عمان- عشية العام الحالي 2020، أعلن في إدلب شمال غرب سوريا عن إعادة تشكيل، هي الثالثة، لما يسمى "حكومة الإنقاذ" التي تأسست مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2017 على يد هيئة تحرير الشام، الفصيل العسكري الأقوى في المحافظة.

تسلم وزراء الحكومة الجدد حقائبهم في 16 كانون الأول/ديسمبر 2019، برئاسة علي كدة، خلفاً لرئيس الحكومة السابق فواز هلال الذي شهدت إدارته تظاهرات في عدة مناطق في إدلب خلال الأشهر الأخيرة، ما ولّد انطباعاً لدى البعض بأن هدف التغيير "الحكومي" الجديد هو احتواء غضب المدنيين في مناطق نفوذ هيئة تحرير الشام. 

أبرز تلك التظاهرات، كانت في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وشملت مدينتا إدلب ومعرة النعمان خصوصاً، على خلفية حصار الهيئة بلدة كفرتخاريم في شمال غرب إدلب ومحاولة اقتحامها، بعد رفض أهالي البلدة الامتثال لقرار لجان الزكاة التابعة لحكومة الإنقاذ بدفع ضرائب على المواد الأساسية كزيت الزيتون والخبز.

حادثة كفرتخاريم أثارت تجدد الغضب الشعبي حيال سياسة جباية الضرائب في المحافظة، إذ تسعى "الإنقاذ" "إلى جمع المال من دون تقديم خدمات أو تحسين واقع المنطقة"، بحسب ابن مدينة إدلب أحمد البكور. متهماً، في حديثه إلى "سوريا على طول"، "الإنقاذ" بأنها "بعيدة كل البعد عن واقع حياة المدنيين واحتياجاتهم في إدلب"، عدا عن كونها "حكومة أمر واقع، تقود المؤسسات في إدلب تحت قوة هيئة تحرير الشام العسكرية ولصالحها". معتبراً أن "الإنقاذ"، ومنذ تأسيسها، تقوم "باستغلال قضايا المدنيين والمنظمات الإنسانية لصالحها، وإقصاء مؤسسات ومجالس محلية أخرى".

ومن ثم، فإن الحكومة الجديدة، كما قال لـ"سوريا على طول" مصطفى الأحمد، من سكان مدينة سرمدا شمال محافظة إدلب، لا تعدو أن تكون "تغيير وجوه فقط"، ما يعني أن "حالة الاحتقان الشعبي ضدها مستمرة" برأيه، طالما واصلت "سياسة الفرض لا التفاوض من المدنيين"، والتي "حاربتنا على لقمة عيشنا".

مستقلون  تكنوقراط إلى الواجهة

بتأسيسها لحكومة الإنقاذ، سعت هيئة تحرير الشام إلى تحقيق هدفين مترابطين، يتمثل الأول في تقديم هذه الحكومة باعتبارها واجهة مدنية، تثبت من خلالها جنوحها نحو الاعتدال. وضمن ذلك، وبما يمثل الهدف الثاني، انتقاء شخصيات ذات ثقل أكاديمي وموروث علمي (تكنوقراط) لتولي المناصب الوزارية. 

لكن الناشط والباحث السوري أحمد أبازيد، رأى إن هذه "الواجهة [الحكومة] مكشوفة للمدنيين". مشيراً في تصريح لـ"سوريا على طول" إلى أن الهيئة تدعم ترسيخ نفوذها "من خلال شبكة مؤسساتية واقتصادية واسعة، وجهاز أمني، وشبكة علاقات مع تجار ومدنيين مضطرين للتعامل معها أو الانخراط في بعض أذرعها".

أما فيما يتعلق بشاغلي المناصب الوزارية، فإن بعضهم موال للهيئة، بخلاف آخرين وافقوا على استلام المواقع سعياً إلى تحسين واقع محافظة إدلب، كما قال وزير سابق في الحكومة، تحدث إلى "سوريا على طول" شريطة عدم الكشف عن اسمه. 

إذ "وافقت على استلام منصبي في إحدى وزارات الحكومة انتصاراً لمشروع الداخل، وأملاً في تقديم منفعة لأهل بلدي. لكني وجدت نفسي كالمستجير من الرمضاء بالنار". كاشفاً عن "وجود ضغوطات من الهيئة [على أعضاء الحكومة]، خاصة المستقلين. وأنا مستقل ولا أتبع أي فصيل أو حزب".

وفي مقابل من وصفهم الوزير السابق بـ"الكفاءات"، تضمّ حكومة الإنقاذ "وزراء غير مهنيين، لديهم قدرة على التحكم وتنفيذ الأجندات المتمثلة في المصالح الضيقة والنفعية"، على حد قوله، ما جعل "المستقلين في مواجهة مع الجميع؛ فالمنظمات [الدولية التنموية والإغاثية] تنظر إلى المستقلين على أنهم يتبعون للفصيل [هيئة تحرير الشام]، فيما الأخير يعتبرنا بعيدين عنه".

وفوق استخدام الهيئة لشخصيات مستقلة، فإنها تدفع بـ"الإنقاذ" إلى الواجهة باعتبارها الذراع المدني التي تدير المنطقة من خلاله، ولكن حتى استخدام المستقلين في حكومة الإنقاذ لا يُطبق في كل الوزارات. فالوزارات المهمة، من مثل وزارة الاقتصاد، "تسيطر عليها هيئة تحرير الشام، بعكس ما تظهره للعلن"، بحسب ما ذكر وزير آخر مستقيل من حكومة الإنقاذ لـ"سوريا على طول".

"الإنقاذ" وملفا الخدمات والمنظمات

بعد مرور عامين على تشكيل حكومة الإنقاذ في إدلب، بديلاً من الحكومة السورية المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، يبدو تأثير ذلك مضاعفاً في المحافظة التي يبلغ إجمالي عدد سكانها 4,352,165 نسمة، بحسب إحصاءات حديثة لفريق "منسقو استجابة سوريا"، قرابة نصفهم من النازحين السوريين وقرابة تسعة آلاف لاجئ عراقي وفلسطيني. 

إذ عدا عن تسبب "الإنقاذ" في تقليص كبير جداً للدعم الدولي التنموي والإغاثي لإدلب وقاطنيها، بحكم ارتباطها بهيئة تحرير الشام المدرجة على قوائم الإرهاب الدولية، تعجز هذه الحكومة حتى اللحظة في تطوير القطاع الخدمي للمنطقة.

في هذا السياق، يعاني قطاع التعليم في المحافظة من "تدهور مستمر"، بحسب المدرس أحمد الجابي، من مدينة سرمدا. إذ مع سيطرة "الإنقاذ" على إدلب، كما قال لـ"سوريا على طول"، أوقفت منظمة كيمونيكس الأميركية دعمها، ما أدى إلى "انقطاع رواتب آلاف المعلمين" الذين صار خيارهم  العمل بشكل تطوعي، كما حال الجابي، أو البحث عن مهن أخرى للحصول على دخل. وقدر مصدر مطلع في قطاع التعليم في إدلب، اشترط عدم الكشف عن هويته، تراجع عدد المعلمين في المحافظة بنسبة 20% بعد وقف عدد من المنظمات دعمها، علماً أن عددهم كان يبلغ سابقاً حوالي 7000 معلم وفقاً للمصدر ذاته.

ورغم استمرار دعم منظمات أخرى لمدارس في إدلب، فإن التوظيف في هذه المدارس "يكون لصالح المحسوبين على هيئة تحرير الشام"، كما قال الجابي، مستشهداً بحادثة عودة "معلم إلى وظيفته في مدرسة بعد فصله منها بسبب مشكلة حدثت معه، بقوة سلاح مجموعة عسكرية من الهيئة، مخيراً إدارة المدرسة بين العودة أو إغلاق المدرسة".

القطاع الصحي هو الآخر تأثر بسيطرة الهيئة عسكرياً ومن خلفها حكومة الإنقاذ على إدلب. فعدا عن الاستهداف الممنهج للمؤسسات الطبية في المحافظة من قبل القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها، توقفت عدد من المستشفيات هناك، مثل مشفى معرة مصرين ومشفى الداخلية بإدلب، نتيجة انقطاع الدعم، كما كشف الطبيب محمد الإدلبي (اسم مستعار) من مدينة إدلب، الذي تحدث إلى "سوريا على طول" مشترطاً عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية. لافتاً إلى أن "مديريات الصحة كانت من أنجح المؤسسات العاملة [في شمال غرب سوريا] خلال فترة إدارة الحكومة السورية المؤقتة، ولديها القدرة على تغطية المنطقة طبياً رغم كل الظروف".

وعدا عن تقصيرها في تطوير القطاع الطبي وتوسيع خدمات الإسعاف، اتهم الإدلبي "الإنقاذ" بأن "هدفها الهيمنة وفرض أتاوات على المنظمات الداعمة لهذا القطاع، ومراقبة تفاصيل المشاريع المقدمة منها بما في ذلك ملفات التمويل".

وحتى ما تقدمه حكومة الإنقاذ من خدمات عامة، من قبيل ترميم وتأهيل البنى التحتية والطرق وشبكات المياه، فإنه "يكون عن طريق منظمات مانحة وليس من موارد الحكومة"، وفقاً للإدلبي، وذلك على الرغم من احتكار الحكومة/هيئة تحرير الشام للإتجار "بالمحروقات وفرضها الضرائب"، كما ذكر أحمد الحاج، من مدينة بنش، شمال غرب إدلب، لـ"سوريا على طول". يضاف إلى ذلك تحصيل الهيئة مبالغ طائلة من خلال المعابر الحدودية التي تقع تحت سيطرتها، لاسيما باب الهوى والعيس وأطمة.

كل ذلك من شأنه "أن يؤدي إلى تصعيد الاحتجاجات ضد الهيئة و[حكومة] الإنقاذ لولا القصف اليومي [للقوات الحكومية] الذي يشغل الناس عن الحراك الشعبي"، برأي مصطفى الأحمد.

لا خدمات ولا حرية

فوق تردي الواقع الخدمي، لتقصير أو عجز، تفرض حكومة الإنقاذ سياسات متشددة على صعيد حرية التعبير. إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اعتقال هيئة تحرير الشام نحو 182 شخصاً منذ مطلع 2019 وحتى نهاية آب/أغسطس من العام ذاته، مقارنة باعتقال 183 و267 شخصاً في العامين 2017 و2018 على التوالي.

من بين من يقبعون في سجون الهيئة معتقلو رأي وناشطون إعلاميون. علماً أنه لا يمكن للناشط أو المواطن الصحفي تغطية أحداث إدلب من دون الحصول على موافقة من المؤسسة العامة للإعلام في حكومة الإنقاذ، على أن يتم تقديم كامل بيانات الشخص والمؤسسة التي يعمل لصالحها كشرط للموافقة التي بدونها يصبح عرضة للاعتقال.

في مقابل ذلك، تسوّق "الإنقاذ" سياستها للإعلام الدولي؛ إذ "حصلت عدد من المؤسسات [الإعلامية] الأجنبية، مثل "بي بي سي" البريطانية و"سي إن إن" الأميركية، كما مؤسسات تركية على تصاريح للتغطية في إدلب، وبحماية عناصر من هيئة تحرير الشام"، بحسب ما ذكر لـ"سوريا على طول" الناشط الإعلامي منذر الحلبي (اسم مستعار)، المقيم في مدينة إدلب.

وكان منذر من بين مجموعة ناشطين تم اعتقالهم قبل شهرين، كما قال، أثناء مشاركته في تظاهرات ضد ممارسات الهيئة. وقد أطلق سراحه مع تهديد بأن "يتم اعتقالنا مرة أخرى إذا نشرنا صور التظاهرات". لافتاً إلى أنه "تتم مراقبة الصحافيين المشكوك في ولائهم للهيئة عبر أشخاص مدنيين".

خذلان عسكري وإنساني

فوق مصادرتها أغلب السلاح الثقيل الذي كانت تمتلكه فصائل المعارضة السورية في محافظة إدلب، لا يبدو أي حضور فاعل لهيئة تحرير الشام في مواجهة الحملة العسكرية للقوات الحكومية والروسية على شمال غرب سوريا منذ نيسان/أبريل الماضي، والتي أفضت إلى سيطرة هذه القوات على كامل ريف حماه الشمالي وأجزاء واسعة من إدلب، مترافقاً ذلك مع نزوح واسع للمدنيين هناك نحو الشمال. 

إذ بلغ إجمالي عدد النازحين جراء العمليات العسكرية للقوات الحكومية بدعم روسي خلال العام 2019 "نحو مليون وثلاثمائة ألف نازح، أي ما يعادل 28 بالمائة من سكان [محافظة إدلب]"، بحسب محمد الحلاج، مدير "منسقو الاستجابة". كاشفاً لـ"سوريا على طول" عن أن "120 ألف نازح من هؤلاء يعيشون في العراء، بحيث بلغت نسبة العجز في تأمين مأوى لهم 90.4 بالمائة".

ومن أبرز أسباب هذا العجز توقف عدد من المنظمات عن العمل في شمال غرب سوريا، بسبب التضييق الدولي على تدفق الأموال، وسياسة حكومة الإنقاذ. وبحسب الحلاج، هناك "178 منظمة تعمل في عدة مناطق شمال غرب سوريا ضمن 10 أجسام تنسيقية"، ورغم أن هذه المنظمات ما تزال موجودة، فإن "بعض مشاريعها تم نقله إلى مناطق درع الفرات [بريف حلب الشمالي] لعدم إمكانية تنفيذها في إدلب" لاعتبارات منها ممارسة الضغوط من قبل حكومة الإنقاذ". حسبما أوضح الحلاج أن "بعض المنظمات لا تقبل تنفيذ مشاريعها في إدلب وفق شروط "الإنقاذ"، فينقلها إلى خارج مناطق سيطرتها، وهو ما تكرر كثيراً".

ويشبّه الحلاج إشراف حكومة الإنقاذ على ملف النازحين في شمال غرب سوريا بـ"إشراف بشار الأسد على سوريا. فبعد كل حملة نزوح تصرح الحكومة بتشكيل لجنة استجابة طارئة. لكن نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً". وفيما "يُفترض أن تبني الحكومة شققاً سكنية في أراض مشاع (ذات ملكية عامة) منذ العام الماضي، فإن شيئاً لم يطبق على الأرض"، عدا عن أن "عملية إحصاء النازحين التي تقوم بها "الإنقاذ" تقتصر على المخيمات الحدودية التي تخضع لسيطرتها الكاملة"، بحسب قوله.

مستقبل "الإنقاذ" في إدلب 

يبدو واضحاً أن مصير حكومة الإنقاذ مرتبط بهيئة تحرير الشام. ورغم الاستياء الشعبي المتزايد من "الهيئة" و"الإنقاذ"، برأي الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية عباس شريفة فإنه لا يتوقع زوالهما قريباً. معللاً ذلك بـ"الحملة الروسية على المناطق المحررة [الخارجة عن سيطرة القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها شمال غرب سوريا]، وعدم استعداد الدول الإقليمية للدخول في مواجهة مع "الهيئة" وغياب الرغبة الدولية في استبدالها، لما تلعبه من دور ضروري في شرعنة الحملة الروسية على المنطقة".

في السياق ذاته، فيما اعتبر الباحث أبا زيد أن "مستقبل المنطقة [شمال غرب سوريا] مرتبط بالاتفاقيات التركية الروسية أكثر مما هو محكوم بالجهة المسيطرة هناك"، فإنه رأى أن "الهيئة" مطية لتحقيق أهداف روسيا بسيطرة النظام السوري على شمال غرب سوريا، كون "الروس يستخدمون الهيئة حجة وليس سبباً رئيسياً". أما تركيا، كما أضاف، فإنها "قد تعمل على إضعاف سيطرة حكومة الإنقاذ وقوة الهيئة في إدلب، في إطار اتفاقها مع الروس، لكنها تخشى من ردود فعل انتقامية من جهاديين ضد نقاطها العسكرية هناك، وحصول انهيار في المنطقة لصالح النظام".