عمّان- رغم التصريحات المستمرة لأنقرة وموسكو، عرابا اتفاق وقف إطلاق النار شمال غرب سوريا، في آذار/مارس الماضي، عن التزام عدم التصعيد، إلا أنها تأتي متزامنة مع تحركات ومواجهات عسكرية مستمرة بين قوات النظام والمعارضة في إدلب، وبما يدلل على الفجوة الواسعة بين تلك التصريحات المطمئنة ومستقبل المنطقة. 

فمحافظة إدلب الخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام، وتحكم واقعها في الوقت ذاته الاتفاقات التركية-الروسية، تشهد خرقاً مستمراً لوقف إطلاق النار، آخرها قصف قوات النظام لبلدات ريف إدلب الجنوبي، في 8 أيلول/سبتمبر الحالي، بالمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ. وقد جاء ذلك بعد يوم واحد فقط من تصريحات وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، حول لقائه مع بشار الأسد، والتي قال فيها إن "هناك هدوءاً نسبياً ساد في سوريا ويجب العمل على ترسيخ هذا التوجه". وهو اليوم الذي قام فيه أيضاً الجيش التركي بتوزيع منشورات في مدينة أريحا جنوب إدلب، أكد فيها أن وجود قواته في المنطقة هدفه "تمكين الاستقرار وضمان سلامة المدنيين والحفاظ على أرواحهم وممتلكاتهم ومنع أي اجتياح أو عمل عسكري على إدلب".

خروقات لن تنتهي بمعركة

"يفترض أن تشهد خطوط التماس بين النظام والمعارضة في إدلب استقراراً لفترة جديدة أقلها ثلاثة أشهر"، كما رأى محمد سرميني، رئيس مركز جسور للدراسات، ومقره تركيا، "نتيجة حرص أنقرة وموسكو على تحقيق المزيد من التقدم في مسار العمل المشترك المحدد وفق التفاهمات الثنائية وآخرها بروتوكول موسكو 2020".

وهو ما يعني، كما أضاف سرميني لـ"سوريا على طول"، وجوب تجاوز الطرفين الروسي والتركي "كل العوامل التي من شأنها تقويض عملية بناء الثقة بينهما، من قبيل استهداف الدوريات الروسية التركية المشتركة، وغياب الرؤية المشتركة حول مكافحة الإرهاب".

لكن هذا لا يعني انتهاء الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار، بل و"احتمالية ارتفاع التصعيد المتبادل بين فترة وأخرى، لكون الطرفين [الروسي والتركي] لم يصلا بعد إلى اتفاق شامل ومستدام لوقف إطلاق النار ومصير المنطقة"، بحسب سرميني.

أبعد من ذلك، ومع أن وسائل إعلام دمشق وإيران تضخّ رسائل تشير إلى اندلاع قريب لمعركة إدلب، فإن إمكانية "قيام روسيا بعملية واسعة في إدلب غير ممكن"، برأى عرابي عبد الحي عرابي، الباحث المتخصص في شؤون الحركات الدينية والجهادية بمركز جسور أيضاَ، معللاً ذلك في حديثه إلى "سوريا على طول" بأنه "لا توجد المقدمات التي تسبق كل معركة، مثل استطلاع وتحشيد القوات، وجلب المدرعات والألوية والفرق المهاجمة".

واتفق مع الاستنتاج السابق الباحث محمد أديب، المتخصص في الشأن السياسي والعسكري السوري. إذ رغم أنه "لا يمكن استبعاد الخيار العسكري نهائياً، خصوصاً في حال أخفق الروس والأتراك في التوصل إلى نتيجة في ملف الدوريات المشتركة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام عمل عسكري قد يضرب تحرير الشام أو يقتطع أراضٍ كما حدث سابقاً"، فإن هكذا تصعيد، كما قال أديب لـ"سوريا على طول" من مقر إقامته في شمال حلب، سيكون "محدوداً ومقيداً بإطار الاتفاق الروسي-التركي".

بناء على ذلك، فإن "المناوشات التي تجري بشكل مستمر في إدلب بين قوات النظام والمليشيات الإيرانية المساندة لها [من جانب] وقوات المعارضة [من جانب آخر] تهدف إلى الاستفزاز والتحريض السياسي"، برأي عرابي.

الموقف التركي

رغم توقيع اتفاق آذار/مارس الماضي، لم تتوقف تركيا عن إرسال التعزيزات العسكرية إلى إدلب، وبناء نقاط مراقبة فيها، آخرها تلك التي تم إنشاؤها، أواخر آب/أغسطس الماضي، بالقرب من بلدة بليون في جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي,

والهدف من ذلك، بحسب سرميني، هو "تعزيز سياسة الردع" التي بدأتها تركيا منذ محاصرة نقطة المراقبة التابعة لها في مورك شمال حماة في آب/ أغسطس 2019. إذ "سارعت تركيا إلى إعادة تعريف دور هذه النقاط لتكون قادرة على الرد والمبادرة، مشكّلة ما يُشبه خطوط الصد على طول حدود التماس". وهو ما يعني أن تركيا "تعتمد استخدام الخيار العسكري كوسيلة لردع النظام السوري وحلفائه، ودعم مصالحها في المنطقة".

ويقدر معهد "دراسات الحرب" الأميركي عدد الجنود الأتراك في شمال غرب سوريا في الفترة بين 1 شباط/فبراير و31 آذار/مارس الماضيين، بنحو 20 ألف جندي. وهم ينتمون، بحسب المعهد، إلى القوات الخاصة ذات الخبرة، والوحدات المدرعة، إضافة إلى قوات المشاة المعروفة باسم "الكوماندوز"، كما الوحدات التي شاركت في العمليات التركية السابقة في عفرين، شمال غرب سوريا، بما في ذلك لواء "الكوماندوز الخامس" المتخصص في العمليات شبه العسكرية والحروب الجبلية.

فوق ذلك، اعتبر الباحث محمد أديب أن استمرار تركيا في تعزيز وجودها في "إدلب التي لا تقع ضمن المناطق المدعومة خدماتياً وإدارياً من أنقرة، يعود إلى الأهمية الاستراتيجية للمحافظة". موضحاً أن "خسارتها تمثل تهديداً للأمن القومي التركي. عدا عن أن التواجد التركي الكبير بهذا الكم والجاهزية، يجعل إمكانية حصول مواجهة عسكرية ضئيلاً جداً".

تدريبات مشتركة

منذ أواخر آب/أغسطس الماضي، نفذ الجنود الأتراك والروس ثلاثة تدريبات عسكرية مشتركة في إدلب، الغرض منها، كما جاء على لسان مدير مركز حميميم الروسي للمصالحة في سوريا، اللواء ألكسندر غرينكيفيتش، "استهداف الجماعات المسلحة التي ترفض المصالحة"، 

واشتملت أحد التدريبات على عمليات استهداف ناري مشترك، وسحب معدات عسكرية متضررة، وتقديم المساعدة الطبية لمصابين. فيما اشتمل تدريب آخر على استخدام طائرات مسيّرة من دون دون طيار، وتضمن التدريب الثالث محاكاة "صد هجمات لجماعات مسلحة على قوافل عسكرية في أثناء تسيير الدوريات بمنطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب"، بحسب ما كشف نائب رئيس مركز التنسيق الروسي في منطقة "خفض التصعيد" بإدلب، يفغيني بولياكوف.

في هذا السياق، اعتبر سرميني أن هدف التدريبات العسكرية المشتركة هو "دفع عملية اختبار الثقة قدماً، وتوسيع مسار العمل المشترك"، مستدركاً بأن "ذلك لا يعني أنّ الطرفين توصّلا إلى صيغة مرضية حول ملف مكافحة الإرهاب، لاسيما وأن تعريف المنظمات الإرهابية ما يزال غير واضح وفضفاض تطلقه روسيا على فصائل المعارضة بشكل عام". 

ورغم أن المفترض أن تكون هيئة تحرير الشام هي حجر العثرة الأساس في طريق وصول أنقرة وموسكو إلى تفاهمات بشأن ملف "الإرهاب" في شمال غرب سوريا، استبعد الباحث عرابي وجود الهيئة "ضمن قائمة الأهداف في الوقت الحالي"، مرجحاً، في المقابل، أن يكون الاستهداف "لكتائب صغيرة جداً يقال إنها متطرفة، مثل كتيبة الألبان [وهي كتيبة صغيرة تأسست العام 2013، من مقاتلين قادمين من دول البلقان] والفرنسيين [التي تعرف بـ"كتيبة الغرباء"، وتضم مجموعة من المقاتلين الفرنسيين]". لافتاً إلى أن "تحرير الشام تقوم بشل فاعلية هذه الكتائب، من خلال اعتقال أفرادها وملاحقتهم".

دولة إدلب!

خلال الأسبوعين الماضيين، خرجت "تحرير الشام" بتصريحين رسميين يزيدان من الضبابية بشأن مستقبل شمال سوريا، بما في ذلك مصير الهيئة ذاتها. ففي 30 آب/أغسطس الماضي، اعتبرت الهيئة أن "في المحرر  [المناطق الخاضعة لسيطرة "تحرير الشام"] دولة سواء اعتُرف بها أم لا. لها سلطة ومؤسسات، تدير المنطقة على كافة الصعد".

وأضافت الهيئة، في اجتماع التقى خلاله عدد من قادتها مع إعلاميين وناشطين في إدلب، أن "منطقة إدلب فيها ما يناهز أربعة ملايين، وتدار من قبل إدارة خرجت من رحم الثورة ومن ركام القصف، الأمر الذي يعطيها شرعية أمام أبناء الشعب وأمام العالم أجمع، وهذا يعد نصراً استراتيجياً". 

لاحقاً، دعا الشرعي العام لـ"الهيئة"، عبد الرحيم عطون، المعروف بـ"أبو عبد الله الشامي"، إلى تطبيع العلاقات مع الدول الغربية. إذ قال في مقابلة مع صحيفة "ليتيمبس" (LETEMPS) السويسرية الناطقة بالفرنسية، نشرت في 4 أيلول/سبتمبر الحالي: "نحن نحاول حالياً تنظيف صورتنا، والهدف ليس تجميل الواقع إنما عرضه كما هو"، مضيفاً أن "سكان إدلب لا يعيشون كما كان يعيش سكان محافظة الرقة خلال  سيطرة تنظيم الدولة (داعش)".

وأكد عطون أن "تحرير الشام" تريد الخروج من القائمة السوداء (الخاصة بالتنظيمات الإرهابية)، وأنه "عندها فقط ستتمكن المنطقة [شمال غرب سوريا] من التعافي"، كونها "بحاجة إلى مساعدة دولية لإعادة البناء".

ويمكن قراءة هذه التصريحات، بحسب الباحث عرابي، في سياقين: "رسائل داخلية وأخرى خارجية". موضحاً أن الرسالة الأولى "موجهة للغرب، ومفادها: لدينا بنية عسكرية تنظيمية تحظى بقبول شعبي ودعم"، فيما تحذر الهيئة في رسالتها إلى الداخل من أنه "لا يمكن للفصائل الأخرى والتشكيلات السياسية أن تنافس الهيئة، نظراً لكونها تمتلك بنية عسكرية وتنظيمية، كما إنه لا يمكن للهيئة، من ناحية أخرى، بعد الوصول الى هذا المستوى من التنظيم والتأسيس أن تترك هذا كله وتذهب للاندماج بلا شروط مع الجهات الاخرى"، وفقاً لعرابي.

بالنتيجة، يبدو جلياً أن "تحرير الشام" تعمل على مشروع يضمن استمراريتها، بحسب الباحث أديب، وهي "تناور في شكلها مقابل البقاء". مستشهداً بالتحولات المستمرة في بنية التنظيم وتفكيره الأيديولوجي، من قبيل ممارسة أفعال وتنفيذ سياسات "كانت محظورة سابقاً، تتعلق بشخصية القائد نفسه والهيئة ككل"، 

لكن فرص نجاح الهيئة، وهي أكبر كيان عسكري يتحكم بمحافظة إدلب شمال غرب سوريا، يتطلب "مزيداً من المرونة من قبلها، وأن تقدم أكثر مما قدمته"، برأي أديب.