عمان - في تموز/يوليو من العام الماضي، احتفت وسائل الإعلام الرسمية السورية والروسية بما وصفته بـ"الاحتفالات الشعبية" بدخول القوات الحكومية السورية والروسية إلى مدن وبلدات جنوب سوريا التي تساقطت واحدة تلو الأخرى إثر ما سمي "عمليات مصالحة"، سبقتها ورافقتها حملات عسكرية برية وجوية.

آنذاك، خرج عدد من أعضاء حزب البعث في تلك المجتمعات، كما بعض قادة المصالحات، على شاشات وسائل الإعلام السوري الرسمي والروسي للثناء على عمليات المصالحة وذم الدول التي كانت داعمة للمعارضة، واتهامها بالعبث والتخريب.

اليوم، بعد مرور عام على ذلك الاحتفاء، يبدو الوضع نقيضاً لما تم الترويج له وقتها. وهو ما يلخصه أحد أعضاء الوفود المفاوضة للحكومة السورية والروس، من مدينة درعا (البلد): "نحن لم نجرِ مصالحة. بل كان هناك اتفاق تسوية لم يرقَ حتى الآن إلى درجة المصالحة، بسبب امتناع النظام عن تلبية مطالب الناس"، كما قال لـ"سوريا على طول"، طالباً عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية.

انهيار اقتصادي معيشي

إلى ما قبل عام، خضعت المنطقة الجنوبية الغربية من سوريا، والتي تشمل أجزاء واسعة من محافظتي درعا والقنيطرة، لسيطرة فصائل المعارضة السورية المدعومة دولياً.

هذا الدعم سمح أيضاً، وعلى الدرجة ذاتها من الأهمية، بتأمين مساعدات إنسانية ماسة لسكان المنطقة، من خلال منظمات إغاثية إقليمية ودولية، بالتعاون مع منظمات وهيئات مجتمع مدني محلية، لا سيما مع إقرار مجلس الأمن الدولي، في العام 2014، ما عرف بـ"آلية إيصال المساعدات إلى سوريا" عبر الحدود وخطوط الجبهات، من دون اشتراط موافقة الحكومة السورية. إضافة إلى إنشاء قوات أمن محلية، وتنفيذ عدد من المشاريع التنموية الداعمة لاستقرار المجتمعات المحلية، من قبيل ترميم مدارس ومنشآت طبية.

مع سيطرة النظام السوري على المنطقة، أغلق ما يزيد عن 150 منظمة غير الحكومية، المحلية والدولية، مقراتها في درعا والقنيطرة، ما عنى فقدان العاملين فيها وظائفهم، وأهم من ذلك ترك عشرات آلاف المدنيين الذين كانوا يعتمدون على المساعدات الدولية والمحلية من دون دعم.

طفلات يسرن قرب مبنى مدمر في مدينة درعا (البلد)، 2/10/2018 (AFP)

الآن، يعاني آلاف المدنيين في جنوب غرب سوريا صراع بقاء بسبب التفكك التلقائي للاقتصاد المحلي الذي كان يعتمد، بشكل كبير، على تدفق ملايين الدولارات إلى المنطقة عبر المنظمات غير الحكومية وفصائل المعارضة.

وكما يؤكد عضو الوفد المفاوض من مدينة درعا (البلد)، فإن "مطالب الناس لم تتحقق، والحياة العامة ليست على ما يرام بسبب البطالة وعدم توفر فرص العمل للشباب، وامتناع النظام عن فتح الأسواق وإعادة الموظفين إلى أعمالهم".

وما تزال الحكومة عاجزة أو غير راغبة، حتى اليوم، في تقديم الخدمات وإعادة البنى التحتية لمدن وبلدات درعا والقنيطرة. وفي كثير من المجتمعات يعتمد الناس على مساهمات شخصية وتبرعات شحيحة لصيانة شبكات الكهرباء وإعادة افتتاح مدارس.

في المقابل، عمدت الحكومة، في آذار/ مارس الماضي، إلى إعادة نصب تمثال للرئيس السابق حافظ الأسد في مدينة درعا (المحطة)، الأمر الذي تسبب بموجة غضب شعبي وخروج المئات في مظاهرات تنديداً بعودة التمثال الذي تم إسقاطه في بداية التظاهرات الشعبية العام 2011.

تدهور أمني وتصاعد في الاعتقالات

على نحو مماثل للواقع المعيشي في درعا والقنيطرة، يبدو التدهور الأمني السمة الأساس لمدن وبلدات محافظة درعا تحديداً، منذ استعادة الحكومة السورية السيطرة عليها، من خلال عمليات اغتيال واختفاء متواصلة تطال جميع أطراف المشهد والعسكري والسياسي؛ قادة وأنصار المعارضة السابقين وضباط وعناصر القوات الحكومية، كما مسؤولين محليين محسوبين على الحكومة.

في المقابل، تنشط القوات الحكومية في اعتقال أعضاء في المعارضة من خلال حملات مداهمة تستهدف بعض مدن وبلدات الجنوب، كما الحواجز الأمنية والعسكرية التي تفصل بين هذه المدن والبلدات، أو الموجودة على الطريق الدولي المؤدي إلى العاصمة دمشق.

ومنذ تموز/يوليو 2018، بلغ عدد المعتقلين لدى القوات الحكومية وأجهزتها الأمنية ما يقارب 650 معتقلاً، بحسب تقرير توثيقي لـ"مكتب توثيق الشهداء في درعا" اطلعت "سوريا على طول" على مضمونه، وسيتم نشره كاملاً أواخر الشهر الحالي.

وفي حديثه إلى "سوريا على طول" الأسبوع الماضي، قال عمر الحريري، عضو "مكتب توثيق الشهداء في درعا"، وهي مؤسسة محلية توثق الاعتقالات والاغتيالات والضحايا في المحافظة: "وثقنا منذ توقيع المصالحة [اسم] أكثر من 650 معتقلاً. ونرجح أن العدد يتجاوز 1000 شخص [لكن هناك] صعوبة في عمليات التوثيق في الوقت الراهن [بسبب] تخوف الكثير من الأهالي من تزويد المنظمات الحقوقية ببيانات المعتقلين من أفراد عوائلهم". 

وتشمل الجهات الحكومية المسؤولة عن الاعتقالات كلاً من "فرع فلسطين، والفرع 215، والمخابرات السياسية والجوية، وقسم بسيط في صيدنايا"، بحسب عقبة محمد، مسؤول مكتب التوثيق في "تجمع أحرار حوران".

وكشف محمد، لـ"سوريا على طول"، عن قيام "التجمع" بتوثيق "اعتقال 692 شخصاً بعد اتفاق التسوية، جميعهم يحملون بطاقات التسوية، بينهم 18 قيادياً سابقاً في المعارضة و29 سيدة". وقد أفرج النظام عن قسم بسيط من هؤلاء، [لكنه] اعتقل آخرين". 

بدورها، كانت المتحدثة باسم مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مارتا أورتادو، قد أكدت تلقي المكتب تقارير في الفترة ما بين تموز/يوليو 2018 وآذار/مارس 2019، تفيد "باعتقال أو احتجاز 380 شخصاً على الأقل، أفرج عن نحو 150 منهم فيما بعد، كما تعرض 230 شخصاً على الأقل للاختفاء القسري".

وأضافت أنه "في العديد من الحالات كانت أسباب هذه الاعتقالات غير واضحة، ولم يتم تقديم أي معلومات، أو القليل منها، إلى عائلات المحتجزين حول مكان وجودهم ووضعهم".

وكانت الحكومة السورية اشترطت على سكان المناطق التي استعادت السيطرة عليها "تسوية أوضاعهم" من خلال زيارة المراكز الأمنية. وهي العملية التي وصفها مسؤولو الحكومة ووسائل الإعلام الرسمية بأنها بسيطة وآمنة للسوريين المتواجدين في مناطق المعارضة السابقة، بمن في ذلك المقاتلون منهم، بهدف منحهم العفو. كما كانت الحكومة طالبت المنشقين عن الجيش والأجهزة الأمنية بالمبادرة إلى تسليم أنفسهم بعد عفو رئاسي عام صدر في تشرين الأول/أكتوبر 2018 عن "الفارين" من الجيش والأجهزة الأمنية. 

لكن، كما يؤكد قيادي عسكري سابق من مدينة جاسم، وأحد المنخرطين في عملية المصالحة مع الحكومة، لـ"سوريا على طول"، فقد "قام ما يقارب 20 شخصاً من المنشقين عن الجيش والشرطة بتسليم أنفسهم بموجب اتفاق التسوية والعفو، قبل أشهر، لكنهم ما يزالون موقوفين حتى اللحظة".

وعلى الرغم من أن الشرطة العسكرية الروسية التي تسير دورياتها منذ توقيع الاتفاق في جنوب سوريا، تدخلت في العديد من المرات لإطلاق سراح بعض من اعتقلوا بعد التسوية، أكد الحريري أن هكذا تدخل يكون "في الغالب [بشأن]معتقلين لديهم صلات مباشرة أو قريبة من الروس". 

وتعليقاً على أسباب الاعتقالات المستمرة، والتي أصبحت المشهد المعتاد في جنوب سوريا، رأى المفاوض من درعا (البلد) أن "الاعتقالات تتم لأسباب منها البلاغات التي لم [تلغها] الجهات المعنية رغم التسوية، والادعاءات الكيدية، كما الدسائس والتقارير الكاذبة".

وقال القيادي العسكري من "جاسم"، والذي اشترط عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إنهم في الفريق المفاوض يسعون لاتخاذ خطوات "تدفع باتجاه عودة الحياة لطبيعتها" من خلال التفاوض مع الحكومة السورية والروس لإصدار قرارات "تسمح بتأجيل الطلاب المنقطعين عن الدراسة، وعودة الموظفين المفصولين إلى وظائفهم".

مشيراً إلى أن "الاجتماعات الأخيرة مع المسؤولين الأمنيين في النظام [تضمنت] وعوداً بحدوث خطوات كبيرة قريباً يستفيد منها أبناء المحافظة عموماً".

اعتقال الناشطين وعمال الإغاثة إلى الواجهة مجدداً

سمح الوضع الأمني للأجهزة الأمنية الحكومية بملاحقة الناشطين وعمال الإغاثة الإنسانيين، إضافة إلى مسؤوليّ المجتمع المدني، واعتقالهم بتهم مختلفة. كما اخُتطف العديد منهم من دون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها عن ذلك، إلا أن معارضين للحكومة يتهمونها بالوقوف وراء ذلك.

إذ في أيلول/سبتمبر الماضي، اعتقلت دورية تابعة لأحد الأجهزة الأمنية راتب الجباوي، رئيس المجلس المحلي لمدينة جاسم سابقاً من منزله في المدينة. وهو ما اعتبر القيادي العسكري السابق في المدينة "من أهم الخروقات لاتفاق التسوية" لا سيما بعد أن تمت إحالة الجباوي إلى "محكمة ميدانية". كذلك، نفذت دورية تابعة للأمن العسكرية، في أواخر حزيران/يونيو الماضي، حملة مداهمة وتفتيش لمنازل المدنيين في قرية رسم الحلبي بريف القنيطرة، واعتقلت عنصرين سابقين في الدفاع المدني (الخوذ البيضاء)، هما الأخوان بلال وعلاء شباط.

قبل ذلك بأسبوع، تم اختطاف ثلاثة شبان من قرية صيدا الجولان بريف القنيطرة أثناء مرورهم على الطريق الواصل بين مدينتي الشيخ مسكين ونوى غربي درعا، وجميعهم عناصر سابقون في الدفاع المدني. واتهمت وسائل إعلام محلية الأمن العسكري التابع للحكومة بالمسؤولية عن الاختطاف.

وأكد محمد الأحمد (اسم مستعار)، أحد عناصر الدفاع المدني الذين وصلوا من القنيطرة إلى إدلب عبر باصات التهجير، لـ"سوريا على طول" أنه تم اعتقال "9 من زملائي العاملين في الدفاع المدني في القنيطرة. [فيما البعض الآخر]متخف كونهم ما يزالون ملاحقين من قبل النظام،[كما يقوم] آخرون بدفع أموال لضباط النظام لضمان عدم الملاحقة والحماية من الاعتقال".

وفي حالة الأحمد، فقد قامت دورية أمنية بمداهمة منزله في ريف القنيطرة بعد خروجه بباصات التهجير نحو الشمال، وتم اعتقال شقيقه واقتياده إلى مكان مجهول. كما طردت عائلته من المنزل الذي تمت مصادرته بالإضافة إلى السيارات والأراضي الزراعية والأملاك الخاصة بجميع أفراد العائلة. وهو ما اضطر العائلة للانتقال إلى العاصمة دمشق.

لكن الأحمد، كما يؤكد، ليس الوحيد من عناصر "الخوذ البيضاء" الذين قامت الأجهزة الأمنية باعتقال أفراد من عائلاتهم ومصادرة ممتلكاتهم. إذ روى قصصاً مشابهة عن زملاء له وصلوا إلى إدلب أو لبنان أو تم إجلاؤهم لدول أجنبية.

إذ في أواخر تموز/يوليو 2018، ومع تصاعد خطاب الحكومتين السورية والروسية المحرض على "الخوذ البيضاء"، بزعم تعاونهم مع جماعات "إرهابية"، عبرت مجموعة تضم أكثر من 400 شخص من عناصر الدفاع المدني وعائلاتهم السياج على طول مرتفعات الجولان المحتل، في إطار عملية إنقاذ دولية غير مسبوقة، تضمنت نقلهم تالياً إلى الأردن لاستكمال إجراءات إعادة التوطين في كندا وألمانيا وبريطانيا.

وعلى الرغم من نجاح العملية، إلا أن عدداً من العاملين في "الخوذ البيضاء" وعائلاتهم تركوا من دون أن يتم إجلاؤهم، لعدم تمكنهم من الوصول إلى نقطة الإجلاء في التلال الغربية من محافظة القنيطرة السورية في الوقت المحدد، أو لعدم علمهم بالخطة أساساً نتيجة وجودهم في مناطق بعيدة. وفيما قرر بعض هؤلاء المغامرة بصعود باصات التهجير المتجهة نحو الشمال، لم يتمكن آخرون من المغادرة. 

عقب عملية الإجلاء، تصاعدت حملة التحريض الرسمية على "الخوذ البيضاء" بإضافة تهمة التعامل مع العدو الإسرائيلي، بالتزامن مع حملة أمنية سعت إلى اعتقال من بقي من عناصر الدفاع المدني، لا سيما في القنيطرة.

كما طال تهديد حملة التحريض ناشطين وعاملين في المجال الطبي والإنساني تمكنوا من مغادرة سوريا إلى لبنان، كما في حال محمد (اسم مستعار)، الناشط سابقاً في المجال الإنساني، والذي وصل مع عائلته إلى لبنان قبل ثمانية أشهر عبر طرق التهريب.

إذ فوجئ محمد لدى محاولته طلب حماية المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في بيروت، برفض أحد العاملين في المنظمة الدولية طلبه، متهماً إياه بالعمل لدى "منظمة إرهابية"، طالباً منه المغادرة والاتصال بـ"رقم الحماية" في حال تعرضه لمشكلة فقط.

ومن مسكنه في إحدى المدن اللبنانية، عبّر محمد لـ"سوريا على طول" عن خشيته من افتضاح أمره، ما يعني تسليمه وعائلته للحكومة السورية ليلقى مصيرياً مشابهة لزملائه، لا سيما وأن دورية أمنية كانت قد اعتقلت شقيقه، كما تمت مصادرة منزله وتحويله إلى مقر عسكري.

مصير محمد، وسواه من الملاحقين والمعتقلين من المنطقة الجنوبية، يبدو في الواقع نتيجة "اتفاقات المصالحة" التي ما تزال بنودها غير معلنة إلى الآن، كما تنطوي تصريحات من يفترض أنهم اطلعوا عليها بالتضارب والتناقض. 

اتفاقات تسوية غامضة

في تصريح لـ"سوريا على طول"، قبل عام، أكد أبو بكر الحسن، القيادي السابق في المعارضة، والمفاوض وقتها عن بلدة جاسم في ريف درعا الغربي، أن الجميع، باستثناء مقاتلي الفصائل الإسلامية المتشددة والدفاع المدني، سيكون لهم الحق في التصالح مع الحكومة السورية.

في الوقت نفسه، ذكر قيادي آخر في المعارضة، لـ"سوريا على طول"، كان على اطلاع على المفاوضات في بصرى الشام أن جميع السوريين في درعا والقنيطرة بمن في ذلك عناصر الدفاع المدني سيكونون مؤهلين للمصالحة، فيما تم استثناء مقاتلي "تنظيم الدولة" و"هيئة تحرير الشام".

هذا الغموض والتضارب يعدان بحسب عمر الحريري، "من الخروقات الخطيرة" مؤكداً ضرورة "الكشف عن كامل البنود بما فيها السرية".

وهو ما كانت قد ذهبت إليه المتحدثة باسم مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في أيار/ مايو الماضي، أي بعد قرابة عشرة أشهر على "المصالحات"، إذ أعربت عن مخاوفها من أن اتفاقات المصالحة "ربما لم تكن متوافقة مع القانون الدولي، وأن المدنيين لم يتمكنوا من الوصول إلى المعلومات المتعلقة بشروط الصفقة قبل اتخاذ القرارات المتعلقة بهم".

وعلى سبيل المثال، يؤكد المفاوض من درعا (البلد) أن "عناصر الدفاع المدني حصلوا على التسوية، لكن لاحظنا أن [بعضهم] تم إحالته إلى القضاء وإلى محكمة الإرهاب بسبب تقارير كيدية".

عدا عن ذلك، لم تتضمن اتفاقات الصيف الماضي، بحسب عمر الحريري، "بنداً رسمياً عن المعتقلين السابقين قبل المصالحة". الأمر الذي يؤيده اثنان من المفاوضين تحدثت إليهم "سوريا على طول" لغايات إعداد هذا التقرير.

وبحسب عضو الوفد المفاوض من درعا (البلد)، فإن "المعتقلين السابقين ملفهم دولي، سيتم حله من قبل الدول الفاعلة في الملف السوري".