عمان: في مشهد يتكرر مع كل قافلة تخرج من مخيم الركبان، يقف علي الحمصي أمام باب بيته الطيني في المخيم المعزول، ويراقب عشرات النازحين يحملون أمتعتهم وأثاث منازلهم في شاحنات كبيرة استعداداً للعودة إلى موطنهم.

وأثناء تحرّك طابور طويل من السيارات، التي تحمل على متنها العائدين والأثاث، انتاب الشاب الحمصي شعورٌ غريب لأول مرّة، لا سيما أن عدد الشباب – من أبناء جيله – على متن السيارات هو الأكبر من أي قافلة مضت.

وفي الأسابيع الأخيرة، غادر سكان المخيم على شكل مجموعات بلغت المئات إلى مدنهم وبلداتهم في ريف حمص، بينما يغادرون في الدفعتين الأخيرتين بالآلاف.

وقال علي الحمصي، 26 عاماً، من مدينة القريتين بريف حمص، لسوريا على طول "لما تشوف أصدقاءك عم يرجعوا بتكون نفسيتك صعبة، لأنك بهي اللحظات تشعر بالحنين  لبيتك وأهلك، وما قادر ترجع".

وبحسب مسؤول في المخيم، فإن أعداد النازحين، الذين غادروا المخيم، في قافلة اليوم الأربعاء، يبلغ نحو 4000 شخص تقريباً، في ظل مواصلة روسيا والقوات الحكومة السورية الضغط على النازحين لإجلائهم إلى الأراضي الحكومية.

وقال المسؤول في إحدى الإدارات المدنية داخل مخيم الركبان، لسوريا على طول، متحدثاً شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية "غادر نحو 4000 شخص، اليوم الأربعاء"، مشيراً إلى أن الأعداد في تزايد نتيجة استمرار الحصار المفروض على المخيم، ونفاد المواد الغذائية الأساسية.

وبعد وصول النازحين إلى أراضي الحكومة السورية يتم نقلهم إلى مراكز إيواء مؤقتة، وهي عبارة عن مدارس يتم تجهيزها لاستقبال النازحين إلى حين استكمال عملية التسوية وتصويب أوضاعهم.

ويدخل أولئك - الذين عادوا - في المجهول فور عبورهم إلى الأراضي الحكومية، حيث أكد عدد من قاطني مخيم الركبان لسوريا على طول، في وقت سابق، أن الاتصال عبر الهاتف المحمول بالعائدين يتوقف فعلياً بمجرد عبورهم إلى الأراضي الحكومية، ويتم تفريق العائلات عند الوصول، حيث يتم فصل النساء والأطفال عن الرجال.

ولم يتسن لسوريا على طول التأكد من مصير العائدين داخل مراكز الإيواء أو بعد خروجهم منها.

واتهمت روسيا والحكومة السورية مراراً وتكراراً الولايات المتحدة الأمريكية وقوات المعارضة بمنع خروج قاطني مخيم الركبان.

وجاء في بيان سوري - روسي مشترك، نشرته صحيفة تشرين، المقربة من الحكومة السورية، يوم الثلاثاء، أن "الولايات المتحدة تسعى للإبقاء على المهجرين في مخيم الركبان كدروع بشرية لوجود قواتها اللاشرعي في منطقة التنف".

الخيار الأصعب

مع مرور الوقت تحوّل مخيم الركبان من قطعة أرض معزولة في الصحراء على الحدود السورية - الأردنية، إلى أشبه ما يكون بمدينة صغيرة، بيوتها طينية، وفيها متاجر وأسواق شعبية، ويعيش فيه نحو 40 ألف نازح سوري.

ومع استمرار قوافل العائدين إلى مدن وبلدات ريف حمص الشرقي، بدأت أعداد النازحين داخل المخيم تتناقص، وخيارات البقاء تزداد صعوبة على الموجودين في المخيم حالياً، فضلاً عن وجود صراع داخلي لدى فئة الشباب تحديداً.

وفي ظلّ الظروف الإنسانية الصعبة، يرفض قاسم أبو محمد الانضمام إلى جيرانه، ومغادرة المخيم معهم إلى مدينته مهين بريف حمص الشرقي، رغم عدم قدرته تلبية احتياجات زوجته وطفلتيه.

وقال أبو محمد لسوريا على طول "أنا مطلوب للخدمة الاحتياطية، ولا أقبل الانضمام لصفوف الجيش، وبعدها أقتل أولاد بلدي".

وأضاف "لم أشارك بأي عمل عسكري سواء مع المعارضة أو النظام، ومن غير المعقول بعد كل سنوات الحصار والظروف الصعبة داخل المخيم أنتسب للجيش وشارك بالقتل".

"ولكن نحن أمام الخيار الأصعب… ولا أدري إذا كانت الأيام القادمة ستجبرني على العودة"، بحسب ما ذكر أبو محمد.

ولم يتوقع شباب مخيم الركبان أن يصل بهم المطاف إلى خيار العودة لـ"حضن الوطن"، وكانوا يعلقون آمالهم بالوصول إلى اتفاق بين الأطراف يقضي بخروجهم إلى مناطق النفوذ التركي، في شمال سوريا.

وكان فصيل لواء شهداء القريتين قد وقّع اتفاقاً مع القوات الحكومية السورية، في أيلول من العام الماضي، يقضي بخروج المقاتلين المتواجدين في منطقة الـ55، وآلاف النازحين بمخيم الركبان إلى مدينة جرابلس، بريف حلب الشمالي.

وحتى الآن لا يزال ملف خروج المدنيين إلى الشمال السوري موقوفاً، وقال سعيد سيف، الناطق باسم تجمع الشهيد أحمد العبدو، لسوريا على طول "لا يوجد أي تحديث على ملف نقل النازحين من الركبان إلى الشمال السوري حتى الآن".

وأضاف "ما يجري الآن هو نقل الراغبين بالخروج إلى مراكز الإيواء المؤقتة بمحافظة حمص".

وفي ظل استمرار الحصار المفروض على المخيم، ومنع دخول المواد الغذائية والأساسية بدأ شباب المخيم يجازفون بالعودة إلى مدنهم وبلداتهم، رغم المخاطر التي قد تهددهم حال عودتهم، لا سيما أولئك المطلوبين للأجهزة الأمنية، أو للخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية.

وقال عماد غالي، ناشط إعلامي من داخل مخيم الركبان، لسوريا على طول "وقعنا في حيرة، هل نلوم الشباب الذين غادروا المخيم أم نبرر لهم خروجهم في ظل هذه الظروف؟، ولا أدري هل نعاتبهم أو نحزن عليهم لأنهم قد يموتوا على الجبهات إذا تم سوقهم إلى الخدمة العسكرية؟".

وأضاف غالي، الذي يرفض العودة "ما يحدث لا يتحمله عقل… مليون غصة بالقلب، فالأشخاص الذين غادروا المخيم شباب مثل الورود، وشاركوا في أول يوم مع الحراك الشعبي، واليوم عادوا!!".

لا دواء في المخيم

في شباط الماضي، دخلت آخر قافلة مساعدات إغاثية، تابعة للأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري، إلى مخيم الركبان، بعد شهور من الظروف القاسية نتيجة الحالة الجوية في المخيم الصحراوي، وشحّ الإمدادات.

واحتوت القافلة على مواد غذائية ومستلزمات طبية، إلى جانب إجراء استطلاع نوايا للنازحين داخل المخيم من قبل عمال الإغاثة الزائرين، وهو جزء من استطلاع مخطط له مسبقاً "للتشاور مع النازحين حول رغباتهم وأولوياتهم لدعم النقاش حول تسهيل الحلول الدائمة"، وفقاً لبيان صادر، في ٦ شباط، عن الأمم المتحدة.

وشهد المخيم خلال الشهور الماضية، نقصاً حاداً في الإمدادات والمواد الطبية والإنسانية الأساسية، بما في ذلك حليب الأطفال، حيث توفي ما لا يقل عن 12 طفلاً نتيجة للبرودة الشتوية والأمراض التي يمكن الوقاية منها منذ شهر كانون الثاني.

وفي منتصف شباط، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن خطط للإشراف على "ممرات إنسانية" لتسهيل العبور الآمن، لسكان مخيم الركبان إلى مناطقهم الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية في محافظة حمص.

وفي آذار، جرى اجتماع داخل خيمة في الصحراء بين مسؤولين روس وشخصيات من الحكومة السورية مع وجهاء من مخيم الركبان، ودُعي دبلوماسيون أمريكيون للجلوس مع الضباط العسكريين الروس في الاجتماع لتقرير مصير المخيم.

وبعد الاجتماع بدأ المئات من سكان مخيم الركبان بالخروج من المخيم، عبر الخطة الروسية، إلا أن آخر دفعتين كانتا الأكبر، وخرج فيهما عائلات بما في ذلك الشباب.

وقال شكري شهاب، مدير نقطة تدمر الطبية، داخل مخيم الركبان، لسوريا على طول "لا يوجد تغيرات على سياسة العودة، ولكن تزايد أعداد الخارجين متوقعاً بسبب الحصار وفقدان المواد الأساسية".

وفي محاولة لفك الحصار عن المخيم، تمنع فصائل المعارضة العاملة في منطقة الـ55 السيارات التي تقلّ النازحين من العودة إذا لم تكن محمّلة بالمواد الأساسية.

وقال أبو الأثير، قيادي في جيش مغاوير الثورة لسوريا على طول "أهالي المخيم لم يخرجوا بهذه الأعداد إلا بعد فقدان المواد الأساسية وحصار النظام المخيم اقتصادياً".

وأضاف "اشترطنا على السيارات التي تخرج عدم العودة، إلا إذا عادت محملة بالطحين والسكر والمحروقات" مؤكداً أنه "تم إرجاع السيارات التي تعود إلى المخيم فارغة".

وقال شكري شهاب "رُزقنا بحفيدة لابني قبل عشرين يوماً، وخلال الليلتين الماضيتين كانت حفيدتي تبكي طوال الليل، لأنها ببساطة تعاني من انتفاخ في المعدة وجدّها يعمل في نقطة طبية ولكن لا يوجد مضاد".

وختم شهاب "بحثت في المخيم اليوم عن دواء، ووجدت علبة منتهية الصلاحية منذ شهرين… أعطيتها جرعة منه لأنه لا بديل سوى استخدامه!".