الركبان في كانون الأول. فيديو من الإدارة المدنية في الركبان.

أبصرت الطفلة فرح ابنة سامر النور في مخيم الركبان، وهو مخيم مقفر للنازحين في الصحراء على طول الحدود الجنوبية السورية - الأردنية، حيث ولدت ولادة طبيعية قبل عامين وكانت بصحة جيدة.

وحتى الآن، فرح غير موجودة رسمياً، ولا تزال دون شهادة ميلاد، ولم تتلقى أي تطعيمات، فضلاً عن عدم وجود أي سجل طبي رسمي يوثق تاريخ ميلادها، وفقاً لما أكده والدها سامر.

ويعيش سامر في بيت طيني ضمن الأرض المحرمة، المنزوعة السلاح، بين الحدود السورية والأردنية، ومنزله امتدادٌ للمنازل الطينية التي أنشأها النازحون السوريون الذين فروا من تقدم تنظيم الدولة السريع في الصحراء الشرقية في سوريا بعد عام 2013.

وكان والدا فرح من بين عشرات آلاف السوريين الذين غادروا مسقط رأسهم ونزحوا إلى الركبان، ومعظمهم كانوا يأملون الوصول إلى الأردن، بحثاً عن الأمان عبر معبر حدودي مغلق الآن في الصحراء، إلى أن أدى تفجير سيارة مفخخة تابعة لتنظيم الدولة في منتصف عام 2016 إلى إغلاق الحدود بوجه آلاف الأشخاص، الذين توجهوا فيما بعد نحو المخيم.

وأصبحت المناطق المحيطة على جانبي الحدود مناطق عسكرية تخضع لحراسة مشددة، ولايزال الجانب الأردني من الحدود مغلقاً أمام الجميع باستثناء الحالات الطبية.

وهنا ولدت فرح: في صحراء قاحلة عرفت بالفوضى وانعدام القانون والفقر، حيث يعيش عشرات الآلاف من الناس على السلع التي يتم تهريبها من مناطق سيطرة الحكومة في البلاد، بينما وصول المساعدات الدولية يعتبر حدثاً استثنائياً، يحصل مرة واحدة في السنة.

وبالنسبة لأولئك الذين يأملون في متابعة الحياة في الركبان – من زواج وإنجاب أطفال- لا يملكون أي طريقة رسمية أو معترف بها قانونًيا لإثبات وجود أفراد عائلاتهم الجدد، وإخراج شهادات ميلاد أو دفاتر عائلية، وفي كثير من الأحيان يقومون ببساطة بكتابة أسمائهم على قصاصات من الورق في دفتر الملاحظات.

ومع تلاشي الحرب في سوريا، فإن عدم وجود أي نوع من الوثائق المدنية المعترف بها في الركبان يمثل تداعيات خطيرة محتملة على السكان الراغبين في العودة إلى مدنهم، وغالبيتهم من مدن أصبحت تحت سيطرة الحكومة، بعد أن استولت القوات الموالية للأسد على جزء كبير من الصحراء الشرقية للبلاد من تنظيم الدولة.

أما بالنسبة للأطفال مثل فرح، فإن عدم وجود الوثائق الأساسية، بما في ذلك شهادة الميلاد، يمكن أن يؤثر على حياتهم المستقبلية بطرق مختلفة، مثل الذهاب إلى المدرسة والزواج والسفر إلى الخارج، بحسب ماأكده بسام الأحمد، مدير منظمة سوريون من أجل الحقيقة و العدالة العاملة في مجال توثيق انتهاكات حقوق الإنسان.

أطفال في مخيم الرُكبان في تشرين الثاني. الصورة من الإدارة المدنية في الركبان.

ورغم أن مستقبل الركبان لم يكن أبداً موضع شك، يحذر المراقبون من أن أطفال المخيم لا يزالون معرضين لخطر انعدام الجنسية لسنوات عديدة قادمة، ما لم يتم إيجاد حل للوضع.

وقال الأحمد "هؤلاء الموجودين في مخيم الركبان، إذا بقيت الأمور على حالها، سيواجهون قضايا ضخمة في المستقبل؛ مثل قضايا الحصول على التعليم والخدمات الصحية".

"توزع الحلوى، وتخبر الشيخ وهذا كل مايحدث"

قبل الحرب، كان امتداد الأرض حول الركبان أرضاً منسية إلى حد كبير من الصحراء التي يقطعها طريق سريع واحد يربط بين دمشق والحدود العراقية القريبة، وكانت مدينة تدمر أقرب مدينة رئيسية، تقع على بعد 145 كيلومتراً شمال غرب العاصمة، ولم تكن هناك مستشفيات ولا مدارس ولا مكاتب حكومية محلية.

وبعد وصول عشرات الآلاف من النازحين السوريين، معظمهم من ريف حمص، أصبحت الأوضاع الإنسانية مزرية، وكذلك انتشرت الأمراض السارية وشهدت أسعار الطعام والمياه والدواء ارتفاعاً بشكل باهظ – في حال توفرها – وكان آخرها إغلاق شريان الحياة الأخير الذي يصل المخيم مع أراضي الحكومة، مما جعل السكان يتساءلون عن المدة التي يمكنهم تحملها والصمود في هذه الصحراء.

وتسيطر فصائل المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة على المنطقة المحيطة، ويعملون انطلاقاً من قاعدة عسكرية قريبة، كما تنتشر القوات الموالية للحكومة بما في ذلك الميليشيات المدعومة من إيران بالإضافة إلى بقايا خلايا تابعة لتنظيم الدولة في الصحراء المجاورة.

وعلى الحدود السورية-الأردنية، ومع عدم وجود أي جهة في الصراع السوري تعلن عن مسؤوليتها عن الأزمة الإنسانية التي طال أمدها في الركبان، كانت الإدارة المحلية في المخيم تشكل دائماً قضية خاصة، حيث توجد هيئتان منفصلتان - المجلس المحلي والإدارة المدنية - وتدّعيان تمثيل الآلاف من العائلات النازحة في الركبان، رغم عدم وضوح أيهما يملك السلطة الأكبر.

ورغم من أن كلا الهيئتين قد أخذتا على عاتقهما التوثيق غير الرسمي لأعداد متزايدة من المتزوجين حديثاً والأطفال حديثي الولادة عبر دفاتر عائلية غير رسمية، قال بعض السكان لسوريا على طول أنهم لا علم لهم بالخيار المطروح.

وقال سامر، والد فرح "لا أعرف ما إذا كانت الإدارة المدنية تقوم بالتوثيق، ليس لدينا أي جهة هنا يمكنها القيام بذلك بشكل صحيح".

"بيان عائلي" مؤقت صادر عن المجلس المحلي في المخيم على ورقة مأخوذة من دفتر ملاحظات، قامت سوريا على طول بتغطية جميع أسماء أفراد العائلة المسجلين في الوثيقة، حصلت سوريا على طول عليه من أحد أعضاء المجلس المحلي

وبدلاً من ذلك، قال سامر، إنه قرر الحصول على وثائقه على أمل أن يتم الاعتراف بها في يوم من الأيام.

وتزوج سامر، ذو الـ ٣٠ عاماً، عبر زواجي شرعي، غير مثبت قانونياً في القريتين عام ٢٠١٥، قبل أن يجتاح تنظيم الدولة المدينة ويتسبب بنزوح آلاف السكان بحثاً عن الأمان، ولم يكن أمامهم الوقت لتسجيل زواجهم رسمياً لدى السلطات الحكومية المحلية قبل نزوحهم إلى الصحراء.

ولهذا السبب، عندما وصل الاثنان إلى الركبان، قاما بإعداد عقد زفاف غير رسمي، يتكون من شيخ وشاهدين من بين سكان المخيم النازحين، ووثقوه على قطعة من الورق الفارغ.

وحتى الآن، فإن تلك الورقة هي الدليل المكتوب الوحيد على أن أسرته، المكونة من ثلاثة أفراد، موجودة بالفعل، بحسب ما ذكر سامر.

وحالة سامر ليست الوحيدة، حيث تزوج عمر، البالغ من العمر ٣٢ عاماً، في مسقط رأسه بريف حمص قبل أن يصل إلى مخيم الركبان مع زوجته وطفله أثناء هجوم التنظيم، لكن مرور السنوات داخل الركبان تعني أنه وزوجته رحبوا بقدوم طفلين آخرين ضمن الأسرة - ولم يحصل أي منهما على أي شهادة ميلاد رسمية.

وولد طفلا عمر الثاني والثالث، كما قال، مثل الأطفال الآخرين داخل المخيم، حيث "توزع الحلوى، وتخبر الشيخ، وهذا كل ما يحدث".

"ولد أطفالي في المخيم دون أي دليل أو وثائق أو أوراق، ولا ختم لتوثيق وجودهم على الإطلاق".

كما أن اللجوء إلى مكاتب السجل المدني في مسقط رأسهم في الأراضي السورية التي تسيطر عليها الحكومة، خيار غير وارد بالنسبة لسكان الركبان الذين يخشون من مضايقات السلطات الحكومية والحواجز المليئة بالميليشيات على طول الطريق.

"بيان عائلي" فارغ صادر عن الإدارة المدنية في الركبان. تصوير عمر الشاوي لسوريا على طول.

الأطفال خاصة "معرضون لخطر انعدام الجنسية"

يقول مسؤولو المخيم إنهم يحاولون ملئ الفجوة، لكن الوسائل محدودة.

وقدر شكري شهاب، مدير نقطة طبية مؤقتة داخل المخيم، معدل الولادات في المخيم بحوالي ٦٠ ولادة شهرياً، وتعطي الممرضات في العيادة الآباء الجدد أوراقاً موقعة تشير إلى اسم وجنس كل مولود جديد، جنباً إلى جنب مع أسماء الوالدين.

وقال شهاب "هذا هو كل ما يمكننا توفيره".

وزود المجلسان المحليّان في الركبان، في بعض الأحيان، النازحين بـ"بيان عائلي" بدلاً من البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة السورية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، لكن ذلك يعد حلاً مؤقتاً، بالنظر إلى أن الوثائق غير معترف بها قانونياً داخل سوريا أو خارجها.

والركبان هو مثال واحد فقط لأزمة الأحوال المدنية التي تتكشف في جميع أنحاء سوريا، حيث تحاول الأسر النازحة الحفاظ على الوضع القانوني أثناء فرارهم من منطقة إلى أخرى أو إلى البلدان المجاورة، وأصبحت دفاتر العائلة ووثائق الملكية وغيرها من الوثائق التي أصدرتها سلطات المعارضة قديمة - بين عشية وضحاها- منذ أن استعادت الحكومة السورية السيطرة على غالبية البلاد في الأشهر الأخيرة.

ووفقاً لزهرة البرازي، الباحثة بمركز دراسات انعدام الجنسية والاندماج في هولندا، فإن المخاطر كثيرة - خاصة بالنسبة للأطفال المولودين من دون وثائق حكومية رسمية - حتى وإن لم يكن جميعهم معروفين تماماً حتى الآن.

وقالت البرازي لسوريا على طول "نحن لا نرى التأثيرات طويلة المدى المتعلقة بالحصول على المساعدات أو الخدمات مثل التعليم، حتى الآن، لأنهم ليسوا بحاجة لها في الوقت الراهن"، مضيفة أن أولئك الذين ولدوا في المخيم "عرضة لخطر انعدام الجنسية".

وأضافت "في الوقت الحالي، ما نراه هو عدم قدرة الوالدين على إثبات هوية أطفالهم".

وبالنسبة لسامر، الذي لا تزال ابنته دون وثائق بعد عامين من ولادتها في المخيم الصحراوي، فإن هذا يعني أنه لا يوجد ما يمكنه فعله لإثبات وجودها،  فيما عدا الرحلة المحفوفة بالمخاطر إلى الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة.

وقال سامر، إن إدارتي المخيم "المتنافستين" لا تملكان سوى القليل من الموارد لتقديم أي مساعدة فعلية… "هنا فوضى".

 

هذا التقرير هو جزء من مشروع التدريب على الصحافة الاستقصائية في منظمة سوريا على طول بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور.