طلاب الرقة ومعلموها يستعدون للعام الدراسي الجديد بعد "ظلام" حكم التنظيم

معلمو الرقة يحضرون ورشة عمل تموز. تصوير: لجنة التربية والتعليم في مجلس الرقة المدني.

 

من المتوقع أن يعود أكثر من ١٠٠ ألف طالب إلى المدارس في محافظة الرقة، شمال سوريا الشهر المقبل، لتبدأ السنة الأكاديمية الرسمية الأولى بعد انهيار حكم تنظيم الدولة، العام الماضي.

ومع اندفاع السلطات المحلية، المدعومة من جانب الولايات المتحدة، إلى إعادة تأهيل نظام التعليم الذي كان في حالة يرثى لها، يستعد المدرسون أنفسهم لمهمة شاقة تتمثل في العمل مع الأطفال - كثير منهم مصابون بالصدمة بسبب عدم الاستقرار والقتال - حيث عاشوا لسنوات دون تلقي أي تعليم رسمي.

وعندما أعلن التنظيم، في عام ٢٠١٤، الرقة عاصمة لما يسمى بـ"الخلافة"، توقف التعليم المعتاد في المنطقة، وفرض التنظيم منهجاً بديلاً يستند إلى تفسير "متشدد" لأحكام الشريعة الإسلامية وحظر تدريس المواد الدراسية الأساسية، بما في ذلك الفيزياء والكيمياء.

واختفت عدد من مدارس الرقة تماماً، وتحولت إلى ملاجئ مؤقتة للنازحين أو سجون للتنظيم، وخلال هجوم جوي وآخر بري قام به التحالف الدولي المدعوم من الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية لطرد التنظيم من المحافظة، وثقت منظمات حقوق الإنسان حالات من تعرض المدارس للقصف.

وقالت المعلمة زينة العبد، البالغة من العمر ٢٢ عاماً، لسوريا على طول عبر واتساب، طلبت حجب اسمها الحقيقي "هناك عدد قليل من الناس وافقوا على السماح لأطفالهم بالذهاب إلى المدرسة".

ومع طرد التنظيم من المحافظة، بدأ الأطفال بـالعودة إلى المدرسة تدريجياً، ومع ذلك بقي نظام التعليم غير منظم إلى حد كبير، مع توافر موارد محدودة.

ويدير مجلس الرقة المدني قطاع التعليم في المحافظة، وهو هيئة أنشأتها قوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة في نيسان عام ٢٠١٧ وتم تكليفها بحكم المدينة في أعقاب هزيمة تنظيم الدولة.

ووفقاً لما ذكره علي الشنان، رئيس لجنة التربية التعليم التابعة لمجلس الرقة المدني، تمكنت اللجنة حتى الآن من إعداد ١٨١ مدرسة للفصل الدراسي القادم، من أصل ٢٣١ مدرسة كانت تعمل في محافظة الرقة قبل اندلاع الحرب في سوريا.

ومع اقتراب عودة الطلاب للمدارس بعد شهر واحد، يقوم الموظفون الآن بنقل الآلاف من المكاتب الجديدة والألواح البيضاء والقرطاسية والكتب المتراكمة في مقر اللجنة في وسط الرقة إلى المدارس في جميع أنحاء المحافظة استعدادا لبدء العام الدراسي.

 

جلس الرقة المدني ينقل الألواح البيضاء، يوم السبت. تصوير: لجنة التربية والتعليم في مجلس الرقة المدني.

ووسط الاندفاع نحو تأهيل المدارس، تواجه اللجنة تحدياً أكبر في إعداد معلمي الصفوف المليئة بالأطفال الذين حرموا من الدراسة الرسمية لسنوات، ويخشى المعلمون وموظفو التعليم من أنهم سيتعاملون مع جيل طلابي مصاب بصدمة شديدة بسبب الحكم الوحشي لتنظيم الدولة وقصف قوات التحالف.

وقالت العبد "لا نزال نرى الطلاب يخافون من الأصوات العالية مثل صوت السيارات والطائرات في السماء"، كما أنها قلقة من أن بقاء الأطفال "خارج المدرسة لمدة سبع سنوات أدى إلى الجهل ونقص التنمية على جميع المستويات".

والعبد هي من بين حوالي خمسة آلاف معلم من الرقة تلقوا برنامجاً تدريبياً لمدة شهرين في الصيف الماضي بهدف تحسين "كفاءات المعلمين بعد انقطاعهم عن التدريس لأكثر من خمس سنوات"، وفقاً لمنشور على الفيسبوك من قبل مجلس الرقة المدني، في حزيران.

وبحسب الشنان، يهدف التدريب أيضاً إلى إعداد المعلمين من أجل "تعليم الأخلاق" للتلاميذ بالإضافة إلى "الدعم النفسي والاجتماعي والقضاء على الأمية".

ويأتي التدريب الصيفي في الوقت الذي تعمل فيه سلطات قسد على محو الآثار التي خلفها حكم التنظيم في نفوس الآلاف من الأطفال.

وقال المعلمون إن هذه المهمة تنطوي على محو سنوات من الترويج لفكر التنظيم، وقال أحد معلمي دير الزور لسوريا على طول في مطلع هذا العام، إن التحدي الأكبر الذي يواجه المعلمين في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم هو "القضاء على الفكر الظلامي" بين الطلاب الذين ربما أمضوا عدة سنوات في تعلم الأيديولوجيات الإسلامية المتشددة في المؤسسات التي يديرها تنظيم الدولة.

وتظهر الصور التي حصلت عليها سوريا على طول في نيسان، الكتب المدرسية التي طبعها التنظيم، والتي تحتوي على صور لصواريخ ومدافع وأجهزة متفجرة لمساعدة الأطفال على فهم تمارين بسيطة في الرياضيات، وتم الكشف عن الكتب في زاوية معزولة في جنوب غرب سوريا، الشهر الماضي، من قبل إحدى الفصائل التابعة للتنظيم، ويتضح فيها الترويج للعنف في التعليم في المناطق التي كانت تحت سيطرة المجموعة.

وقالت العبد أن المدرسين بحاجة إلى التعامل مع الطلاب العائدين "بهدوء" و "دون استخدام العنف، إنما من خلال تشجيعهم".

لكن مع قيام العبد ومئات من المعلمين الآخرين بإعداد دروسهم للأشهر القادمة، فإن مهمة إعادة دمج مئات الآلاف من الأطفال في النظام التعليمي تفرض تحديات طويلة الأمد على المعلمين والمسؤولين في محافظة ما زالت تتعافى من سنوات من الصدمة.

وختمت العبد "الانتقال من الظلام والسواد إلى الانفتاح ليس أمراً سهلاً. وفي النهاية، لا نريد بلداً جاهلاً".

 

هذا التقرير هو جزء من تغطية سوريا على طول الإخبارية، لمدة شهر كامل، للأراضي التي كانت تحت سيطرة التنظيم في سوريا مع مؤسسة كونراد أديناور والمراسلين على الأرض في سوريا. اقرأ تقريرنا التمهيدي هنا.

 

شارك في إعداد التقرير: عبد الله الحسن

ترجمة: سما محمد

محمد عبدالستار إبراهيم

من محافظة الحسكة، مدينة عامودا، انتقل محمد إلى الأردن في عام 2004 بعد الأنتفاضة الكردية آنذاك ضد نظام البعث. مع بداية الثورة في الداخل السوري عمل ناشطاً مع تنسيقية الثورة السورية في الأردن. وانتقل فيما بعد إلى النشاط الإغاثي والتعليمي والدعم النفسي. ويسعى إلى تعلم الصحافة لنقل الحقيقة كما هي. ومحمد كاتب قصصي وروائي.