دراجة نارية تمر عبر شارع في عفرين، نيسان. تصوير: سمير الدومي /AFP.

 

كان الظلام قد أسدل ستاره على جزء من الغابات المحيطة بمدينة عفرين، في محافظة حلب، عندما أحدثت نيران القصف المدفعي والقنابل إلى إطلاق شرارات مضيئة في الهواء.

وسُمع صوت رجل يصرخ في تسجيل فيديو للهجوم، مساء يوم الإثنين الماضي، تم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً "سنثأر لشهداء عفرين"!!.

وبدأت النيران تسقط مرة أخرى مستهدفة منطقة ذات أضواء خافتة بالقرب من قاعدة يسيطر عليها فصيل "الجبهة الشامية" المعارض والمدعوم من قبل تركيا - وهو إحدى فصائل الجيش السوري الحر الذين سيطروا على المنطقة الشمالية ذات الغالبية الكردية بعد أن طردوا وحدات حماية الشعب التي يقودها الأكراد في آذار.

وكان المقاتلون المسؤولون عن هجوم ليلة الاثنين عناصر في الجماعة الكردية التي تم طردها، والتي لا تزال تحافظ على موالين لها عبر عفرين.

وبحسب ما ذكرته وحدات الحماية، أدى هجوم يوم الاثنين، الذي استهدف نقطة للجبهة الشامية، وهجومان آخران منسّقان في المنطقة في تلك الليلة، إلى مقتل ما لا يقل عن ١٥ مقاتلاً، من بينهم قيادي في المعارضة وأربعة جنود أتراك، ولم يتسن لسوريا على طول التحقق من ذلك بشكل مستقل.

وكانت هجمات ليلة الاثنين، وهي الأقرب إلى مدينة عفرين منذ السيطرة عليها من قبل القوات المدعومة من قبل تركيا في آذار، الأحدث في سلسلة من التفجيرات والكمائن والاغتيالات التي استهدفت مقاتلي المعارضة والمدنيين في عفرين وحولها في الأشهر الأخيرة، وفي آب وحده، قتلت ١٨ "عملية" نفذتها وحدات الحماية ما لا يقل عن ٥٠ مقاتلاً في المعارضة وسبعة جنود أتراك، بحسب ما قالته الجماعة.

وقال السكان إن تصاعد العنف ضد فصائل المعارضة في المنطقة الشمالية الغربية يثير الخوف ويساهم في انتشار شعور بعدم الأمان والفوضى في المنطقة،  وهي واحدة من آخر المناطق المتبقية في سوريا تحت سيطرة المعارضة كما أنها ملجأ لآلاف النازحين من جميع أنحاء البلاد.

المعارضة: "سنضرب بيد من حديد"

وفي أعقاب عمليات "وحدات حماية الشعب" على الفور، قالت المعارضة في عفرين إنهم قاموا بتمشيط المنطقة وتعزيز المواقع والاستعداد لتطبيق إجراءات أمنية مشددة.

وقال بدر قصي، الناطق باسم لواء الشمال التابع للجيش السوري الحر، لسوريا على طول "هناك خطة أمنية جديدة ستوضع قيد التنفيذ لمواجهة مثل هذه العمليات والسيطرة على الوضع الأمني ​​في المدينة بشكل عام".

من جهته، قال رأفت جنيد مدير المكتب الإعلامي في الجبهة الشامية "إننا نعزز احتياطاتنا العسكرية أكثر من السابق، وسنضرب بيد من حديد".

انفجار يضرب مدينة عفرين في حزيران. تصوير: عفرين مباشر.

وأكد جنيد أن عدداً من مقاتلي المعارضة قتلوا في "تسلل" من قبل القوات الكردية، يوم الاثنين، لكنه لم يحدد عدد القتلى في الهجوم.

وبالرغم من جهود المعارضة للقضاء على الخروقات الأمنية، قال السكان والمسؤولون إن الهجمات التي تشنها وحدات حماية الشعب ساهمت في زيادة الشعور بالخوف في المدينة، والتي أصبحت على حافة الهاوية بعد سلسلة من التفجيرات الدموية، في الأسابيع الأخيرة.

في السياق، قال آزاد عثمان عضو المجلس المدني في عفرين "إن صوت القصف وإطلاق النار يخلق حالة من الذعر"، وأضاف "هناك حالة من عدم الاستقرار بين الناس"، مشيراً إلى أن نحو ٧٠ إلى ٨٠ ألف شخص من سكان عفرين عادوا إلى المنطقة منذ نهاية عملية غصن الزيتون المدعومة من تركيا في آذار، والتي أدت إلى نزوح أكثر من ١٠٠ ألف شخص.

وانضم هؤلاء العائدون إلى الآلاف من النازحين السوريين من المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة سابقا في البلاد - بما في ذلك الغوطة الشرقية وشمال حمص - الذين كانوا يبحثون عن الأمان في عفرين، والتي تفيد الأنباء بأنها واحدة من الوجهات الأكثر شيوعا للنازحين من بين ما تبقى من مناطق المعارضة في شمال سوريا.

وقال يوسف علي، ٣٥ عاماً، أحد سكان عفرين، إن هناك زيادة في الهجمات مؤخراً وأن كل من النازحين والسكان الأصليين للمدينة يخشون حدوث المزيد من العمليات - لا سيما في ظل احتمال هجوم أوسع قد تشنه القوات الكردية أو الحكومية.

وأضاف العلي، وهو صاحب أحد المتاجر، لسوريا على طول "معظم المدنيين يبقون في منازلهم في الآونة الأخيرة"، واصفاً المدينة التي توقف فيها السكان بشكل واضح عن ارتياد الأماكن العامة والأسواق، وأضاف "أصبحت مدينة أشباح"، وطلب علي عدم ذكر اسمه الحقيقي لمخاوف أمنية.

"انتهاكات خطيرة" من قبل المعارضة

ورغم أن العنف المستمر يهدد جميع سكان عفرين، إلا أن سكاناً أكراد قالوا لسوريا على طول إنهم يشعرون بأنهم معزولون وبأن هناك تمييز ضدهم وسط حملة أمنية مستمرة من قبل فصائل المعارضة التي تعتبرهم متعاطفين مع أهداف وحدات حماية الشعب.

وقال أحمد مستو مواطن كردي وقيادي سابق في الجبهة الشامية "بعد كل عمل مناوئ للجيش السوري الحر يعتبر الأخير الشعب الكردي في عفرين بأنه تابع لحزب العمال الكردستاني"، ونجا مستو من محاولة اغتيال غامضة قامت بها وحدات حماية الشعب في حزيران، وحزب العمال الكردستاني، هو جماعة يسارية كردية وشبه عسكرية، شنت حركة تمرد دموية في تركيا لعقود من الزمن ولديها علاقات مع وحدات حماية الشعب.

وقال مستو وعدد من السكان الأكراد الآخرين إن عمليات وحدات حماية الشعب يعقبها عادة أعمال انتقامية ضد أكراد عفرين، بما في ذلك المضايقات والاعتقالات التعسفية.

وأوضح العلي "إن الجيش السوري الحر يعتقل الأكراد بشكل تعسفي بحجة أنهم خلايا لوحدات حماية الشعب".

ووصف السكان الذين تحدثوا إلى سوريا على طول انتهاكات مماثلة لتلك الموثقة في تقرير حديث صادر عن منظمة العفو الدولية يتضمن انتهاكات مفصلة، بما في ذلك السجن والاعتقال التعسفي للأشخاص العاديين، على أيدي المعارضة المدعومة من قبل تركيا في جزء من المقاطعة الشمالية التي كانت تسيطر عليها في السابق قوات كردية.

وجاء في التقرير أن "القوات التركية تطلق للجماعات المسلحة السورية العنان لارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان بحق المدنيين".

وقال عثمان، عضو مجلس عفرين المدني، في ردّه على التدابير التي يقوم بها المجلس في أعقاب العمليات العسكرية بعفرين بأن المجلس لا يستطيع أن يفعل الكثير ليضبط نفوذ المعارضة في المدينة، وتابع قائلاً "أولئك الذين يحملون السلاح يفرضون أنفسهم، إنهم يمارسون الضغط على المدنيين، ويتدخلون في الشؤون المدنية".

وأضاف "نحن على اتصال مع إخوتنا الأتراك من أجل اتخاذ خطوات جدية لتهدئة الناس وطمأنتهم بمستقبل أفضل".

إلا أن الانتهاكات التي ترتكبها المعارضة هي أحد الأسباب وراء خروج عدد من العائلات الكردية من المنطقة، بحسب ما أسماه عثمان بـ"النزوح العكسي"، حيث أن العديد من تلك العائلات التي عادت حديثاً بعد انتهاء عملية غصن الزيتون غادرتها مجدداً.

ووفقاً لمكتب التوثيق التابع للمجلس، غادرت ما بين ٣٠٠-٤٠٠ عائلة كردية عفرين في الشهر الماضي وحده، متجهة إلى مناطق مختلفة بما في ذلك مناطق أخرى من البلاد تضم عدد كبير من الأكراد مثل كوباني في شرق محافظة حلب، والقامشلي في محافظة الحسكة، وذكر عثمان أن بعضهم  سلك طريق التهريب عبر الحدود الشمالية إلى تركيا، بينما اتجه البعض إلى أربيل، في كردستان العراق.

وفي حين اختار بعض السكان الأكراد مغادرة عفرين، فإن معظمهم - بما في ذلك العامل الإغاثي النازح علي عبد الرحمن -  الذي جاء في الأصل من الغوطة الشرقية - اختار البقاء في مكانه بعفرين.

ورغم أن المخاوف المدنية "ازدادت" في عفرين منذ الهجمات الأخيرة التي شنتها وحدات حماية الشعب، بحسب عبد الرحمن، إلا أنه يراها الخيار الآمن بالنسبة لأهالي الغوطة الشرقية مثله الذي تم تهجيره إلى شمال غرب سوريا في أعقاب سلسلة من اتفاقيات المصالحة في وقت سابق من هذا العام.

وقال "على الرغم من المشاكل، فإن عفرين أفضل من الغوطة الشرقية، حيث كان يتعرض الناس للقصف، وإدلب حالياً على أبواب معركة كبيرة".

وختم قائلاً إن "المكان الآمن الوحيد المتبقي هو تركيا".

 

ساهم سلطان الشمدين في إعداد هذا التقرير.

 

هذا التقرير هو جزء من تغطية سوريا على طول لأوضاع النازحين في سوريا، والمستمرة لمدة شهر كامل، بالتعاون مع منظمة كونراد أديناور والمراسلين على الأرض في سوريا. اقرأ تقريرنا التمهيدي هنا.

 

ترجمة: سما محمد