في أول عملية عودة "منظمة" للاجئين من الأردن، عشرات السوريين يعودون إلى ضواحي دمشق

الجدار الحدودي يمثل نهاية الأراضي الأردنية (يمين) وبداية المنطقة الحرة التي تقع على الحدود السورية - الأردنية (يسار). تصوير: وليد النوفل.

عاد عشرات اللاجئين السوريين إلى ديارهم في الضواحي الجنوبية الغربية لدمشق، أواخر الشهر الماضي، في أول موجة عودة للاجئين من الأردن بتنسيق ضمني مع السلطات في دمشق، بحسب ما قاله اثنان من منظمي العملية لسوريا على طول.

ووفقاً لاثنين من أعضاء اللجنة السورية المحلية التي تنسق عمليات العودة، ومقرها معضمية الشام على أطراف العاصمة دمشق، عبرت حافلة تقل حوالي ٢٥ لاجئاً سوريا معبر جابر-نصيب الحدودي بين الأردن وسوريا متجهة إلى دمشق في ٢٧ كانون الأول.

وتمثل تلك العملية أول عودة منظمة للاجئين السوريين من الأردن، بعد ثلاثة أشهر من موافقة سوريا والأردن على إعادة فتح معبر جابر - نصيب في منتصف تشرين الأول.

ووفقاً لقائمة الأسماء التي جمعتها لجنة البلدة، والتي اطلعت عليها سوريا على طول، قام أكثر من ١٠٠ لاجئ سوري من أهالي معضمية الشام بتسجيل أسمائهم لدى لجنة التنسيق، طلباً للعودة من الأردن.

وقال محمد حمرا، أحد سكان المعضمية، والمسؤول عن تسهيل عمليات عودة مماثلة للاجئين من لبنان في الأشهر الأخيرة، لسوريا على طول، أن ١٠٠ شخص حصلوا على تصريح بالعودة، إلا أن حوالي ٤٧ شخصاً فقط انتهى بهم المطاف إلى ركوب الحافلة والعودة فعلياً من الأردن.

وقال عضو آخر في اللجنة المنظمة للعائدين، وهو مفاوض المعارضة السابق محمود الخطيب، أن عددهم كان ٢٥ شخصاً.

ونسّق حمرا، الذي نزح سابقاً إلى لبنان، في البداية عودة ٤٠ شخص آخر من سكان المعضمية - بمن فيهم هو نفسه - في تموز، وأخبر سوريا على طول أنه منذ ذلك الوقت يعمل على تسهيل عودة مئات اللاجئين من لبنان.

وفي حين أن البنية الأساسية للعائدين من الأردن لا تزال في بدايتها مقارنة بلبنان، حيث عاد الآلاف منذ نيسان من العام الماضي، توقع الحمرا أن يسجل المزيد من اللاجئين السوريين في الأردن أسماءهم على قائمة العائدين في المستقبل القريب.

وقال "الناس يخافون دائماً من المرة الأولى"، موضحاً أن مجموعات اللاجئين العائدين من لبنان كانت صغيرة جداً في البداية إلا أن أعدادهم تتزايد بسرعة.

وتوقع الحمرا أن يسجل ما يقارب نحو ٤٠٠ لاجئ سوري أسماءهم للعودة من الأردن في الدفعة التالية من العائدين، لكنه لم يقدم المزيد من التفاصيل فيما يتعلق بالإطار الزمني.

وفي حين أن المتحدث باسم المفوضية لم يعلق على تفاصيل عودة معينة، فقد أقروا بأن الأمم المتحدة - بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة والحكومة الأردنية - نقلت عدة مجموعات من اللاجئين، الذين عبّروا عن رغبتهم في العودة إلى ديارهم، حتى الحدود قبل عودتهم، ولا تقدم مفوضية اللاجئين المساعدة في العبور، أو مواصلة الرحلة على الجانب السوري.

وقال المتحدث لسوريا على طول، يوم الأربعاء، كان هناك "سبع قوافل على مدى الأسابيع السبعة الأخيرة"، وآخرها في ١٦ كانون الثاني، موضحاً أن المفوضية والشركاء يسهلون رحلة الذهاب إلى الحدود للاجئين الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الرحلة بأنفسهم.

Embed from Getty Images

سيارات في طريقها لعبور الحدود الأردنية السورية يوم الأربعاء. تصوير ليث جنيدي.

"بازار العودة بدأ"

تم تشكيل لجنة معضمية الشام التي تنظم العودة من لبنان ولأول مرة من الأردن، في الأصل كلجنة مصالحة محلية في عام ٢٠١٦، للتفاوض من أجل العودة إلى سيطرة الحكومة، بما في ذلك إجلاء أكثر من ١٦٠٠ مقاتل من المعارضة وعائلاتهم إلى جانب المدنيين تجاه شمال غرب سوريا.

وخضعت المعضمة، وهي بلدة زراعية تقع على بعد عدة كيلومترات جنوب غرب دمشق، لسيطرة المعارضة بعد عام ٢٠١٢، وعلى مدى أربع سنوات، حاصرت القوات الموالية للحكومة المعضمية وقصفتها، كما شنت عليها هجوما بالأسلحة الكيماوية في عام ٢٠١٣ أسفر عن مقتل مئات المدنيين.

وكانت من بين أول ضواحي دمشق التي خضعت لعملية إجلاء قسري، بعد داريا، في عام ٢٠١٦.

 

وبعد فترة قصيرة من رفع الحصار، حيث تم إجلاء المقاتلين والمدنيين الذين لم يقوموا بتسوية وضعهم مع الحكومة شمالاً إلى محافظة إدلب، بدأت لجنة المصالحة في البلدة بتسهيل عودة السكان النازحين داخلياً في سوريا، كما قال الخطيب، الذي كان أيضا عضو لجنة المصالحة في ذلك الوقت.

ووفقاً للخطيب، فإن اللجنة تستعد بالفعل لعودة مجموعة أخرى من اللاجئين من الأردن، وتعتزم البدء في عملية مماثلة في مصر أيضاً.

وأضاف الخطيب "بازار العودة بدأ".

ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى تشارك الحكومة السورية - أو شبكة مخابراتها والفروع الأمنية - في تسهيل عمليات العودة التي وصفها أعضاء اللجنة بأنها ذات طبيعة مدنية.

وقبل العودة، تقوم اللجنة بجمع أسماء السكان النازحين الذين يرغبون في العودة قبل تقديم أسمائهم للسلطات، بما في ذلك الفروع الأمنية. بدورها تقوم السلطات بمراجعة الأسماء وإخطار اللجنة بشأن اللاجئين الذين لديهم "ملف نظيف" ولديهم الحرية في العودة.

ولم تتمكن سوريا على طول من التحقق بشكل مستقل من الأجهزة الأمنية السورية المسؤولة عن هذه العملية في المعضمية، إلا أن أحد المصادر على الأقل أشار إلى مكتب الأمن الوطني التابع للفرقة الرابعة في الجيش السوري.

ومن جهته، قال الحمرا أن الأسماء التي وضع عليها إشارة × على القوائم من المفترض ألا تعود قبل تسوية أوضاعها من قبل الحكومة، لكن في الوقت الحالي لا تتوفر هذه الآلية في الأردن.

ووفقاً لقائمة الأسماء التي اطلعت عليها سوريا على طول، فإن خمسة من أصل ١٠٠ اسم وضع بجانبها علامة X باللون الأزرق، بالإضافة إلى اسم واحد يحمل ملاحظة تقول "تخلف عن الخدمة العسكرية".

بالنسبة لأولئك غير المطلوبين من قبل الحكومة - أو على الأقل بالنسبة للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين ١٨ و٤٢ عاماً - ينطبق عليهم شرط واحد عند العودة: الخدمة العسكرية الإلزامية لأولئك الذين لم يكملوها بعد، ومع ذلك، أكد الحمرا أن العائدين يمنحون فترة مدتها ستة أشهر عند عودتهم قبل الالتحاق بالخدمة.

إلا أن معظم العائدين هم من النساء والأطفال، وفقاً لعضو اللجنة الخطيب.

وتواصلت سوريا على طول مع العديد من السكان الذين كانوا يقيمون في معضمية الشام في وقت العودة في الشهر الماضي، لكنها لم تتلق رداً من أي شخص.

ووفقاً لأحد أهالي المعضمية، الموجود حالياً في تركيا، فإنه من شبه المستحيل التواصل مع العائدين.

وقال "إنهم يرفضون التحدث إلى أي شخص... بدافع الخوف"، مضيفاً أنه هو نفسه فقد الاتصال مع بعض أقاربه بمجرد عودتهم إلى ضواحي دمشق من لبنان.

"العودة إلى المجهول"

قال سمير حسن، أحد سكان المعضمية السابقين، الذي طلب حجب اسمه الحقيقي، إنه يدرك تماماً بأنه مطلوب من قبل الحكومة، لكن ذلك لم يمنعه من تقديم اسمه إلى اللجنة منذ شهر مضى.

وأضاف لسوريا على طول في الرسائل الصوتية عبر تطبيق واتساب، "أعلم أنني عائد إلى المجهول، لكن الحياة هنا صعبة".

وتابع قائلاً "اضطر أطفالي إلى ترك المدرسة والعمل من أجل أن نعيش".

ولا يزال حسن ينتظر الرد من اللجنة، على الرغم من أن هذه ليست المرة الأولى التي يسجل فيها من أجل العودة.

وفي المرة الأخيرة التي تقدم فيها من أجل العودة، استغرق الأمر شهرين قبل أن يحصل في النهاية على ما فهمه بأنه رفض من اللجنة، حيث كان الرد "على قيد الانتظار" بحسب ما ذكر حسن.

ومع ذلك، يأمل حسن في أن يتمكن من العودة في نهاية المطاف.

وقال "لقد وعدتني اللجنة بأن النتائج ستكون إيجابية هذه المرة".

ووفقاً لإحصائيات مفوضية اللاجئين، عاد ٦٧٠٩ لاجئ سوري من الأردن في الفترة ما بين منتصف تشرين الأول، عندما أعيد فتح معبر جابر - نصيب الحدودي، وأوائل كانون الثاني من هذا العام. وحتى هذه اللحظة، كانت عمليات العودة على أساس فردي.

وقال كل من أعضاء اللجنة، الحمرا والخطيب، أنه لا يوجد حالياً تنسيق مع السلطات الأردنية.

وقال الحمرا لسوريا على طول "في الوقت الحالي، الأمور تجري بسهولة في الأردن، ليس هناك حاجة للتنسيق".

ولم يرد مسؤولو الحكومة الأردنية على الفور على طلب سوريا على طول للتعليق.

بالنسبة للبعض، تبقى العودة "مستحيلة"

منذ عام ٢٠١٦، تمكنت الحكومة السورية وحلفاؤها تدريجياً من فرض سيطرتها على غالبية البلاد - غالباً من خلال اتفاقيات الإجلاء القسرية المفروضة على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، بما في ذلك داريا ومعضمية الشام.

في الوقت نفسه، ازداد الضغط على اللاجئين السوريين للعودة إلى الوطن من الدول المجاورة وأوروبا، مع دعوة الحكومة السورية مراراً وتكراراً إلى عودة اللاجئين السوريين في جميع أنحاء العالم.

وفي عام ٢٠١٧، بدأت الحكومة اللبنانية - وكذلك حزب الله اللبناني- بالتنسيق مع السلطات في دمشق بتسهيل العودة عبر الحدود إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة في البلاد.

واستمرت عمليات العودة من لبنان بشكل منتظم منذ ذلك الحين، بما في ذلك العودة إلى المعضمية، حيث هاجم الجيش اللبناني - مرة أخرى بدعم من حزب الله - في آب ٢٠١٧، مناطق تحت سيطرة هيئة تحرير الشام وتنظيم الدولة على طول الحدود السورية اللبنانية، وعادت مجموعات متفرقة من اللاجئين إلى سوريا من لبنان منذ ذلك الحين.

وزعمت الحكومة اللبنانية بأن ما يصل إلى ٥٥ ألف لاجئ قد عادوا عبر الحدود، سواء كأفراد أو عائلات، أو من خلال عمليات عودة منظمة بوساطة الحكومة اللبنانية بالتعاون مع فروع الأمن السورية. وتحدث العائدون عن قسوة الظروف المعيشية على نحو متزايد في لبنان، وسياسات التضييق كأسباب لاختيار العودة.

وقالت مصادر أخرى أن ما لا يقل عن ٢٠٠٠ لاجئ سوري عادوا من لبنان منذ نيسان من العام الماضي.

وفي غضون ذلك، تؤكد المفوضية أن الظروف للعودة إلى سوريا ما تزال غير آمنة.

إلا أنه وبالرغم من عمليات العودة الأخيرة، لا يشعر جميع سكان المعضمية بالارتياح لفكرة العودة.

ويتواجد والدا عبد الرحمن المعضماني البالغ من العمر ٢٨ عاماً حالياً في المعضمية في زيارة لتقييم الوضع وتفقد منزل العائلة، وفي حين أن الوضع المعيشي للأسرة في الأردن "جيد" حالياً، كما قال، فإن والديه يريدان العودة إلى سوريا في نهاية المطاف.

ويرى المعضماني، الذي طلب حجب اسمه الحقيقي لأسباب أمنية، أنه من غير المرجح أن يعود، فهو في سن التجنيد الإلزامي، ويخشى أن "يتم سحبه إلى الجيش على الفور"، إذا عاد إلى سوريا.

وختم قائلاً "من المستحيل أن أعود".

ترجمة: سما محمد

 

عمار حمو

عمار من مدينة دوما، في غوطة دمشق الشرقية، درس الصحافة في جامعة دمشق. بدأ عمله الصحفي مع "سوريا على طول" عام 2014، ويعمل حالياً كمحرر ومراسل. شارك في عدد من الدورات الإعلامية في الأردن وإسبانيا، أشرف على مشروع "الصوت السوري" وهو موقع شريك لـ"سوريا على طول".

آلاء نصار

آلاء من سكان وادي بردى في دمشق ، درست اللغة العربية في جامعة دمشق ولكنها لم تستطع إكمال دراستها بسبب الثورة، غادرت آلاء سوريا إلى الأردن ،وهي تأمل بإيجاد حلول جذرية للحرب ا.

أليس المالح، مراسلة ومترجمة

تحمل أليس شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كوبنهاجن. درست اللغة العربية بشكل مستقل منذ عام 2013، ومؤخرا مع معهد سيجال في 2017-2018.