شارع في دوما في 26 تموز. تصوير لؤي بشارة.

 

تحت الحصار في الغوطة الشرقية العام الماضي، لم يكن لدى أم حسن الكثير من الخيارات، فلا طريق للوصول إلى المؤسسات الحكومية الرسمية في دمشق يمكّنها من تسجيل ولادات أطفالها.

حيث كان الأمر شاقاً على أم حسن، وهي أم لثلاثة أطفال من مدينة دوما أحد أهم المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة، عندما سجّلت أكبر أولادها، حيث تطلب الأمر رحلة خطرة عبر أحد أنفاق الغوطة الشرقية التي تربط أراضي المعارضة مع الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكومة، إلى أن تمكنت من الوصول إلى مكتب السجل المدني في دمشق، ولكن في العام الماضي ومع قيام القوات الموالية للحكومة بتشديد الحصار على الغوطة الشرقية، تم إغلاق هذا الطريق.

وبدلاً من ذلك، لجأت أم حسن، مثل الآلاف من سكان الغوطة الشرقية إلى المؤسسات المحلية التي تديرها المعارضة في الجيب المحاصر.

وقالت أم حسن "بالطبع قمت بتسجيلهم، ولا يهم من الذي كان يسيطر على المدينة، الآن أو من قبل، لكن من حق الطفل أن يوثق نسبه".

وكانت هذه مسألة ضرورية بقدر أهمية الهوية الشخصية، ومن دون شهادات ميلاد صالحة، لا تستطيع أم حسن تسجيل أطفالها في المدارس، ناهيك عن حصولهم على المساعدات الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها، لا سيما في ذروة الحصار.

وبعد أن عادت الغوطة الشرقية إلى سيطرة الحكومة في وقت سابق من هذا العام، بعد الهجوم العسكري الواسع النطاق وصفقات الإجلاء القسري إلى الشمال السوري التي انتهت في آذار، أصبحت جميع شهادات الزواج والولادة والوفاة الصادرة عن المؤسسات التابعة للمعارضة في الغوطة الشرقية غير صالحة بين ليلة وضحاها.

واضطرت أم حسن إلى تقبل وضع جديد حيث لم تعترف الحكومة السورية بوثائق طفليها الصغيرين، وبعبارة أخرى، لم يعودوا موجودين قانونياً، وبحسب قولها "الأوراق التي بحوزتي قد تسببت لي الكثير من المشاكل".

وعادة ما تكون إجراءات الأحوال المدنية من اختصاص مكاتب محلية تعمل تحت إدارة الشؤون المدنية بوزارة الداخلية السورية، ولكن مع سيطرة المعارضة على الغوطة الشرقية ومناطق أخرى من البلاد، ظهرت هناك أنظمة حكم موازية لأنظمة الحكومة من مجالس محلية مستقلة ومحاكم وقوات شرطة، ومع غياب الهياكل الحكومية الرسمية، توّلت هذه الكيانات الجديدة المسؤولية عن إصدار الوثائق المدنية مثل شهادات الميلاد والوفاة والزواج.

ولم تعترف الحكومة السورية بالوثائق التي أصدرتها المؤسسات التي كانت تحت سيطرة المعارضة، ولهذا السبب تحولت العملية من مسألة إدارية بحتة إلى عملية قانونية تتطلب تعيين محام، والذهاب إلى محكمة محلية، وهذا يعني دفع رسوم قانونية ناهيك عن أن الذهاب إلى دمشق يعتبر حملة ترهيب بالنسبة لمعظم سكان الغوطة الشرقية على وجه الخصوص.

وبالنسبة لمعتز الشامي، البالغ من العمر 30 عاماً وهو من سكان سقبا، وعاش في الغوطة الشرقية طوال سنوات الحصار، يجد نفسه الآن في مأزق قانوني.

وقال الشامي "الذهاب إلى دمشق مكلف، بالإضافة إلى أنني أحتاج إلى إذن بالمغادرة".

ولا يخلو السفر إلى وسط دمشق من المخاطر، فالطريق السريع الممتد من الغوطة الشرقية إلى قلب المدينة مليء بنقاط تفتيش تديرها القوات الموالية للحكومة، وعبور هذا الطريق دون وثائق صالحة يمكن أن يكون أمراً خطيراً.

ويخشى الشامي من أن تكون "الأوراق التي لدي الآن يمكن أن تسبب لي الكثير من المشاكل، لأنها صدرت من مؤسسات المعارضة"، مضيفاً أن "إتلاف تلك الوثائق قبل الحصول على أوراق بديلة ستكون مشكلة أيضاً".

وبدلاً من ذلك، قال الشامي أنه سينتظر إلى أن تعيد الحكومة السورية فتح أبواب المحاكم في الغوطة الشرقية، وعلى الرغم من أن الحكومة فتحت محكمة في عربين في منتصف شهر تموز، وهي أول محكمة في الضواحي التي كانت تحت سيطرة المعارضة سابقاً بعد عودتها إلى سيطرة الحكومة، إلا أن عشرات الآلاف من سكان الغوطة الشرقية لا يزالون مجبرين على زيارة دمشق لاستبدال أوراقهم.

ولا يعتبر ذلك هو العائق الوحيد أمام عملية التسجيل، فقد يمتنع بعض السكان عن وضع سجلاتهم في المؤسسات الحكومية.

وذكر عامل في المنظمات الإغاثية لسوريا على طول وطلب عدم ذكر اسمه بسبب طبيعة عمله الحساسة، "الوثائق الشخصية كالهوية هي الوسيلة الأساسية لتحديد هوية شخص ما، وهي أيضاً وسيلة للتحكم والمراقبة".

وأضاف "لذلك يخشى الكثير من الناس من استبدال أوراقهم لأنه سيتم التعرف عليهم مباشرةً عن طريقها".

وبالرغم من أن العديد من سكان الغوطة يأملون أن يتمكنوا من الحصول على وثائق حكومية جديدة، سواء من خلال المحاكم في وسط دمشق أو عندما تعود الخدمات الحكومية في الغوطة الشرقية نفسها، إلا أن تلك العملية ليست سهلة دائماً، فغالباً ما يجد السكان أنفسهم عالقين في شبكة قانونية، مع وجود وثيقة واحدة مطلوبة قبل أخرى، مما يزيد الوضع تعقيداً.

وشرح عبد الرحمن حسين، البالغ من العمر 25 عاماً وهو أحد سكان عربين ، كيف عانت زوجته من أجل الحصول على دفتر عائلة جديد لأنهم كانوا قد سجلوا زواجهم، بالإضافة إلى ولادة طفلهم، في المؤسسات التي كانت تديرها المعارضة.  

وقال حسين "لقد تفاجأنا عندما لم يقبلوا أي من الوثائق التي كانت معنا" موضحاً كيف تعيّن على العائلة أن يقوموا بتسجيل زواجهم وطفلهم من جديد للحصول على وثائق تمكنهم بعد ذلك من الحصول على دفتر عائلة.

"الحق في الحصول على الحقوق"

ويعد السجل المدني- خدمة تسجيل الولادات وحالات الزواج والطلاق والوفاة- أمراً بالغ الأهمية للحصول على هوية قانونية وكذلك الوصول إلى الحقوق المدنية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، كما ترتبط الوثائق المدنية أيضا مع قضايا الإسكان والأراضي وحقوق الملكية.

وخلال الحرب السورية المستمرة منذ سبع سنوات، خرجت الأراضي عن سيطرة الحكومة ثم استعادتها مرة أخرى، مع تولي مؤسسات مختلفة - بما في ذلك المؤسسات التي تديرها جماعات المعارضة وحتى الجماعات الإسلامية المتشددة - مهمة تسجيل السكان المحليين، ورغم أن سكان الغوطة قالوا لسوريا على طول إنهم يأملون بأن تكون السلطات المحلية متفهمة نوعاً ما، إلا أن هذه المناطق هي مجرد مثال على الفوضى التي لحقت بإجراءات الأحوال المدنية والتي خلفتها سبع سنوات من الحرب.

ويرى المحللون أن هذه المشاكل ستستمر لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب في البلاد.

وقال العامل في المجال الإغاثي، في دمشق "إنه واحد من أهم العوامل التي تحدد كيف سيحدث الانتعاش والاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب"، مضيفاً أن التوثيق المدني هو أمر مهم للغاية بالنسبة للمواطنين أنفسهم.

وتابع قائلاً "إنها طريقة لمساعدة الناس على الاندماج مرة أخرى والعودة إلى نمط الحياة المعتاد، وإدراك من كانوا ومن هم الآن".

وتسجيل الولادات على وجه الخصوص هو أحد أكثر الوثائق المدنية أهمية، وفي حين أن عدم وجود شهادة ميلاد سيؤثر بشكل مباشر على حصول الأطفال على الحقوق والخدمات العامة - بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم- بالنسبة للأطفال المولودين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، فقد يستغرق الأمر سنوات لإدراك مدى تأثير هذه المشكلة.

وقالت زهرة البرازي، الباحثة في معهد عديمي الجنسية والإدماج، لسوريا على طول "يعتمد الأمر فعلياً على الحكومة ومدى مرونتها فيما يتعلق بالحصول على التعليم والرعاية الصحية".

وأوضحت بأن حتى اللحظة ليس هناك سياسات حكومية معينة لمعالجة هذه المسألة، حيث كانت القرارات إلى حد كبير "قائمة على تقدير" السلطات.

وبموجب القانون، يمكن للقاصرين السوريين التقدم بطلب للحصول على بطاقة هوية وطنية عند بلوغهم سن الرابعة عشرة، ولكن دون الوثائق اللازمة لإثبات متى وأين ولدوا، قد لا يتمكن المدنيون في المستقبل من إثبات أنهم "ينتمون إلى هذا البلد" بحسب، البرازي.

وخطورة أن يصبح الشخص عديم الجنسية يبرز بشكل خاص في الحالات التي يكون فيها رب الأسرة غائباً أو متوفى، ووفقاً لقانون الجنسية في سوريا، لا يمكن للمرأة أن تمنح الجنسية لأطفالها، وبينما توجد استثناءات لأبناء مجهولي النسب، فإن هذه القوانين، وفقاً للبرازي، لم تنفذ أبدا في الواقع.

وقبل العودة إلى منزلها في دوما من ملجأ مؤقت تديره الحكومة، تم إنشاؤه في أعقاب هجوم هذا العام - وعزمها على تأمين مستقبل مستقر لطفليها- تمكنت أم حسن من الذهاب إلى دمشق لتسجيل طفليها.

وقالت لسوريا على طول "كيف يمكن أن يكون لديك طفل لا تعترف به الدولة؟ لقد أتلفت الأوراق القديمة، ليس لها أي قيمة بعد الآن".