مدينة درعا في 2 أكتوبر. تصوير محمد أبازيد / AFP.

منذ أن فقدت أم محمد وظيفتها كمعلمة في حزيران الماضي، تقوم بتدبر نفسها بتقليص النفقات وتقليل الطعام عن أطفالها الأربعة، واقتراض المزيد والمزيد من المال كل شهر. والآن، تثقل الديون كاهلها.

وبعد أن كانت أم محمد تعمل كمعلمة في مدرسة ابتدائية في الجنوب الغربي لمدينة درعا، والتي كانت تدار بواسطة إحدى المنظمات غير الحكومية، ها هي الآن تقتات وعائلاتها من راتب يبلغ 60 دولارا شهريا كعائد لوظيفة زوجها الذي يعمل في مدرسة عامة محلية في المدينة. ومع اقتراب فصل الشتاء تجد والدة الأطفال الأربعة نفسها حائرة عن كيفية توفير الدفء اللازم لعائلتها عندما ستبدأ الثلوج بالتساقط في غضون شهر تقريبا.

وقالت أم محمد لسوريا على طول " هناك العديد من الأشياء المهمة التي يجب توفيرها وشراءها في فصل الشتاء مثل الملابس والتدفئة والمونة_ سنحتاج المزيد من المال في حال مرض أحدنا"

وقبل أسابيع فقط كانت أم محمد تجني 150 دولارا شهريا، ورغم ذلك "لا تكفي لتعيش مرتاحاً" على حد تعبيرها، لكن كان راتبها مع راتب زوجها يسند العائلة طيلة السنوات الماضية التي تمكنوا فيها من الحصول على هذا الدخل بشق الأنفس.

والحياة في مدينة درعا تغيرت بشكل كامل ومفاجئ في حزيران الماضي، حيث قامت الحكومة السورية وحلفاءها بشن هجوم بري وجوي شاسع ضد فصائل المعارضة المتمركزة في محافظة القنيطرة، ومحافظة درعا مسقط رأس أم محمد. وخلال أسابيع فقط ولأول مرة منذ العام 2012، تمكنت الحكومة السورية من استعادة السيطرة على كامل المنطقة الجنوبية الغربية لسوريا.

ولقد أفضى الهجوم الأخير لجنوب سوريا إلى ضياع تجربة استمرت سنوات طويلة في الحكم الموازي وتقديم المساعدات في منطقة تعد ذات رمزية كبيرة لجيل من النشطاء السوريين والتي كانت تعرف في السابق باسم "مهد الثورة".

ومع سيطرة الحكومة السورية على المنطقة، أغلقت جميع المنظمات غير الحكومية، المحلية والدولية منها، مقراتها في درعا والقنيطرة حيث توقفت كل منظمات المجتمع المدني عن تقديم الدعم لمشاريع الرعاية الصحية للمواطنين، وقوات الأمن المحلية في درعا والقنيطرة، بما في ذلك أكثر من 150 منظمة أخرى أغلقت بين عشية وضحاها. 

وتُرك عشرات الآلاف من المدنيين الذين كانوا يعتمدون على المساعدات الدولية والمحلية فجأة دون دعم، ووجد الموظفون أنفسهم بلا وظائف حيث قام أصحاب الأعمال المختلفة بإجلاء الموظفين إلى شمال سوريا وإغلاق مكاتبهم يشكل نهائي.

والآن، يتحمل آلاف المدنيين في جنوب غرب سوريا وطأة الركود الكبير بسبب التفكك التلقائي للاقتصاد المحلي والذي كان يعتمد بشكل كبير على المنظمات غير الحكومية وفصائل المعارضة المدعومة من الخارج. وقد وظف كلاهما أعداداً كبيرة من السكان حفاظا على اقتصاد الحرب في المنطقة من خلال شراء السلع من أسواق المساعدات المحلية.

ودون تدفق تلك الملايين من الدولارات عبر المساعدات الأجنبية إلى أسواق درعا والقنيطرة، فإن المدنيين يتحملون عبئاً مالياً ثقيلاً ويكافحون من أجل البقاء اليوم.

"لقد وصلنا خط الفقر الأن" قالت أم محمد، وهي تصف كيف أن جمع المال لشراء رغيف الخبز يمكن أن يشكل تحديا في بعض الأوقات من دون الحصول على راتب أو مساعدات من الجمعيات الخيرية المحلية.

وأضافت "توقفت حياتنا"

أنظمة حكم موازية

كثيراً ما يشير الناشطون والمؤيدون للمعارضة السورية إلى درعا باعتبارها "مهد الثورة"، وذلك نظرا لاندلاع المظاهرات الرئيسية الأولى هناك ضد الرئيس السوري بشار الأسد في ربيع عام 2011. وتلت ذلك،  وعلى نفس النسق، عشرات من البلدات والمدن السورية الأخرى في صورة احتجاجات شعبية انتشرت في جميع أنحاء البلاد نهاية المطاف.

وفي غضون أشهر، فقدت الحكومة السورية السيطرة على غالبية محافظتي درعا والقنيطرة لصالح الجيش السوري الحر الذي تم تشكيله بعد اندلاع الاحتجاجات مباشرة، وهي قوة تشمل العديد من فصائل المعارضة المنتشرة بشكل مترامي وتحصل على موارد مادية ومالية عديدة من الدول الغربية والأردن ودول الخليج.

وعلى الرغم من اندلاع المعارك في المناطق الجنوبية الغربية تحت سيطرة المعارضة وما حولها، إلا أن هذه المناطق ظلت خارج نطاق سيطرة الحكومة لسنوات.

وبشكل تدريجي، تشكلت شبكة تحوي العشرات من المشاريع المدعومة من الخارج والتي بدورها شكلت بنية تحتية وفرت وظائف اجتماعية مهمة. كانت العشرات من المستشفيات المحلية والعيادات الطبية تدار من قبل الجمعية الطبية العربية السورية ومنظمات أخرى، وفي نفس الوقت، قامت المنظمات غير الحكومية والمدعومة من الولايات المتحدة بتوفير الدقيق للمخابز في جميع أنحاء المنطقة لإطعام المدنيين، وأيضا أنشأت خطة تقودها المملكة المتحدة في مناطق الجنوب الغربي تتمحور حول تأسيس الشرطة المجتمعية التي قدمت خدماتها في عشرات المدن والبلدات.

كذلك، قامت قوات المعارضة بإصدار دفاتر العائلة واستحداث بطاقات الهوية الخاصة بها، ووصل بها الحال إلى أن فتحت أبواب الانتخابات لمجلس محافظة درعا في حزيران.

واليوم معظم الأموال التي دفعت على مثل هذه المبادرات -ومن ضمنها الرواتب التي كانت تذهب لمنظميها -تم إهدارها من تمويل الحكومات الغربية.

سوق الخضار في مدينة درعا في عام 2015. تصوير من درعا الحبيبة

ومع وجود العديد من المؤسسات المدعومة من القوى الأجنبية في درعا المعادية لحكومة دمشق، أصبحت درعا تجربة للحكم الموازي الذي سهل وصول الدول الصديقة إلى معارضين الأسد.

وخلال فترة وجيزة، فُقدت السيطرة على درعا لصالح قوات الحكومة حيث انهارت تلك المؤسسات العسكرية والسياسية والإنسانية التابعة لسلطات المعارضة.

وقال مسؤولون سابقون في المعارضة ومدنيون على الأرض "لم يظهر شيء مماثل ليحل محلهم [المؤسسات]". ومنذ ذلك الحين اختفت الأموال التي كانت تضخها المنظمات غير الحكومية في الاقتصاد المحلي عن طريق شراء البضائع بالجملة من البائعين أو الموظفين الذين ينفقون رواتبهم على محلات البقالة.

وصرح عضو سابق في مجلس محافظة درعا والمقيم حاليا في تركيا لسوريا على طول "كان الاقتصاد في الجنوب يعتمد وبشكل كبير على تمويل فصائل الثوار والمنظمات غير الحكومية". وأضاف أن العشرات من المنظمات غير الحكومية كانت تستخدم "عددًا كبيرًا" من المواطنين في قطاعات الطب والتعليم والمجتمع المدني.

وعلى الرغم من أن مجلس محافظة درعا لم يحتفظ أبداً بسجلات كاملة عن حجم تدفق المساعدات الأجنبية أو أثرها على الاقتصاد المحلي، إلا أن العضو السابق بالمجلس المحلي قدر المساعدات الخارجية بالملايين.

كما أن مقاتلي درعا والقنيطرة، الذين كانوا يحصلون على مرتبات تتراوح ما بين 50 و75 دولاراً شهريا، كانوا ينفقون رواتبهم بطريقة تعود بالنفع على الاقتصاد. وبحسب عضو المجلس المحلي السابق لدرعا فإن بعض فصائل المعارضة المدعومة من الغرب كانت تتلقى ما يصل قدره إلى 800،000 دولار شهريًا لدفع رواتب المقاتلين وبعض المصاريف الأخرى، وأضاف "الآن وبعد أن توقفت الأموال عن التدفق، توقف الاقتصاد بأكمله". "لا يستطيع الناس شراء أي شيء ولا توجد وظائف كالسابق".

اقتصاد محلي "مشلول"

ويقول أبو مصطفى، الذي عمل محاسبًا لدى إحدى المنظمات غير الحكومية الرئيسية حتى حزيران الماضي، إن الشركات المحلية تشعر بالأزمة.

وأضاف: "كل أصحاب الأعمال يشتكون من الانكماش الإقتصادي". ويوضح المحاسب العاطل عن العمل الآن، أن الخوف من التغيرات المفاجئة في سعر الصرف وعدم الاستقرارالعام في الأسواق المحلية يعني أن السكان لا يستثمرون الأموال في أعمال تجارية جديدة أو يعيدون بناء منازلهم المدمرة.

وتسائل أبو مصطفى "من يملك المال هو فقط من يقوم بإعادة الإعمار، لكن هناك أناس لا يستطيعون الحصول على قوت يومهم –ماذا عنهم؟ فأنا لم أعمل منذ أربعة أشهر".

وعلى الرغم من تمكن الشاب البالغ من العمر 35 عامًا من توفير بعض الأموال الطارئة لعائلته قبل أن يفقد وظيفته، إلا أنه سرعان ما بدأت نقوده بالنفاذ حيث تبخر ماوفره في غضون شهرين. "نحن مضطرون للدين من أجل البقاء على قيد الحياة، وعلينا تقليل كميات الطعام والشراب". وأكد أبو مصطفى بأن " المنظمات غير الحكومية حافظت على دوران عجلة الحياة، وربما لم يلحظ أحد ما سيحدث الآن إلى أن توقفت بالكامل".

أما أبو محمد، وهو شاب من ريف درعا الغربي ويعيل ثلاثة أبناء، بنى حياته كلها معتمدا على عمله في دار للأيتام. كان راتبه الشهري البالغ 150 دولارًا كافيًا للعناية بأسرته المتزايدة.

وفي الوقت الراهن، وبعد مرور أربعة أشهر من البطالة، يقوم الشاب البالغ من العمر 26 عاماً بإطعام أسرته عن طريق الديون وتقليص الطعام والشراب وغير ذلك من الضروريات. لكن أبو محمد مطلوب للخدمة العسكرية الإلزامية الآن، ومن المرجح أن يترك عائلته في مطلع العام المقبل، كما أشار.

ففي شهر يوليو الماضي، تم منح الذكور السوريين فترة مدتها ستة أشهر لتسوية أوضاعهم مع حكومة دمشق والاستعداد للخدمة العسكرية. وتبقى الآن أقل من ثلاثة أشهر حتى انتهاء الموعد النهائي.

وقال أبو محمد لسوريا عى طول "هذه مشكلتي الكبرى، سيتم تجنيدي بالجيش، وسوف أترك عائلتي دون معيل يرعاهم".

وختم قائلاً "الحياة مشلولة هنا".

 

ترجمة نورا حوراني