في صباح كلّ يوم تفاوض أمل الدمشقي سائقي سيارات التكسي على الأجرة قبل الركوب، وتشترك مع موظفين آخرين في سيارة واحدة، لتنقل كلّ واحد منهم إلى وجهته داخل العاصمة دمشق.

هذا المشهد أصبح اعتيادياً لدى سكّان دمشق، بعد أن ضربت "أزمة المحروقات" العاصمة دمشق ومحافظات أخرى تقع تحت سيطرة الحكومة السورية.

وكانت الأزمة قد بلغت ذروتها بعد منتصف نيسان الماضي، وقال سكان محليون لسوريا على طول، في وقت سابق بأن الحياة "متوقفة"، وتحدّث السائقون عن ساعات الانتظار الطويلة لملئ سياراتهم من محطات الوقود.

بالنسبة لأمل أن تكون صحافياً في العاصمة دمشق، يعني أنك أمام كثير من الخطوط الحمراء المتعلقة بسياسة الدولة وإدارتها للبلاد، مع هامش حرية في القضايا الخدمية كالكهرباء والمياه والمحروقات.

ولكن هذا لم يعد ممكناً مع أزمة المحروقات، فما يُكتب في الإعلام عن انفراج أزمة البنزين في الإعلام المحلي يتنافى مع ما تعيشه يومياً، لأنك كصحفي "مسموح أن تغطي أزمة المحروقات دون أن تتخطى الحدود".

وقالت الدمشقي لوليد النوفل، مراسل سوريا على طول "واقع المحروقات في دمشق سيء جداً" ولكنها نشرت تقريراً واحداً عن الأزمة وتوقفت "إما أن أكتب تقريراً يحل مشكلة الناس ويوصل صوتهم للمسؤولين أو عدم الكتابة أفضل".

وتنذر أزمة المحروقات أن تُدخل العاصمة دمشق بأزمة أخرى، تتمثل في ارتفاع الأسعار كامتدادٍ لازمة المحروقات، واعتبرت غرفة تجارة دمشق "تأثير المحروقات وارتفاع أسعارها أخطر من تذبذب سعر الصرف على المواد، من ناحية ارتفاع أسعارها، مبينة أن الوقود يشمل المنتجات كافة كالأغذية والخضراوات وحتى المواد السورية المنشأ".

وفي جلسة مجلس الوزراء، التي عقدت أمس الثلاثاء، طلب رئيس مجلس الوزراء السوري عماد خميس،  تشكيل لجنة لتسعير البنزين شهرياً وفق متغيرات بورصة النفط العالمية، وطلب من وزارات الداخلية والإدارة المحلية والتجارة الداخلية ضبط تسعيرة التنقل بسيارات الأجرة ووسائل النقل العامة والخاصة في جميع المحافظات ومخالفة كل من يتجاوز التسعيرة.

وتلقي وسائل الإعلام الموالية للحكومة اللوم بشكل روتيني على العقوبات الاقتصادية التي فرضها كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن أزمة البنزين، والتي قال السكان إنها شلت حركة العاصمة.

كيف أثرت أزمة المحروقات على تجوالك اليومي في العاصمة دمشق؟

أجرة التكسي ووسائل النقل العامة ارتفعت، وباصات النقل العامة قليلة، ولا أستطيع الركوب فيها بسبب الازدحام الشديد، الباصات الصغيرة (المكيرو باص) دائماً عليها ازدحام، صحيح أنه الازدحام ليس جديداً على دمشق، ولكن سابقاً كنت تنتظر وتجد مكان، اليوم ممكن تنتظر عالفاضي!.

اليوم مسموح لصاحب التكسي تعبئة سيارته مرة كل 48 ساعة على البطاقة الذكية، وهذا أدى إلى رفع الاجور وعدم الالتزام بالتعرفة الحكومية، مثلاً كان المشوار يكلفني 800 ليرة كل يوم، صار حالياً 1200 ليرة سورية، يعني اليوم بصراحة تحتاج للتكسي راتب شهري ثاني.

وقبل ما أركب التكسي بتفاوض مع سائق التكسي، وأحياناً لا أتفق مع السائق وأبحث عن سيارة أخرى، ومن آثار الأزمة أنك ممكن تركب بالسيارة نفسها مع أكثر من شخص، لأنه السائق يضطر أن يأخذ أكثر من راكب بنفس الوقت حتى يتغلب على الأزمة من حيث التكلفة وطول ساعات الانتظار في محطات الوقود.

أحياناً أضطر المشي نصف الطريق، حتى أستطيع توفير جزء من أجرة المواصلات.

أما بالنسبة للوقت، المحروقات لم يكن لها تأثير كبير، سابقاً كان التأخير على الحواجز المنتشرة في العاصمة دمشق، واليوم المحروقات، يعني الانتظار هو ذاته تقريباً كنا بحواجز صرنا بأزمة محروقات.

هل انعكست أزمة المحروقات على حياتك اليومية – غير المواصلات – وكيف؟

كل شيء ارتفع بنسبة تتراوح بين 30 إلى 40 بالمائة... كل شيء يخطر على بالك، والسبب في ارتفاع الأسعار أمرين: الأول أزمة المحروقات، والثاني ارتفاع سعر الدولار.

اشتريت قبل أيام كيلو موز بـ 600 ليرة سورية (1.20 دولار)، وسابقاً كان سعره 450 ليرة (0.95 دولار)، والرز والسمن والسكر والزيت... كل شيء ارتفع، حالياً تكلفة الطبخة 5000 ليرة سورية (10 دولار تقريباً)، لذلك أطبخ كل يومين أو ثلاثة أيام طبخة.

نحن نعيش أزمة فظيعة، أكبر من أزمة الحرب، يعني يا محلى الموت والقذائف، والحرب والضرب يلي كنا عايشين تحته، يلي كنا فيه أهون من الحياة التي نعيشها اليوم. اليوم نقول لو أن الحرب مستمرة كما كانت أفضل، في ذروة الحرب كانت المواد متوفرة، وبعد أن شارفت على الانتهاء تكشّف الضعف الاقتصادي للدولة.

ماذا عن أزمة الغاز التي شهدتها دمشق في وقت سابق؟

بالنسبة لمشكلة الغاز لم تنته، حالياً مستحقات العائلة كل 23 يوم اسطوانة غاز واحدة، بصراحة لو أرادت العائلة تحضير الشاي والطهي يومياً، ينفد الغاز خلال 15 يوماً، وقبل 23 يوماً من المستحيل أن تحصل على جرة.

وهنا اسطوانات الغاز مغشوشة، لا أدري بم يخلطونها، ولكن أتوقع مخلوطة بالماء، لذلك أرسل أحياناً الفارغة مع سائق يعمل على خط لبنان لتعبئتها هناك.

الحمد لله نحن حالياً بفصل الصيف، ولكن في الشتاء الماضي كنت أستخدم الغاز في التدفئة، وهذا اضطرني أن أرسل الاسطوانة الفارغة إلى لبنان لتعبئتها.

باختصار المعيشة في الشام غير الكلام، لأن الكلام لا يوجع، ولكن العيشة بدمشق موجعة في هذه الأيام.

هل أثّرت الأزمة على عملك كصحافية؟ أم أنها كانت فرصة لعمل مواد صحفية عن معاناة الناس في دمشق.

أولاً، بالنسبة لعملي كصحافية في دمشق، تأثر سلباً، أولاً أنا أعمل (فري لانس) فالمواصلات غير مؤمنة من الجهة التي أعمل معها، وأي تقرير يحتاج مقابلات وتصوير، لا يمكنني تنفيذه إذا كان الوارد المادي غير جيد، وحالياً شغلي متوقف لهذا السبب، تقريباً شغلي توقف بنسبة 75 بالمائة، لأنه لو الوارد كله سيذهب للمواصلات أفضل أبقى ببيتي مع أطفالي.

أما بالنسبة لتغطية أزمة المحروقات، أنا اشتغلت تقرير واحد، وبكل صراحة عادي وعالفاضي، لأنه واقع المحروقات سيء جداً، ومسموح أن تغطي أزمة المحروقات دون أن تتخطى الحدود، لأنه إذا تخطيت الحدود باي باي لندن!.

شخصياً أفضل أن أكتب تقريراً يحل مشكلة الناس ويوصل صوتهم للمسؤولين أو عدم الكتابة أفضل، لأنه الهدف ليس جمع إعجابات على وسائل التواصل الاجتماعي، ولذلك قررت ألتفت لتغطية مواضيع أخرى في البلد وتركت أزمة المحروقات.

حسب مواقع إعلامية محلية، هناك بوادر تشير إلى انتهاء أزمة المحروقات، ما صحة ذلك؟

لا بوادر لانتهاء أزمة المحروقات، والمستقبل غير واضح، وقد تشتدّ الأزمة في رمضان، أما إذا تقصد التصريحات الحكومية عن انفراج الأزمة، فهذا كلام لم يتحقق.

وللعلم ما يكتب في الإعلام عن أزمة المحروقات لا يوجد فيه تهويل، بالعكس هناك كذب من وسائل الإعلام التي صورت الناس تفرح وتغني وتتعايش مع الأزمة، يعني مثلاً انتشرت صور لأشخاص بطوابير الانتظار معها (أرجيلة)، أو مكسّرات وتسالي، هذا أكيد موجود، بس تصور بالإعلام بطريقة ثانية، هذا الشيء موجود لأنه الشخص عم ينتظر أحياناً 6 ساعات أو أكثر، فإجباري المفروض يكون معه شيء يسلّيه.