عمان- مع اقتراب انقضاء فترة تعليق عملية "نبع السلام" العسكرية التي أطلقتها تركيا، في 9 تشرين الأول/أكتوبر الحالي، عبر دعم فصائل من المعارضة السورية منضوية في "الجيش الوطني السوري"، تشير المعطيات على الأرض إلى التزام قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالاتفاق الأميركي-التركي الذي أفضى إلى وقف إطلاق النار.

بموجب الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال زيارة لنائب الرئيس الأميركي مايك بينس إلى أنقرة، التزمت تركيا بوقف عملية "نبع السلام" لمدة 120 ساعة، "من أجل السماح بسحب وحدات حماية الشعب من المنطقة الآمنة" التي تنوي أنقرة إنشاءها شمال سوريا"، على أن يتم وقف العملية العسكرية بشكل كامل "عند الانتهاء من هذا الانسحاب".

وفيما أعلن القائد العام لـ"قسد" مظلوم كوباني، قبول الاتفاق وفعل "ما يلزم لإنجاحه"، أكد المتحدث الرسمي باسم "قسد" كينو غابرييل، الأحد الماضي، إخلاء مدينة رأس العين (سري كانيه) في ريف الحسكة الشمالي، وأنه "لم يعد لدينا أي مقاتلين داخل المدينة".

لكن إذا كان انسحاب "قسد" يصبّ في مصلحة الجيش الوطني السوري الذي سيبسط سيطرته على الأراضي التي كانت خاضعة لقوات كردية تشكل عماد "قسد"، فإن هذا الأمر يضع هذا الجيش، في الوقت ذاته، أمام اختبار الوفاء فعلاً بمبرر مشاركته في "نبع السلام" المتمثل في حماية المدنيين في مناطق شرق الفرات. لاسيما وأن عناصر تابعة للجيش الوطني ارتكبت انتهاكات بحق مدنيين في المناطق التي دخل إليها مؤخراً، أقرت بها قيادة الجيش الوطني لـ"سوريا على طول"، لكنها توعدت بمحاسبة المذنبين وردّ المظالم إلى أهلها.

الأمر ذاته ينطبق أيضاً على "قسد" التي تؤكد بدورها حرصها على المدنيين في مناطق سيطرتها، أو تلك التي غادرتها أو ستغادرها. إذ وثق ناشطون انتهاكات ضد السكان المحليين على يد هذه القوات إبان وبذريعة التصدي للعملية العسكرية التركية.

انتهاكات مزدوجة

ما إن أعلنت تركيا بدء عملية "نبع السلام"، والتي تمثل هدفها بحسب الإعلان الرسمي التركي "في تطهير المنطقة من إرهابيي وحدات حماية الشعب [الكردية] وحزب العمال الكردستاني [التركي] وداعش، وإنشاء منطقة آمنة لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم"، حتى ظهر انقسام محلي سوري كما دولي تجاه الحملة. وبدا واضحاً أن دوافع تأييد العملية أو رفضها بين السوريين تحديداً، سياسية أو قائمة على أساس الانتماء العرقي (عربي-كردي).

في الأثناء تصاعدت تحذيرات منظمات حقوقية وإنسانية من تبعات العملية العسكرية، لا سيما بعد سقوط ضحايا من المدنيين، وبدء عملية نزوح كبيرة لأهالي المناطق المستهدفة.

بعد أيام على بدء "نبع السلام"، وسيطرة الجيش الوطني السوري على تل أبيض، شمالي الرقة، ورأس العين وأريافها، وقعت عمليات سلب ونهب للممتلكات، علق عليها أحد سكان مدينة رأس العين العرب، في حديثه إلى "سوريا على طول": "كنا بالـ"بككا" صرنا فيهم!".

كذلك، فإن "نبع السلام"، كانت بالنسبة لمدير شبكة "إعلاميون بلا حدود-الرقة" الناشط الإعلامي فرات الوفا، تمثل "فرصة الخلاص للمهجرين من شمالي شرق سوريا على يد "قسد"، لا سيما بعد التضييق عليهم في دول الجوار". لكنه سرعان ما أصيب بخيبة أمل، كما قال لـ"سوريا على طول"، "بعد وقوع تجاوزات بحق الأهالي وممتلكاتهم".

فقد أورد "اتحاد شباب الحسكة"، وهو فريق إعلامي محلي، عدة شكاوى من مدنيين في محافظة الحسكة ضد عناصر تابعة للجيش الوطني، بعيد سيطرته على مناطق في مدينة رأس العين وأريافها. من ذلك، استيلاء كتيبة الحمزة، في 18 تشرين الأول/أكتوبر الحالي، على 7 سيارات لمدنيين في قريتي العلوش والمقسومة التابعتين لرأس العين. وقبل ذلك إطلاق عنصر تابع لكتيبة "ميماتي" النار على ثلاثة مدنيين في قرية الناصرية.

ووثق ناشطون محليون عمليات سلب ارتكبها عناصر في كتيبة المجد، المنضوية في صفوف الجيش الوطني، بعد سيطرته على تل أبيض وريفها.

وتعليقاً على ارتكاب عناصر في الجيش الوطني لانتهاكات بحق مدنيين، قال المتحدث الرسمي باسم الجيش الوطني، الرائد يوسف الحمود، لـ"سوريا على طول"، إنه "تم تشكيل لجنة وتعميم أرقام هواتفها على الجميع. وفعلاً وردت شكاوى إلينا بخصوص وقوع انتهاكات". 

مضيفاً أنه "رددنا مظلمات عدد كبير من الضحايا"، كما أودع الجيش الوطني "أحد قادة المجموعات السجن في ريف حلب الشمالي، بعد تورطه في أكثر من حادثة اعتداء".

من جانبه، اعتبر الصحافي التركي المقرب من الحكومة التركية حمزة تكين، في تصريح لـ"سوريا على طول" أن "المعارك قد تشهد تفلتاً في بعض الأمور، وتقع مخالفات للتوجيهات والأوامر"، لكنها برأيه "فردية ولا تزيد عن أصابع اليد الواحدة، وتضخيمها على الإعلام غير أخلاقي ولا منطقي".

وأضاف تكين: "كل من يثبت تورطه سيتم اتخاذ الإجراءات المرعية بحقه. وأردوغان منذ أن أعطى أمراً ببدء نبع السلام كان واضحاً بأنه يجب عدم التعرض لأي مدني على الإطلاق".

على الجانب الآخر أيضاً وقعت انتهاكات بحق المدنيين على يد مقاتلي "قسد" بعد انسحابها من رأس العين، تمثلت بعمليات تصفية بحق مدنيين، بحسب ناشطين محليين. إذ عثر على ثلاث جثث لمدنيين من رأس العين، قال الناشطون إنه تمت تصفيتهم على يد "قسد" بتهمة أنهم أعضاء خلايا نائمة لصالح الجيش الوطني.

وفي حادثة أخرى، قتل مدني في قرية باب الخير، شرق مدينة رأس العين، على يد عناصر من "قسد" بتهمة التعامل مع الجيش الوطني السوري، بحسب ما أورد موقع الخابور الإخباري، مشيراً إلى وجود عدة عمليات تصفية أخرى.

رغم ذلك، ما تزال المعلومات الواردة حول حالات التصفية "قيد التحقق" بحسب ما ذكر لـ"سوريا على طول" عضو في الشبكة السورية لحقوق الإنسان. مشيراً إلى أنه "لم يتم التوصل إلى ذوي الضحايا حتى الآن لتوثيق الحالات بشكل قانوني".

بؤس سيناريو عفرين

مع بدء عملية "نبع السلام"، حذّر ناشطون سوريون من تكرار سيناريو مدينة عفرين في ريف حلب الشمالي. إذ شهدت المدينة، ذات الغالبية الكردية، عمليات سلب ونهب لممتلكات المدنيين فيها عقب سيطرة فصائل من الجيش الحر عليها، في آذار/مارس 2018، في إطار عملية "غصن الزيتون" المدعومة من تركيا أيضاً.

ومن ضمن الفصائل التي شاركت في "غصن الزيتون"، واتهمت بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين في عفرين، "فرقة الحمزات" و"فرقة السلطان مراد"، اللتان انضوتا في صفوف الجيش الوطني وتشاركان في  عملية "نبع السلام". وهو ما أعطى مزيداً من المصداقية للدعاية الإعلامية لـ"قسد" في مواجهة العملية العسكرية التركية الحالية، حتى قبل وقوع انتهاكات.

وقال ناشط إعلامي من محافظة الحسكة، لـ"سوريا على طول"، طالباً عدم الكشف عن اسمه، إن "قسد سوّقت وجود انتهاكات بحق المدنيين، وتحديداً الأكراد، بل وبالغت في ذلك. وهذا ليس غريباً، إذ إن الجيش الوطني عدو لها". مشيراً في الوقت ذاته إلى أن وجود حملة دعائية من "قسد" لا يعني عدم وجود انتهاكات من عناصر في الجيش الوطني. وهذه الانتهاكات وقعت بالدرجة الأولى على عرب الحسكة".

ورغم اعتراف الجيش الوطني بوقوع انتهاكات، وتوعّده بمحاسبة المفسدين، إلا أن هناك مخاوف من استمرارها، إذ "لو كانت هناك نية واضحة وجدية لإيقاف هذه التجاوزات لما تكررت"، بحسب ما ذكر الناشط الإعلامي فرات الوفا.

عدا عن ذلك، فإن عدداً من المتهمين في ارتكاب تجاوزات بحق المدنيين ما يزالون خارج إطار المحاسبة. إذ بحسب المواطن من مدينة رأس العين: "ما يزال عدد من الأشخاص الذين اعتدوا على المدنيين في الناصرة والعالية متواجدين في المنطقة من دون حساب".

وإذا كان ثمة تشابه بين شرق الفرات وعفرين من حيث وقوع انتهاكات بحق المدنيين، ومخاوف استخدام "قسد" لخلايا تابعة لها في المناطق التي انسحبت منها شرق الفرات، فإن التنوع العرقي والطائفي في الشرق، ووجود ثقل عشائري عربي فيها، يجعل الجيش الوطني أمام اختبار أشد صعوبة.

يوضح ذلك تسجيل منسوب إلى أحد قادة الجيش الحر، في سياق مناشدته لعناصر في الجيش الوطني بالتوقف عن الانتهاكات بحق المدنيين. إذ يقول فيه: "يا أخي افهموا أنه شرق الفرات مو مثل عفرين. إذا ما صار لك حاضنة شعبية تموت وتبقى مكروه وخائف. شرق الفرات إذا ما لك حاضنة ما تقدر تعيش. عرب أهلها".

وهو ما أكد عليه فرات الوفا، بأنه "يجب على الجيش الوطني، وقادة عملية "نبع السلام" من الأتراك والسوريين، أن يعلموا أنه من دون حاضنة شعبية، وكسب ثقة الأهالي، فإنهم إلى زوال". مختتماً قوله: "داعش وقسد أمثلة حيّة على ذلك، والذكي من يتعظ بغيره".