد البرازيلي لاحقا وقالوا أنهم يريدون اختيار اللاعبين للسفر إلى هناك؟ 

لو أنهم لم يختاروني للاختبار لتحطمت معنوياتي، لكنهم جاءوا إلى الملعب وشاهدوا سرعتنا والتركيز واستيعاب التعليمات، وأنا قدمت أفضل ما عندي، وبعد عدة تدريبات اتصلوا بنا وأخبروني أن البرازيليين سيزورون بيتنا، حينها عرفت أنهم اختاروني. والمدربين بالملعب أخبروني أن البرازيليين أعجبهم أدائي. جاءوا وصوروا في بيتنا، وسألوا والدي إذا كان يمانع سفري. يومها لم أنم من الفرحة، صرت أحلم أني سأقابل مارسيلو أو ألعب معه. 

كيف كانت ردة فعل عائلتك عند اختيارك للسفر إلى البرازيل؟ 

والدي أعطاني الكثير من الملاحظات عن احترام قوانين دولة البرازيل، الابتعاد عن رفقاء السوء، أن أبقى مع زملائي الأربعة الذين سيسافرون معي، ألتزم بتعليمات ونصائح المدرب، وإذا أساء لي أحدهم أن أخبر المدرب ولا أقدم على أي تصرف.

 وصول زملاء المحمد إلى البرازيل للانضمام إلى برنامج نادي بلاك بيرلز لكرة القدم في آب. تصوير: أكاديمية بلاك بيرلز لكرة القدم.

 وقال إنني سفير بلدي سوريا وسأمثلها بأخلاقي وتصرفاتي وموهبتي. وأعطاني وصية بأنني إذا صرت لاعبا مشهورا في المستقبل وامتلكت المال، أن أبني بيوتا للفقراء، وأقدم الدعم للشباب المقبلين على الزواج، وأن أبني مسجدا ومدرسة، وأنشئ جمعيات خيرية لسوريا.

كيف شعرت عندما غادرت المخيم في الأسبوع الماضي؟ 

كنت سعيدا جدا لأني سأخرج من مخيم بسيط إلى دولة كبيرة خرجت كل اللاعبين المشاهير في العالم. 

ما هو انطباعك الأول لدى وصولك إلى البرازيل، وكيف قضيت الأيام الأولى؟ 

كيف يمكن أن أقارن البرازيل بالمخيم؟ في البرازيل هناك الكثير من المساحات الخضراء والشعب لطيف لم يشعروننا بأننا غرباء والناس تعاملها معنا جيد وكذلك المدربين واللاعبين، معي ومع زملائي. 

كانت الرحلة متعبة لكن عندما وصلنا لم يشعروننا بالوحدة ومعاملتهم لطيفة. بدأنا بتدريبات بسيطة وأنا سعيد جدا بذلك. 

إلى الآن لم نبدأ بالتدريب الفعلي، الثلاثاء القادم سنبدأ دراسة وتدريب كل يوم والدراسة يومين بالأسبوع. وسيكون هناك برنامج غذائي منظم بحياتنا وفقا للنظام في البرازيل. 

هل هدفك من الرياضة الشهرة والمال أم الرياضة نفسها؟ 

الرياضة نفسها. أريد أن أصبح لاعبا بالمنتخب السوري في المستقبل. 

إذا تحققت أمنيتك وأصبحت لاعبا مشهورا، ما هي الأمنية التي ستحققها وليس بمقدورك تحقيقها الآن؟ 

أريد تقديم لم شمل لعائلتي بأكملها. أمي مصرية، ولم أقابل أخوالي طوال حياتي لأنهم يعيشون في مصر، أريد أن أزورهم وأتعرف عليهم. 

هل هناك أي شيء محدد في الأردن ستفتقده؟ 

سأشتاق للمخيم، أصحابي وجيراني وأهلي وإخوتي. وأكيد سأشتاق لملاعب الزعتري. سأتذكر كيف كنت ألعب هناك وحاليا أين أصبحت. الملاعب هنا منظمة والعشب فيها أخضر، لكن سأشتاق لملاعب الزعتري وسأظل أتذكرها، وإن شاء الله سأرفع رأس بلدي سوريا.

 

ترجمة: سما محمد