عامر الحوراني

 

عمان- على غير العادة، أطلّ الطالب عبد الحميد الحمصي، على نافذة النتائج الامتحانية في الموقع الإلكتروني لجامعة الزرقاء الخاصة الأردنية، هذا الأسبوع، من دون لهفته المعتادة؛ إذ لم يعد حصوله على معدلٍ عالٍ يعني له شيئاً.

الحمصي الذي لجأ مع عائلته إلى الأردن العام 2012، هو واحد من 40 طالب وطالبة سوريين في الأردن،  قُطعت عنهم، في أيار/مايو الماضي، منحة منظمة "كرم" التعليمية.

إذ تلقى أولئك الطلبة رسالة عبر البريد الإلكتروني، اطلعت عليها "سوريا على طول"، جاء فيها أنه "بعد الفصل الدراسي الصيفي لن تتمكن مؤسسة كرم من تقديم منحة دراسية ودعم للطلاب في الأردن". عازية المنظمة ذلك إلى انخفاض التبرعات والمنح المالية المقدمة للمنظمات الداعمة للاجئين السوريين. وهو ما يعني أيضاً، بحسب الرسالة الالكترونية "أننا سنضطر إلى خفض برامج أخرى تقدمها مؤسسة كرم وليس هذا البرنامج فقط".

منذ البداية، لم تتعهد "كرم" بتوفير بمنحة جامعية تغطي كامل فترة دراسة الطلبة الحاصلين عليها في الأردن، بل يرتبط استمرار تقديم المنحة لاعتبارات عدة، منها المعدل التراكمي للطالب أو الطالبة. مع ذلك، فإن الحمصي الحائز على معدل تراكمي 89.9% في تخصص الصحافة والإعلام في جامعة الزرقاء، لم يتوقع أن يُترك في منتصف الطريق؛ إذ شارف على "إنهاء العام الدراسي الثاني"، كما قال لـ"سوريا على طول".

وفيما يتحضّر طلبة سوريون جدداً للالتحاق بجامعات أردنية مع اقتراب بدء العام الدراسي الجديد، سيضطر الحمصي إلى تعليق مسيرته الأكاديمية، إلى حين "أحصل على منحة" جديدة، بحسب قوله.

وقد حاولت "سوريا على طول" الحصول على ردّ من "مؤسسة كرم" بشأن مصير الطلبة المستبعدين من صندوقها لدعم الطلبة السوريين، لا سيما أنها وعدت في تعميمها على الطلبة المنتفعين بتشارك المعلومات معهم عن "المنح الجامعية خارج الأردن"، لكن لم نتلقَ رداً حتى نشر هذا التقرير.

ويبلغ عدد الطلبة السوريين في الجامعات الأردنية، 7207 طالب وطالبة، بحسب تصريح الناطق الرسمي باسم وزارة التعليم العالي، مهند الخطيب، لـ"سوريا على طول"، الشهر الماضي. ويشكل الحاصلون من هؤلاء على منح ما نسبته 22% فقط، وفقاً لدراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، نهاية العام الماضي. 

توجّه دولي نحو تخفيض الدعم للاجئين السوريين

ساندت البرامج التعليمية المخصصة للاجئين السوريين مئات الطلبة من بينهم خلال السنوات الماضية. إلا أن موارد هذه البرامج المالية تضاءلت تدريجياً، وصولاً إلى وقف بعضها كلياً، كما حال "مؤسسة كرم" بشأن الطلبة السوريين الدارسين في الأردن.

ورغم محدودية المقاعد الدراسية المتاحة للسوريين في الأردن أصلاً، فإن اتجاه المنح الدولية الجديد، والمتمثل بخفض الدعم عموماً، يقضي على آمال مزيد من الطلبة اللاجئين الراغبين في إتمام تعليمهم الجامعي. إضافة إلى أن تراجع تمويل الأطراف المانحة للاجئين دفع حتى المنظمات الإغاثية إلى مراجعة حساباتها، وبدأ بعضها يقلل وجوده في البلدان المجاورة لسوريا ويحول اهتمامه إلى الداخل السوري، بالتزامن مع ترويج حكومة دمشق، على مدار العام الماضي، فكرة مشارفة الحرب على الانتهاء، وأن العودة أصبحت آمنة للاجئين.

التخلي قبل نهاية المشوار

بعض البرامج التعليمية المخصصة للاجئين يتكفل بمسيرة الطالب التعليمية منذ التحاقه بالجامعة وحتى تخرّجه فيها، كما هي حال "منحة دافي" الممولة من الحكومة الألمانية ومؤسستي "سعيد" و"الأصفري" في لندن، وتديرها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. إذ تغطي المنحة الرسوم الدراسية، إضافة إلى تكلفة المواصلات والمراجع الجامعية، عدا عن تقديم مصروف شخصي للطالب أو الطالبة.

لكن حقيقة أن "دافي" ومثيلاتها لا تستوعب إلا عدداً محدوداً من الطلبة الراغبين في مواصلة تعليمهم العالي، يلجأ بعضهم إلى منح جزئية رغم ما تحمله من مخاطر التخلّي بشكل مفاجئ قبيل التخرج، ما قد يترك عميق الأثر في نفوس الطلبة، على نحو ما حصل مع الطالب خالد الزعبي الذي خسر هو أيضاً منحته من "كرم".

الزعبي (19 عاماً) كان وصل إلى الأردن في العام 2013، بعد ستة أشهر على مقتل والده في قصف للقوات الحكومية على محافظة درعا جنوب سوريا. وإذ تستطيع أسرته بالكاد تأمين أجرة بيت متواضع في مدينة إربد، شمال الأردن، فقد كان قرار وقف المنحة "صادماً لي ولأهلي" بحسب ما قال لـ"سوريا على طول". لاسيما وأنه لم يحظ أيضاً بمنحة "دافي"، كون مقاعد المنحة للعام الدراسي 2019/ 2020، مخصصة لطلبة الثانوية العامة المتخرجين هذا العام، وفق ما بلغه من معلومات.

وقد عمد الزعبي مع بقية الطلبة المتضررين من وقف منحة "كرم" إلى إرسال "بريد إلكتروني جماعي" ناشدوا فيه إعادة تفعيل المنحة. لكن الرد كان بالتأكيداً على التعميم السابق بـ"عدم قدرة المنظمة على استكمال المنحة نهائياً".

الانخراط في سوق العمل ليس خياراً

تتيح الجامعات الحكومية الأردنية الدراسة للطلبة غير الأردنيين، بمن فيهم السوريين، ضمن "البرنامج الدولي" الأعلى تكلفة في برامج هذه الجامعات، فيما تفوق رسوم الجامعات الخاصة أيضاً قدرة أغلبية اللاجئين السوريين الذين يعانون من ضعف فرص العمل أيضاً.

ففي حالة الحمصي، تبلغ رسوم الفصل الدراسي الواحد في تخصص الصحافة والإعلام بجامعة الزرقاء الخاصة، نحو 1500 دينار أردني. فيما تفوق رسوم الفصل الدراسي الواحد، للطالب أغيد الأشتر، في تخصص الهندسة المدنية بجامعة العلوم والتكنولوجيا، بمحافظة إربد، 3000 دينار. وهو ما يدفعه إلى التفكير في "التوقف عن الدراسة" إلى حين تأمين المبلغ الذي كانت تؤمنه "كرم"، بحسب قوله لـ"سوريا على طول"، رغم أنه قطع سنتين من الدراسة.

في الأثناء، قرر الطالب خالد الزعبي، "العمل في أحد المطاعم الشعبية بمحافظة إربد، إلى حين إيجاد منحة أخرى". علماً أن الانخراط في سوق العمل لا يبدو خياراً متاحاً على الأغلب نتيجة الحاجة إلى تصريح عمل لا يتم إصداره إلا لمهن محددة، إضافة إلى ارتفاع البطالة بين المواطنين الأردنيين أنفسهم، والتي سجلت ارتفاعاً، بحسب أحدث أرقام دائرة الإحصاءات العامة بداية الشهر الحالي، إذ بلغت 19.2%.



تم إنجاز هذا التقرير ضمن مشروع مؤسسة سوريا على طول "ربط المجتمعات من خلال التشارك المهني" والذي ينفذ بالشراكة مع برنامج "دايركت إيد" التابع للسفارة الأسترالية في عمان.