"على طابور الغاز".. سكان مناطق الحكومة السورية يعبرون عن سخطهم بسبب شح موارد الطاقة

 

توزيع أسطوانات الغاز في حي ساروجة في دمشق الأسبوع الماضي. الصورة من سانا.

ظهر في أحد الفيديوهات الساخرة، رجل يتزوج من أسطوانة غاز ترتدي ثوب الزفاف الأبيض، حيث يبدو الرجل في سعادة عارمة لا يمكن وصفها بسبب حصوله على الأسطوانة.

وفي فيديو آخر، ظهرت شاحنة مليئة باسطوانات الغاز، تجوب شوارع المدينة ضمن موكب استعراضي يرافقه أسطول من الدراجات النارية وسيارات الأجرة التي تطلق زماميرها احتفالاً بالغاز.

وانتشرت صورة ساخرة على الفيسبوك، تظهر تمثالاً لإله أسطوري يثبت أسطوانة غاز على رأسه، بعنوان غازيوس: "إله الغاز عند السوريين".

 

وتعاني المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة في سوريا من أزمة حادة في موارد الطاقة هذا الشتاء، الأمر الذي أثار استياء المواطنين - ليس من خلال الاحتجاجات في الشوارع، ولكن عن طريق نشر الفيديو والرسومات الكاريكاتيرية وصور السخرية على الإنترنت - مما أدى إلى زيادة  الإحباط بين السكان.

ويكافح السوريون، وسط النقص الحاد في أسطوانات الغاز المستخدمة في التدفئة، في هذه الظروف الشتوية القاسية والطقس المتجمد.

وأصابت هذه الأزمة -  التي ألقي باللوم فيها على العقوبات الدولية وموزعي الغاز الفاسدين وارتفاع الطلب بشكل غير عادي -  المدن الكبرى الممتدة من السويداء في الجنوب إلى المناطق ذات الغالبية العلوية على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، والشرق إلى دير الزور بالقرب من الحدود العراقية.

وفي دمشق وضواحيها النائية، تصف الحكومة ومؤيدوها بشكل متزايد الهدوء النسبي على أنه علامة على تلاشي الحرب الآن، في الوقت الذي يواجه السكان صعوبات الانتظار الطويل للحصول على أسطوانات الغاز النادرة، بالإضافة إلى الأسعار الباهظة والحاجة الماسة للتعامل مع بدائل أقل مثالية من أجل الحصول على الغاز، فيما كان الضرر مضاعفاً على المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة بمحيط العاصمة في وقت سابق، والتي استعادتها الحكومة وحلفاؤها منطقة تلو الأخرى بعد عام 2016.

وفي الوقت نفسه، لا توفر شبكات الكهرباء القليلة خدماتها إلا بشكل متقطع على مدار اليوم، حتى في المناطق الثرية في المدينة – كان هناك أمل بأن انقطاع التيار الكهربائي قد انتهى أخيراً بعد سبع سنوات من الحرب.

طوابير طويلة وأسعار باهظة

قبل أن يحدث النقص الأخير، كانت عائلة يمان عبد الله، المقيمة في دمشق والمكونة من ستة أشخاص تحتاج عادةً إلى أسطوانة غاز واحدة كل 15 يوم.

ولكن الآن، اضطرت العائلة إلى البدء بالتقنين، وذلك عن طريق التقليل من استخدام الغاز بشكل يومي للطهي، وعن طريق الاعتماد على استخدام السخان الكهربائي بشكل متقطع واستخدام البطانيات من أجل التدفئة، للحفاظ على استمرار اسطوانة الغاز لمدة شهر على الأقل.

وفي الوقت نفسه، اعترف عبد الله لسوريا على طول، والذي يعمل في القطاع الحكومي في أحد المكاتب الحكومية، بأنه في وضع أفضل مقارنة بغيره "الوضع أسهل بالنسبة لي من الآخرين". 

رسم كاريكاتيري من وسام جمول.

وقال عبد الله أنه قادر، من خلال منصبه، على التسجيل على أسطوانة غاز من وكالة حكومية متخصصة، ثم ينتظر حوالي 20 يوماً للحصول على الأسطوانة، كما أنه يحصل بتوفير 2400 ليرة سورية (حوالي 5 دولارات) عن الأشخاص الذين يشترونها من تجّار الأزمات.

وفي بعض الأحيان عندما يستطيع الحصول على ميزات اضافية، كان يحصل على أسطوانة الغاز في خمسة أيام.

أما بالنسبة للسوريين العاديين في العاصمة والذين لايعملون في القطاع العام، فإن الحصول على أسطوانة غاز يمكن أن يكون إنجازًا في حد ذاته.

وغالباً تتجاوز أسعار الغاز التعرفة الرسمية التي تبلغ 2800 ليرة سورية (حوالي 5.50 دولار) على حد قول عبد لله.

وتجري عمليات توزيع الغاز المتقطعة في كل منطقة من أحياء المدينة في أيام مخصصة من كل شهر مع الإمدادات المحدودة، مما يؤدي إلى تشكل طوابير طويلة ومنافسة عنيفة. وفي بعض نقاط التوزيع، ورد أن الطوابير تقسم إلى قسمين: الأول للجنود، الذين يحصلون على الأولوية، والثاني للمدنيين. وفي بعض الأحيان، يعود السكان إلى منازلهم دون الحصول على شيء.

وذكر عبد الله "يجب أن تغادر منزلك قبل الساعة 2 صباحاً، وتتوجه مباشرة إلى نقطة التوزيع وتقف بالطابور، هناك بعض الأشخاص يأخذون معهم البطانيات وينامون في الشارع من أجل حجز دور في الطابور". 

شريط فيديو بعنوان "الغاز في دمشق المحتلة"

وبالنسبة لأولئك الذين لا يستطيعون الحصول على الغاز من خلال المراكز الرسمية، غالباً ما تكون السوق السوداء أملهم الأخير، وهناك يقوم الوسطاء وأصحاب المتاجر المرموقة الذين يتعاملون مع تجار الغاز والبائعين لتوصيل أسطوانات الغاز إلى المنازل، أو ترتيب المبيعات مباشرة بين العملاء اليائسين والذين لديهم فائض.

وفي السوق السوداء، يمكن أن تصل تكلفة الاسطوانة إلى 5000 ليرة سورية (ما يعادل 10 دولارات) وفقاً لعبد الله، وتشير تقارير أخرى إلى أن السعر يفوق ذلك بكثير، في بعض الأحيان يتضاعف السعر أو يزيد إلى ثلاثة أضعاف في أجزاء من العاصمة وضواحيها.

وقال الطالب رضوان علي، البالغ من العمر 28 عاماً، والذي يعيش في ضاحية جرمانا جنوب شرق دمشق " يمكنك الحصول على الغاز باستخدام الواسطة، هذا إذا كان متوفراً".

وأضاف "نحن في عام 2019، والناس في أطراف العاصمة يحرقون الأخشاب.. تخيل!!".

"العودة إلى الأساليب التي استخدمناها تحت الحصار"

وفي الوقت الذي يشاع فيه، في كثير من الأحيان، بأن دمشق لم تعد في حالة حرب، إلا أن السكان في المناطق التي تم استعادتها مؤخراً من المعارضة لا زالوا يعيشون في الظروف ذاتها، حيث البنية التحتية الرئيسية في حالة يرثى لها وشبكات الكهرباء في حاجة ماسة للإصلاح.

وترك النقص الأخير في الوقود أثراً سلبياً على سكان هذه المناطق العشوائية من الطبقة العاملة قبل اندلاع انتفاضة عام 2011.

ووفقاً لما ذكره العديد من السكان، فإن حرق الأخشاب للاستخدام المنزلي منتشر بشكل خاص في تلك المناطق المحيطة بدمشق، حيث أن وصول الغاز إلى تلك المناطق أصعب بكثير من وصوله إلى وسط المدينة.

وفي الغوطة الشرقية، التي حوصرت و قصفت لسنوات من قبل القوات الموالية للحكومة، يقول السكان أنهم معتادون على البحث عن مصادر التدفئة البديلة.

وخلال الشتاء في وقت الحصار، كان أهالي الغوطة الشرقية يحرقون كل ما يمكنهم العثور عليه في الشوارع – من البلاستيك، قطع الخشب، والقمامة – للحفاظ على الدفء وسط نقص الوقود الحاد.

رسم كاريكاتيري في 7 كانون الأول 2018، من مؤيد حسين.

وكان البعض يأمل بتغير الأوضاع، وقالت سحر عبد الكريم، البالغة من العمر 50 عاماً، وهي أم لخمسة أطفال تعيش في بلدة زملكا في الغوطة الشرقية "عندما عادت مؤسسات الدولة إلى الغوطة، كان لدى معظم الناس آمال وتوقعات كبيرة في تحسّن الخدمات".

ورغم تحسن الأوضاع المعيشية، حيث "لا يوجد حصار أو أي شيء من هذا القبيل"، إلا أن أول شتاء لها تحت سيطرة الحكومة أحبط الكثير من هذه التوقعات، على حد قولها.

وقالت عبد الكريم أنها وعدد كبير غيرها اشتروا وركبوا مدافئ المازوت لاستخدامها في منازلهم في بداية الموسم. لكن المازوت بالكاد يتوفر في الغوطة الشرقية هذا الشتاء، حيث توقفت معظم محطات الوقود في المنطقة الزراعية عن العمل.

لذا قامت عبد الكريم باستخدام الخشب لتشغيل المدفأة بدلاً من المازوت، كما أنها تحصل على خدمة الكهرباء من المولدات التي يملكها بعض الأفراد، حيث أن الشبكة الكهربائية الرسمية لا تزال قيد الإصلاح.

وقالت "نحن نعود إلى أساليب التدفئة التي استخدمناها تحت الحصار".

أما شبكة الكهرباء في العاصمة السورية فهي غير موثوقة، بحسب ما ذكره السكان، حتى وسط المدينة حيث تم ترميم الشبكة بالكامل في عام ٢٠١٧، بعد سنوات من التقنين.

وبالنسبة لكثير من سكان دمشق، غالباً ما تأتي الكهرباء وتذهب عدة مرات في اليوم: ثلاث ساعات، بثلاث ساعات، وعند الأعطال لا تتوفر الكهراء سوى ساعتين فقط خلال ٢٤ ساعة.

وقال عبد الله، موظف في القطاع العام "إن الكهرباء تعمل كبوصلة لأنشطتنا اليومية، عليك أن ترتب جدولك وفقاً لذلك: التدفئة والغسيل والكي، وعندما يكون هناك انقطاع، ولا يوجد كهرباء على الإطلاق، فإن ذلك يفسد يومك بأكمله".

"قريباً: بابا أعطيني كلمة السر بدي أعمل كاسة شاي".

ويؤثر انقطاع الكهرباء على الأحياء الراقية في دمشق أيضاً، بما في ذلك المزة في غرب دمشق، والتي عادة ما تكون موطنا لكثير من النخبة في المدينة والحكومة، بالإضافة إلى السفارات والفلل ومكاتب الأمم المتحدة.

وقال عبد القادر، المقيم في المزة، والبالغ من العمر ٥٨ عاماً، لسوريا على طول "لم تكن الكهرباء تنقطع عادة، ولكن في الآونة الأخيرة، أصبحت تأتي لمدة أربع ساعات، ثم تنقطع لمدة ساعتين".

وأضاف "يقولون أن الوضع مؤقت.. إن شاء الله، ستحل هذه المشكلة".

"هل ستطبخ لنا؟"

قدم مسؤولو الحكومة، بعد تعرضهم لضغوط بسبب الانتقادات والاستياء المتزايد في أنحاء دمشق وخارجها، بيانات ووضعوا خططاً في محاولة لطمأنة السكان بأنهم يحاولون حل المشكلة.

وألقى مسؤولو الحكومة باللوم في أزمة الطاقة الحالية على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، والتي أثرت في تجارة النفط في البلاد، وكذلك تأخر تسليم إمدادات النفط، والفساد، وارتفاع الطلب بشكل غير معتاد، والطقس البارد.

وتضمنت بعض الاقتراحات الخاصة لمعالجة أزمة النقص، زيادة في الإنتاج اليومي لأسطوانات الغاز، ومكافحة عمليات البيع غير القانونية، وإعادة تأهيل محطات الوقود وحقول النفط المتضررة.

وفي الوقت ذاته، دعا المسؤولون المستهلكين بالإبلاغ عن الموزعين الذين  يطلبون أسعاراً غير قانونية.

وفي كانون الأول، أفادت صحيفة الوطن اليومية، الموالية للحكومة، أن السفن التي تحمل إمدادات غاز إضافية وصلت إلى الساحل الشمالي الغربي، وهي جاهزة للتوزيع في جميع أنحاء البلاد، ونقلت عن مصدر لم تذكر اسمه من وزارة النفط قوله "أن الأزمة التي تعاني منها دمشق... ستحل بنسبة أكثر من ٨٠٪ في الأسبوع القادم".

 

حي البرامكة في دمشق تشرين الثاني ٢٠١٨. تصوير: عدسة شاب دمشقي.

لكن بعد مرور أكثر من شهر، لا تزال وسائل الإعلام الموالية للحكومة تصدر بيانات مشابهة، لكن لا أحد يأخذها على محمل الجد.

ونقل عن منصور طه، المسؤول الحكومي المشرف على عمليات التوزيع في دمشق وضواحيها قوله عبر صفحة فيسبوك دمشق الآن الموالية للحكومة، في ٢٣ كانون الثاني، أنه "سيكون هناك تحسن كبير في توزيع الغاز اعتباراً من بداية الاسبوع القادم".

وسارع المئات من متابعي الصفحة، البالغ عددهم ٢.٦ مليون، إلى الرد في التعليقات أسفل المنشور، ضحك عدد منهم، في حين وجه الآخرون الانتقادات بشكل مباشر.

وقال أحدهم "كاذب".

وقال آخر "صرلنا عم نسمع هالحكي شهر، يا منصور!".

ورد آخر بشكل ساخر "ابتداء من الصيف، إن شاء الله".

وفي منشور آخر عبر صفحة دمشق الآن، الأسبوع الماضي، نُقل عن رئيس الوزراء السوري عماد خميس قوله، إن الحكومة "وجدت بدائل لأزمة الغاز".

ومرة أخرى، كان هناك الكثير من التعليقات- غالباً انتقادات لاذعة - حيث اقترح  متابعو الصفحة "بدائلهم" الخاصة للمساعدة في حل الأزمة.

"استخراج الغاز من زجاجة بيبسي".

"قارب نجاة".

"هل ستطبخ لنا في منزلك، أم ماذا؟"

وشملت عدة منشورات حتى أرقام الهواتف.

وعلّق أحدهم "هذا هو رقم صديقي، موزع غاز في دمشق، فقط ٣١٠٠ ليرة، والتوصيل إلى منزلك".

ومع القليل من الثقة بإمكانية توفر البدائل الفعلية، أو ببساطة عندما يصبح الطقس دافئاً، يستعد أولئك الذين يعيشون في العاصمة والمناطق الريفية المحيطة على المدى الطويل.

وقال عبد الله "علينا الاعتياد على الأزمة، واستخدام الغاز فقط عند الضرورة".

"ونحن بين خيارين.. إما التقنين، أو أننا سننام في الشوارع بانتظار مكان في طابور الغاز".

 

تم تغيير جميع أسماء الأشخاص الذين أجريت مقابلات معهم أثناء إعداد التقرير لأسباب أمنية.

عمار حمو

عمار من مدينة دوما، في غوطة دمشق الشرقية، درس الصحافة في جامعة دمشق. بدأ عمله الصحفي مع "سوريا على طول" عام 2014، ويعمل حالياً كمحرر ومراسل. شارك في عدد من الدورات الإعلامية في الأردن وإسبانيا، أشرف على مشروع "الصوت السوري" وهو موقع شريك لـ"سوريا على طول".

أيفري أدلمان، مراسل ومترجم

تخرج أيفري من جامعة تفتس عام 2014، وحصل على شهادة البكالوريوس بتخصص العلاقات الدولية واللغة العربية.