عمان - ظهيرة يوم 10 أيلول/سبتمبر الحالي، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مقتل أبو الحارث العراقي، مسؤول الاغتيالات في "تنظيم الدولة" (داعش) في عملية أمنية لتلك القوات في منطقة الشدادي جنوب محافظة الحسكة شرق سوريا.

وتظهر أهمية مقتل "أبو الحارث العراقي" من حقيقة تزايد العمليات المنسوبة إلى "داعش" التي تستهدف مناطق شرق الفرات الخاضعة لسيطرة "قسد". وبحسب إحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان، شهد شهرا حزيران/يونيو وتموز/يوليو الماضيين ذروة هذه العمليات منذ إعلان هزيمة "داعش" في 24 آذار/مارس الماضيين، وأدت إلى مقتل "337 شخصاً من المقاتلين والمدنيين والعاملين في المجال النفطي والمسؤولين في جهات خدمية، ممن اغتيلوا ضمن 4 محافظات هي حلب ودير الزور والرقة والحسكة بالإضافة لمنطقة منبج في شمال شرق محافظة حلب". وقد توزع الضحايا، بحسب المرصد، بين 95 مدنياً من ضمنهم 5 أطفال و4 مواطنات في ريف دير الزور الشرقي وريف الحسكة ومدينة الرقة وريفها ومنطقة منبج، و240 مقاتلاً من "قسد" بينهم قادة محليون في المناطق ذاتها، إضافة إلى 4 من عناصر "التحالف الدولي للقضاء على داعش".

إجراءات أمنية كافية؟

في 2 أيلول/سبتمبر الحالي، عقدت "هيئة الداخلية"- التي تتشابه في مهامها مع وزارة الداخلية- في "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، اجتماعاً موسعاً في منطقة عين عيسى شمال الرقة، لتقييم الوضع الأمني و"رفع كفاءة وجاهزية عناصر قوى الأمن الداخلي واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لمنع حدوث خروقات أمنية"، والتأكيد على "ضرورة زيادة الدعم لإدارة المرور من أجل زيادة الشاخصات والدلالات والإشارات المرورية"، بحسب ما ورد على الصفحة الرسمية للإدارة الذاتية.

ويعتمد "داعش" في عملياته أساليب عدة، أبرزها الدراجات النارية المفخخة، ما دفع بالمجالس المحلية في مناطق الإدارة الذاتية إلى إصدار قرار بحظر استخدامها "بشكل نهائي في مدينة الرقة"، بحسب ما صرح عضو المكتب الإعلامي في مجلس الرقة المدني، أسامة خلف، لـ"سوريا على طول."

مصدر أمني في "قسد" تحدث إلى "سوريا على طول"، أشاد بـ"الجهد الاستخباراتي الكبير الذي تبذله قوات "قسد" في ملاحقة خلايا داعش"، والذي أدى إلى تراجع عمليات الاغتيال والتفجيرات في المنطقة "مقارنة بالشهرين الماضيين؛ إذ شهد الأسبوع الماضي أربع عمليات مقارنة بثمان في الأسبوع الذي سبقه".

إلا أن المصدر الذي طلب عدم الإفصاح عن اسمه كونه غير مخول بالتحدث إلى الإعلام، لفت في وقت ذاته إلى أن "تراجع عدد العمليات يعود للحملات الأمنية الكبيرة التي ما إن تتوقف حتى يخرج عناصر [داعش] من مخابئهم ويعودوا إلى ما كانوا عليه". منبهاً أيضاً إلى وجود "ثغرة أمنية داخل قسد"، إذ شهد الأسبوع الماضي "اعتقال مسؤول في "داعش"، كان يعمل مع مؤسسات "قسد" نفسها".

في مقابل الحل المتمثل في تشديد الإجراءات الأمنية، عزا مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، في حديثه إلى "سوريا على طول"، ما اعتبره "فشل قوات "قسد" أمنياً" إلى كون المنطقة التي تسيطر عليها "واسعة جداً وأكبر من إمكاناتها". مشدداً على أن "قسد بحاجة إلى حاضنة شعبية" في مناطق تواجدها.

وشهدت المنطقة في شهر أيار/ مايو الماضي، احتجاجات عارمة ضد ممارسات قوات "قسد" وتردي الأوضاع المعيشية؛ إذ قام الأهالي وقتها بقطع الطرق وحرق مقرات عسكرية تابعة لـ"قسد"، فيما اعتبر أكبر احتجاجات منذ سيطرة هذه القوات على المنطقة العام 2017. وقد رفع المحتجون لافتات تطالب بتسليم المنطقة لأبنائها.

فلتان غير داعشي

الناشط المقيم في دير الزور الشرقي أبو علاء الديري (اسم مستعار)، حمل "قسد" المسؤولية الأساسية عن الفلتان الأمني في مناطق سيطرتها، بسبب "إفراجها عن الكثير ممن كانوا يعملون مع تنظيم "داعش" عبر وسطاء من العشائر العربية من أجل كسب ودّ هذه العشائر"، كما قال لـ"سوريا على طول"، في إشارة إلى "آلية الكفالة العشائرية" التي تم التوصل إليها في أيار/مايو الماضي بين "قسد" وممثلين عن عشائر عربية في المنطقة.

بموجب هذه الآلية، والتي استفاد منها حوالي 1000 من قاطني مخيم الهول، غالبيتهم من النساء والأطفال، يتم الإفراج عن المعتقلين والمحتجزين بتهمة الانضمام إلى "داعش" بضمانة شيوخ ووجهاء عشائر عقب استيفاء التحقق الأمني من قبل "الإدارة الذاتية".

وقد عقد يوم السبت الماضي أيضاً اجتماع بين وجهاء من العشائر ومجلس دير الزور العسكري التابع لـ"قسد" في منطقة الباغوز، آخر معاقل "داعش"، للتباحث بشأن إطلاق دفعة أخرى من المخيم.

على الرغم من ذلك، يقرّ الديري أن من أسباب الانفلات أيضاً "انتشار المخدرات والأخذ بالثأر"، إضافة إلى أن "بعض فصائل درع الفرات التابعة لتركيا، وشخصيات تابعة للحكومة السورية، تنفذ أجندات داخل ريف دير الزور الشرقي باسم داعش" على حد قوله.

وعلى صعيد عمليات الثأر تحديداً، أكدت مصادر عديدة لـ"سوريا على طول"، أن هذه العمليات صارت تأخذ أحياناً منحى مختلفاً عما ألفته المنطقة سابقاً. 

وعلى سبيل المثال، شهد ريف دير الزور الشمالي، في حزيران/يونيو الماضي، اقتتالاً عشائرياً، على خلفية مقتل أحد عناصر "قسد"، تضمن استخدام الرشاشات والأسلحة الثقيلة. كما تم قتل أحد الأشخاص في وسط السوق على مرأى الناس ومسمعهم، ومن دون أي تدخل من قوات "قسد" أو مجلسي دير الزور العسكري والمدني. 

وبحسب ناشط إعلامي مقيم في دير الزور الشرقي، طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، فإن "قسد" ومؤسساتها المدنية والعسكرية "لا تتدخل رغم المناشدات" في هكذا حالات. لكن "عندما يتعلق الأمر بالحزب أو بـ"قسد"، نجد [سيارات] "الهمر" العسكرية تتدخل على الفور".

وقد سعت "سوريا على طول" إلى الحصول على تعليق من قوات "قسد" ومجلس دير الزور العسكري على هذا التقرير، لكن لم يتم الحصول على أي رد.