سوق في مدينة الحسكة في عامودا. الصورة من ARTA FM.

استغرق الأمر 31 عاماً قبل أن تمنح المحامية الكردية السورية بسة عثمان الحق في أن تصبح مواطنة في البلد الوحيد الذي عرفته.

مع انتشار الاضطرابات بسرعة في جميع أنحاء سوريا في أوائل عام 2011، أصدر الرئيس بشار الأسد مرسوماً رئاسياً يمنح الجنسية إلى عثمان وآلاف الأكراد السوريين المعروفين باسم أجانب عديمي الجنسية بموجب تعداد أجرته الحكومة السورية في شمال شرق محافظة الحسكة في عام 1962.

وقالت عثمان، وهي من سكان الحسكة في مرسوم عام 2011 " أزيل هذا الحاجز الأبدي بيننا وبين الإنسانية" الذي اعتبره بعض المراقبين أنه محاولة لتهدئة الاستياء المتصاعد بين أفراد أكبر أقلية عرقية في سوريا وذلك بعد أن بدأت الانتفاضة الوطنية بالإنتشار.

ومن دون الجنسية السورية والحقوق القانونية الأساسية التي ترافقها، واجهت عثمان والكثيرون مثلها -الذين يعتقد أنه قد بلغ عددهم مئات الآلاف قبل عام 2011- قيوداً لاتحصى تمس جميع جوانب الحياة. 

ويحرم أفراد المجتمع الكردي عديم الجنسية من وظائف القطاع العام والتصويت وامتلاك العقارات أو الأعمال التجارية والحصول على شهادات جامعية. وغالباً ما يتم كتابة عقود زواجهم من تحت الطاولة، ويعانون من أجل السفر بحرية داخل سوريا، ناهيك عن الخارج.

وقالت عثمان أن هذه القيود بالنسبة لها على الأقل قد تلاشت منذ صدور مرسوم عام 2011، وأنه بعد ما يقارب عام من إكمال دراستها، تمكنت أخيراً من الانضمام إلى نقابة المحامين وبدء التدريب - وهو أمر كان مستحيلاً من قبل.

وذكرت لسوريا على طول من منزلها في مدينة ديريك قرب حدود الحسكة مع تركيا "نحن الآن نعامل معاملة المواطن السوري".

ومع ذلك فإن المرسوم بعيد كل البعد من أن يكون علاجاً للجميع. وبعد حوالي 56 سنة من الإحصاء السكاني لعام 1962، لا يزال العديد من أكراد سورية ينتظرون الحقوق الأساسية التي تأتي مع الجنسية. لم يقتصر الأمر على آلاف الأشخاص ممن يُدعون "أجانب" ولم يكونوا قادرين أو غير راغبين في التسجيل للحصول على الجنسية - وبالتالي بقوا بلا جنسية حتى يومنا هذا - بل هناك مجموعة ثانية من الأكراد الذين جردوا من حقوقهم في تعداد عام 1962 لم يتم ذكرهم على الإطلاق في مرسوم 2011. 

وعلى الرغم من التحسينات الجزئية التي أدخلتها السلطات التي يقودها الأكراد والتي تسيطر على جزء كبير من شمال شرق البلاد، لا يزال الوضع القانوني للأكراد السوريين عديمي الجنسية متأرجحا. ويتطلع الأكراد المحاطين بالمؤسسات المتنافسة وميادين السيطرة المختلفة، للمستقبل مع بداية غير ثابتة للمفاوضات بين السلطات الكردية والحكومة السورية بشأن مصير المحافظات الشمالية الشرقية لسورية.

 

سوق في مدينة الحسكة في 8 تشرين الأول. الصورة من ARTA FM.

 

الإحصاء الاستثنائي عام 1962

جاء إحصاء عام 1962 أعقاب المرسوم الرئاسي رقم 93 الذي وقعه الرئيس السابق ناظم القدسي. ليكون بمثابة الخطوة الأولى في سلسلة من الإجراءات التمييزية التي تستهدف الجاليات الكردية في سوريا خلال فترة الخمسينات والستينيات والسبعينيات والتي من المفترض أن تهدف إلى "تعريب" المناطق الكردية الغنية بالموارد في شمال شرق البلاد.

وكان التنفيذ سريعاً في 5 تشرين الأول 1962، حيث تم إرسال البيروقراطيين الحكوميين إلى المدن والقرى في محافظة الحسكة على مدار يوم واحد. كان الهدف المعلن للإحصاء هو "تطهير" السجلات الحكومية "للمتسللين الأجانب" الذين زعم أنهم عبروا الحدود الجنوبية لتركيا وسجلوا أنفسهم بشكل غير قانوني داخل سوريا.

لكن من الناحية العملية، كشفت شهادات شهود العيان العديد من المخالفات التي تعرضوا لها حيث كان ممثلو الحكومة -برفقة قادة المجتمع المحلي المعروفين باسم المختارين- وهم يطرقون أبواب السكان ويطالبون برؤية وثائق تثبت أنهم كانوا مقيمين في سوريا منذ عام 1945 أو قبل ذلك.

وكان بعض سكان المقاطعة -ممن كانوا في ذلك الوقت من الأميين ومن المرجح أن يكونوا غير مدركين للإحصاء في ذلك الوقت- يتدافعون للعثور على سجلات لهم كي لا يرفضون، في حين أن آخرين لم يتمكنوا من تحقيق أي شيء. كما أن آخرون فقدوا الجنسية لمجرد عدم وجودهم في المنزل في الوقت الذي تم فيه إجراء الإحصاء.

وكانت النتيجة أنه حتى داخل الأسرة نفسها يكون الوضع القانوني للأقارب مختلف ويملكون وثائق وهويات مختلفة، حيث وجدوا أنفسهم مصنفين في إحدى المجموعات الثلاث للأكراد السوريين التي ظهرت في أعقاب الاحصاء.

والمجموعة الأولى هي أولئك الذين تمكنوا من تقديم الوثائق اللازمة - أو في بعض الحالات المبلغ عنها، بطريقة الرشوة- وبالتالي احتفظوا بالجنسية.

وفشلت المجموعة الثانية، وهم "الأجانب"، في محاولاتهم لإثبات الإقامة القانونية، وتم تسجيلهم في السجلات الرسمية كأجانب، وبعدها حصلوا على بطاقات هوية حمراء خاصة صادرة عن وزارة الداخلية.

وفي الوقت نفسه، تألفت المجموعة الثالثة من الأكراد الذين لم يتم تسجيلهم في السجلات الرسمية على الإطلاق - إما لأنهم رفضوا المشاركة في الإحصاء أو ببساطة لم يتم الوصول إليهم من قبل المساحين، وأصبحوا يعرفون باسم "مكتوم القيد" أي "الذين لديهم ملفات مخفية"، أو بعبارة أخرى غير الموثقين. وبدلاً من أي شكل من أشكال الهوية الرسمية، يحمل العديد من المكتومين حتى يومنا هذا ما يعرف باسم "شهادة تحديد الهوية" - وهي ورقة بيضاء موقعة من مختار محلي يشير إلى أن حاملها غير مسجل ولكنه معروف لدى السلطات المحلية.

وبحلول غروب شمس يوم 5 تشرين الأول 1962، تم تجريد نحو 120 ألف كردي من جنسيتهم – أي حوالي 20 بالمئة من السكان الأكراد في البلاد-  مما جعل نسبة عدد السكان عديمي الجنسية ترتفع في السنوات التي تلت ذلك، لأن الكثير من أحفادهم من أصل سوري وورثوا انعدام الجنسية منهم أيضاً.

 

مثال على البطاقات الحمراء الصادرة للأجانب. الصورة من STJ

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف مليون كردي سوري كانوا عديمي الجنسية قبل صدور مرسوم عام 2011 الذي منح حق المواطنة للأجانب، وفقاً للأرقام التي قدمتها إدارة الأحوال الشخصية في الحسكة إلى مرصد الحقوق المستقل، سوريون من أجل الحقيقة والعدالة (STJ).

وتشير هذه الأرقام إلى أن أكثر من 350 ألف كردي تمكنوا من الحصول على الجنسية منذ عام 2011، بما في ذلك معظم الأجانب وبعض من مكتومي القيد، على الرغم من أن المرسوم لا يتعلق بالمجموعة الأخيرة. ووفقًا لتقرير مرصد الحقوق المستقل سوريون من أجل الحقيقة والعدالة STJ، تمكن عدد من الأشخاص من "حلّ وضعهم القانوني من خلال أن يصبحوا أجانب ثم مواطنين سوريين".

ولكن بالنسبة لعشرات الآلاف الذين لايزالون عديمي الجنسية، فإن تداعيات إحصاء عام 1962 تؤثر عليهم.

وقالت المحامية عثمان "إن وضعهم لايزال كما هو، مجموعة من البشر بدون هوية ولا حقوق".

لا يزال عديم الجنسية، في ظل النظام الجديد

واليوم، يجد سكان الحسكة - عديمي الجنسية أو غيرهم - أنفسهم في محافظة تحكمها الإدارة الذاتية، وهي سلطة سياسية يقودها الأكراد والتي أعلنت من جانب واحد سيطرتها على المناطق ذات الغالبية الكردية في عام 2013، وملأت الفراغ في السلطة بعد أن انسحبت الحكومة السورية السنة الماضية. 

وبعد إنشائها، شكلت الإدارة الذاتية مجموعة من اللجان والمؤسسات الحاكمة - بما في ذلك المدارس والمحاكم وقوة الشرطة - لتوفير الخدمات العامة للمقيمين في أراضيها، والتي تضم حاليا جميع محافظة الحسكة فضلا عن أجزاء من حلب و الرقة. 

كما تحافظ الإدارة الذاتية على تأثير غير مباشر على المناطق العربية التاريخية في شمال شرق سورية من خلال ارتباطها بقوات سوريا الديمقراطية، وهي قوة ذات غالبية كردية مدعومة من الولايات المتحدة تأسست عام 2015 لمحاربة تنظيم الدولة التي أنشأت مجالس إدارية لإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها.

 

بلدة عامودا في الحسكة في 7 تشرين الأول. الصورة من ARTA FM

أما داخل محافظة الحسكة بشكل خاص، فإن هيئات الإدارة الذاتية موجودة جنباً إلى جنب مع شبكة متفرقة من المكاتب الحكومية والأمنية السورية التي لا تزال تعمل في المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد، على الرغم من انتقال السلطة قبل خمس سنوات. 

ووفقاً للمسؤولين والمقيمين الذين تحدثوا إلى سوريا على طول، فإن الأجانب ومكتومي القيد متساوون في الوصول إلى الخدمات والمؤسسات التي تديرها الإدارة الذاتية – في حين أن تلك التي تديرها الحكومة السورية لاتزال مقيدة تماماً كما كانت قبل الحرب. 

وقالت فوزة اليوسف وهي مسؤولة كبيرة في الإدارة الذاتية  "بعد تشكيل الإدارة الذاتية، تم منح الأكراد الأجانب ومكتومي القيد جميع الحقوق التي يمتلكها [أفراد المجتمع المحلي] الآخرين- بما في ذلك الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية".

وذكرت لسوريا على طول "لا يوجد تمييز من جانب الإدارة الذاتية" مضيفةً أن الأكراد عديمي الجنسية يمكنهم الدراسة بشكل قانوني في المدارس والجامعات التي تديرها الإدارة الذاتية، والتنافس والتصويت في الانتخابات المحلية والعمل في وظائف القطاع العام في داخل مؤسسات الإدارة الذاتية. 

الحياة بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية

ويرجع ذلك جزئياً إلى سياسات الإدارة الذاتية الشاملة ظاهرياً، حيث أن الحياة بالنسبة للأجانب ومكتومي القيد داخل الحسكة أسهل مما كانت عليه في ظل الحكومة السورية، وفقاً لما ذكره لتوماس ماكجي، الخبير الذي يبحث في موضوع انعدام الجنسية الكردية منذ عام 2009. 

وقال "إن انعدام الجنسية، إذا كانوا لا يزالون عديمي الجنسية، لا يشكل عائقاً كبيراً للحصول على الخدمات، هناك عقبات أخرى - ولكنها ليست نفس العقبات التي تحول دون دخولهم المدرسة، أو الحصول على علاج طبي أو العمل كسائق سيارة أجرة". 

وبالنسبة لنوبار إسماعيل، الصحفي عديم الجنسية من مدينة القامشلي شمال الحسكة، فقد سمح له حكم الإدارة الذاتية بالحصول على رخصة قيادة وتسجيل ممتلكات باسمه - وهما حقان أنكرتهما الحكومة السورية منذ فترة طويلة.

 

مدينة الحسكة في تشرين الأول 2017 Delil Souleiman/AFP. 

ومع ذلك، وبعد مرور عقود دون الحصول حتى على أبسط الحقوق القانونية والمدنية، قال الرجل البالغ من العمر 33 عاماً أنه لا يعتبر التطورات قد غيرت وضعه بأي طريقة، لأنه مازال لا يملك الجنسية السورية.

وأضاف "نحن ما زلنا مكتومين، ولا يمكن للمكتوم الحصول على حقوقه حتى يتم منحه هوية ومواطنة".

وتقر اليوسف، مسؤولة في الإدارة الذاتية، أنه في ظل السيطرة الكردية، لا يزال جميع السكان يعتمدون بشكل حصري على وزارة الداخلية في الحكومة السورية للحصول على وثائق معترف بها دولياً -مثل بطاقات الهوية الوطنية وجوازات السفر والسجلات المدنية مثل شهادات الميلاد والزواج والوفاة.

وتعترف اليوسف بأن "الإدارة الذاتية لا تستطيع حل مشاكلهم جميعها". 

ومع ذلك، قال ماكجي أنه في حين أن السلطات التي يقودها الأكراد -والقوات العسكرية التابعة لها- لاتزال تسيطر على الشمال الشرقي، فإن "أكبر القضايا بالنسبة للأكراد عديمي الجنسية هي في الواقع عندما يكونون خارج سوريا، أو عندما يكونون في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية".

ومنذ بدء الحرب، هناك اعتقاد بأن عددا كبيرا من الأكراد مكتومي القيد فروا من البلاد، وانضموا إلى موجات سابقة من الأكراد الذين لا يحملون وثائقاً، والذين غادروا سوريا طلبا للجوء في أماكن أخرى، وغالبا بطرق غير شرعية. أما في الخارج، فما تزال التحديات قائمة، حيث أنه يتم التعامل معهم في الأنظمة القانونية الأجنبية، في كثير من الأحيان، على أنهم لا يملكون أي شكل من أشكال الهوية الرسمية أو الوضع القانوني المعترف به.

"ظل إنسان"

بالنسبة للأكراد السوريين الذين لم يحصلوا على اللجوء خارج البلاد فإن المفاوضات الجارية بين التحالف الذي يقوده الأكراد- بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية وجناحها السياسي- مجلس سوريا الديمقراطية - والحكومة السورية قد تكون نقطة التحول لكفاح دام عقودا للحصول على الجنسية.

وعلى الرغم من أن الأسد قد أعرب مرارا وتكرارا عن نيته في استعادة جميع الأراضي السورية، فإن التحالف المدعوم من الولايات المتحدة- والذي يسيطر حاليا على أكثر من ربع البلاد- يأمل في تعزيز موقفه لتوطيد مكاسبه والحفاظ على شكل من أشكال السلطة "اللامركزية".

ومن المتوقع أن يكون مستقبل الأكراد عديمي الجنسية من بين بنود المناقشة المتوقعة- إلى جانب توفير الخدمات والأمن والحدود.

وقالت اليوسف، مسؤولة الإدارة الذاتية "إن قضية الأجانب والمكتومين ستكون قضية أساسية في المحادثات مع الحكومة" وأضافت "سيكون مطلبنا هو توفير حقوقهم الكاملة، دون أي شكل من أشكال التمييز".

وما يزال هناك العديد من التحديات، في الوقت الذي تناضل فيه السلطات التي يقودها الأكراد من أجل الضغط على حكومة مركزية ناشئة تبدو غير راغبة في تقديم تنازلات لخصومها.

وقال ماكجي "هناك مخاوف من عودة الحكومة السورية. فماذا سيعني ذلك من حيث المشهد الأوسع للسجل المدني؟".

"ليس هناك أي شيء مؤكد بالنسبة للمستقبل".

إن الخوض في موضوع غير مؤكد كهذا هو أمر غاية في الأهمية بالنسبة للصحفي المكتوم إسماعيل. وعلى أمل أن يتمكن ولديه، اللذان يبلغان من العمر سنتين وثلاث سنوات، من تفادي المصير ذاته في يوم من الأيام، فإن تركيزه الوحيد في الوقت الحالي هو الحصول على بطاقة هوية سورية من خلال مناورة النظام- حيث أن بعض المكتومين تمكنوا من الحصول عليها منذ صدور مرسوم عام 2011.

وحتى ذلك الحين، يشعر إسماعيل أن قدره هو وغيره من المكتومين العيش في منطقة رمادية قانونية، بعيدا عن بقية السوريين، دون اعتراف رسمي بوجودهم.

حيث قال "يمكن اعتبار الشخص المكتوم على أنه شبه إنسان، أو ظل إنسان".

"إنه يشبه شخصا ما، لكنه لا يترك أي أثر".