حماة- مع انحسار حقبة العمل العسكري على الأرض السورية، والتي أفضت إلى بروز قادة مجموعات ومليشيات مسلحة رديفة للقوات الحكومية الساعية إلى قمع الثورة، شرعت دمشق في إلغاء الصلاحيات المفتوحة التي كانت ممنوحة لأولئك القادة، لكن بما يؤسس لحقبة جديدة، يمكن اعتبارها بالخطورة ذاتها. إذ تتجسد المرحلة الحالية في تحول أمراء الحرب إلى "رجال أعمال"، بما يسمح لهم بتبييض الأموال التي نهبوها من الشعب السوري.

ذلك أن "معظم رؤوس الأموال التي ظهرت في العامين الماضيين تعود لرؤساء مجموعات ومليشيات مسلحة تابعة للنظام، لاسيما مجموعات الأمن الجوي والعسكري ممن اشتهروا بعمليات الخطف والقتل والابتزاز طيلة سنوات الثورة السورية في حماة وريفها"، كما قال الناشط الإعلامي في مدينة حماة، نضال الياسين. موضحاً أن هؤلاء كان لهم الدور الأبرز منذ العام 2011، "نتيجة السلطة الممنوحة لهم في حماة. فكانت زمام الأمور في قبضتهم، ما درّ عليهم ملايين الليرات من كل صوب".

ومن ثم، كما أضاف الياسين لـ"سوريا على طول"، فإن "جميع المكتسبات غير الشرعية، من خوّات على حواجزهم العسكرية، و[فديات] لإطلاق سراح المعتقلين من سجونهم، كما لقاء عمليات تهريب المحروقات بين مناطق النظام والمعارضة والوساطات الأمنية المختلفة، إضافة إلى تسلطهم على أموال المدنيين بوسائل مختلفة، وعمليات التعفيش [نهب منازل المدنيين] وغيرها، قاموا بجمعها إلى حين تخلّي النظام عنهم، لعلمهم بأنهم أسياد وقتهم ذاك فقط، وليسوا سوى أدوات استخدمها النظام في حربه ضد المعارضة، وسيتخلى عنهم مع هدوء الأوضاع في البلاد، كما فعل مع كبار مسؤوليه وضباطه على مرّ السنين السابقة".

الآن، بعد استتباب الأمر للنظام في مدينة حماة وريفها بشكل شبه كامل، "بدأت رؤوس الأموال هذه تطفو على الساحة المالية في حماة وسوريا بشكل عام، ليكون لها النصيب الأكبر في الاستثمارات والشركات المختلفة"، وفقاً للياسين، "معلنة ظهور رجال أعمال، في سبيل تبييض تلك الأموال وفي سبيل الحفاظ على مكانتهم الإجتماعية التي وصلوا إليها بعد إقصائهم من مهامهم الأمنية".

تاريخ معروف

إلى حين اندلاع الثورة السورية، كان طلال الدقاق عامل بناء بسيط، وليتحول بعد ذلك "إلى أكبر متزعم لمليشيات الأمن الجوي في حماة"، كما قال أبو محمد، تاجر العقارات في مدينة حماة منذ 25 عاماً، لـ"سوريا على طول"، حيث "ذاع اسمه بسبب شراسته تجاه معارضي النظام، لاسيما معتقلي مطار حماة العسكري والأمن الجوي. كما عرف بخوّاته التي كان يفرضها على جميع المجالات التجارية في حماة". 

حالياً، صار الدقاق وأفراد من عائلته من كبار المستثمرين في المدينة. إذ "بالإضافة إلى عمل الدقاق في مجال الغاز، كمسؤول عن المندوبين في مختلف أحياء حماة، فقد قام بشراء مكاتب لبيع السيارات الحديثة والباهظة الثمن هناك، والتي يعمل من خلالها على تهريب السيارات من مناطق المعارضة في إدلب وريفها وريف حلب إلى مدينة حماة، بحسب أبو محمد، "علاوةً عن دخوله في سوق الاستثمارات العقارية، إذ إختصّ بشراء المزارع الفارهة والأراضي الزراعية في ريف حماة، إضافة إلى تجارته وإخوته بالعملات الأجنبية، و شراكته في معظم مطاعم ومقاهي المدينة المطلّة على نهر العاصي".

كذلك، يمتلك أحد أشقاء الدقاق أكبر محطات الوقود في حماة، و"يعمل على تجهيز أكبر معمل دوائي على مستوى سوريا بأكثر من 12 خط إنتاج". 

الطريق ذاتها سلكها أيضاً علي الشلي (أو الشلّة) الذي تداولت مواقع إعلامية احتفاله قبل عامين بملياره الأول. إذ كان الشلي بائعاً جوّالاً للقهوة في قرية عين الكروم بريف حماة الغربي، قبل أن ينضم عقب الثورة السورية إلى مليشيات سهيل الحسن المعروف بـ"النمر" الذي صار الشلي أحد مقاتليه المقربين مترأساً إحدى المجموعات في تلك المليشيات. وقد اشتهر بوحشيته تجاه أهالي حلب وريفها إبّان العمليات العسكرية أثناء سيطرة النظام عليها، كما في مواجهة أهالي ريف حماة الشمالي عند انتقال مليشيات النمر للسيطرة على المنطقة.

وحالياً، يعد الشلي أحد "المستثمرين" المعروفين في قطاع المطاعم في حماة، بحسب أبو مهند، أحد تجار الأدوات الكهربائية في المدينة، كما "يمتلك أراض زراعية ومحطات للوقود بريف حماة الغربي عقب سيطرة النظام على المنطقة".

التدمير مستمر بدعم روسي

توقف عمل أبو مهند، كما قال لـ"سوريا على طول"، "وسائر محلات الكهربائيات التي لا تملك نفوذاً في أفرع النظام [الأمنية] أو تعاملاً مع تجار الأدوات المستعملة الذين دخول هذه المهنة حديثاً، كون جميع بضاعتهم من "خيرات" التعفيش التي تمت سرقتها من منازل المدنيين في المناطق التي سيطر عليها النظام والتي يتم بيعها في الأسواق بأسعار زهيدة منافسة لأسعارهم كونها أدوات مسروقة". مضيفاً أنه "في بعض الأحيان يتم بيع [المسروقات] ككتلة واحدة، أي بما تحويه السيارات التي يتم فيها نقل البرادات وأجهزة التكييف وشاشات التلفزة والمدافئ الكهربائية والمفروشات، على علم من النظام وأفرعه وتحت رعايته".

فوق ذلك، فإن تنفذ تجار الحرب في المؤسسات الحكومية ولدى الحليف الروسي "فتح لهم أبواب إقصاء كبار مستثمري حماة، أو جعلهم في واجهة عمليات الاستثمار الحكومية التي تقوم بطرحها مؤسسات الدولة مع كل مشروع سكني وسياحي في المدينة"، كما أكد أبو مهند. مستشهداً بمنح عقد استثمار مطعم ومقهى المهندسين لمدة عشرين عاماً لأسعد حلوم، لقاء مائتي ألف ليرة فقط سنوياً.

وحلوم الذي يمتلك شركة الأسعد للحوالات المالية، كان نُصّب مؤخراً عضواً في مجلس الشعب عن محافظة حماة، بعد الدعم الذي حصل عليه من قيادات النظام. وهو ما يعزى بدوره للدعم الذي يتلقاه من الروس الذي نسج معهم علاقات قوية من خلال دور مكتبيه السياحيين في مدينتي حلب وموسكو في عمليات نقل المقاتلين الروس إلى سوريا.

لمعارضين سابقين نصيب

ما ينطبق على تجارة الأجهزة الكهربائية والمفروشات ينطبق على العقارات، إذ "بات كبار شبيحة النظام من أكبر مستثمري المشاريع المعمارية في حماة اليوم، بل وفي سوريا بأكملها"، كما قال تاجر العقارات أبو محمد، إذ "اقتحم هؤلاء هذه المهنة بشكل مفاجئ بأموالهم الطائلة ونفوذهم الأمني الذي يملكونه بحكم علاقاتهم السابقة"، ما أدى إلى "إيقاف عمل معظم تجار مدينة حماة بشكل شبه كامل وإقصاء البعض منهم خارج المهنة. أما من استطاع البقاء منهم، فقد أُجبر على أن يكون أحد شركاء أولئك الشبيحة أو العمل معهم مقابل نسب مالية [أتاوات] مختلفة"، كما أضاف.

لكن الملفت هنا بروز اسم مصطفى غالب شعيرة الذي شغل منصباً في حكومة المعارضة السورية في مجلس محافظة حماة الحرّة، كما كان قبل قبل ذلك ممثلاً عن معتقلي سجن حماة المركزي في مفاوضات إنهاء استعصاء 2016. 

إذ منذ عودته من تركيا بشكل مفاجئ، تمتع شعيرة بسلطة ونفوذ ومرافقة أمنية، مع تشكيله مجموعات أمنية تتبع للأمن الجوي وأمن الدولة. وسرعان ما تحوّل بعدها إلى أكبر تجار العقارات في حماة، وفقاً لأبو محمد الذي قدر سيطر شعيرة "على أكثر من 60% من سوق العقارات في المدينة". مضيفاً أن "جميع الأبنية الجديدة وعمليات بيع وشراء العقارات تتم عبر مكتبه الواقع في حي الحاضر بحماة أو عبر مكاتبه التي تعمل تحت ظلّه بمسميات مختلفة، لكنها تتبع جميعاً لمجموعة شعيرة للتجارة والتطوير العمراني".

 

*تم استبدال الأسماء الحقيقية للمصادر كافة بأخرى مستعارة حفاظاً على سلامتهم